قصيدة المجرشة في قراءة ثانية
بقلم : لفته عبد النبي الخزرجي
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

في مقال سابق تحدثنا عن قصيدة المجرشة والمرجعيات التي تنتسب اليها، حيث أن هذه القصيدة وما أثير حولها من إشكاليات وأبحاث وما تعرضت له من إشارات عديدة حول مرجعيتها في التأليف ومن كان أول من نطق بها وأرسلها لتكون خريدة شعر تتداولها المجالس وتتحدث بها المنتديات ويكثر الخلاف في نسبتها، وتتعدد المرجعيات التي تدعيها وتنسبها لنفسها، كانت وما زالت مثار جدل وخلاف بين الباحثين.

الأستاذ عامر رشيد السامرائي، وهو الباحث المثابر في الأدب الشعبي العربي عموما،والأدب الشعبي العراقي كذلك، تناول قصيدة المجرشة، وكانت بالنسبة له " من القصائد الشعبية التي ذاعت بين الناس، وتداولتها الألسن بإعجاب مستمر."* وهو الآخر يؤكد أن تلك القصيدة، ورغم ذ يوعها وشهرتها فقد "أثيرت أسئلة تشكك في نسبتها إلى الشاعر الشعبي الملا عبود الكرخي "*، كما أن الباحث يورد الكثير من المراجع التي تشكك في هذا الأمر وتنسب القصيدة إلى شعراء آخرين، مع ما يورده من مراجع تؤكد وتعضد رأيه وما ذهب إليه في نسبة القصيدة. والباحث الأستاذ عامر رشيد السامرائي، ينقل هذه العبارات عن جريدة "الكرخ " الصادرة في 21/ آذار/ 1927 (هذه هي القصيدة الذائعة الصيت التي يتحدث بها الركبان وقد رأى الشاعر الكرخي أن يباريها منفعة للقراء وإرضاء لما حوته من الفكاهات وحسن النظم والسبك.)*

ونحن نؤشر رأينا في تلك العبارات الفارغة من أي حس أنساني، لان القصيدة في حقيقتها كانت رسالة تنقل حقيقة اللوعة وعمق الشكوى وجسامة الوجع، الذي كان خلف كتابة القصيدة وليس " الفكاهة " وحدها، حيث يعطينا الشاعر نور الملا شبيب، صورة ناصعة للمعاناة الإنسانية، وما تعنيه "المجرشة " بالنسبة للعاملات في ظروف قاسية واجر زهيد وساعات عمل غير معروفة ومعاناة، استطاع الشاعر الملا نور الحاج شبيب أن يسطرها في قصيدته، وكما ثبتها الأستاذ السامرائي:

ذبيت روحي على الجرش... وادري الجرش ياذيها

ساعه واكسر المجرشه... والعن أبو راعيها

**********

ساعه واكسر المجرشة... بحركه واشد احزامي

وامشي وره ألذبها الوكت... وانشد على جسامي

لأم عطب بالچمچه يغرف... وآني الگطب جدامي

عشره يشاركها برحل... وحده ابمطي يخليها

**********

ساعة واكسر المجرشه... والعن أبو ألسواها

مثل السفينه البالبحر... يمشي أبعكسها اهواها

ايصير اظلن يا خلگ... متجابله آني وياها

كلسه يگيرها النذل... وآني بحيلي ابريها

**********

ساعه واكسر المجرشه... والعن أبو(الكـــيرها)

الناس تفرح بالرجل... روحي الرجل مرمرها

"لاني ام ليله مسعده"... ولاني مشيله وشرها

ظليت حظ المجرشه... (اكند ونامن بيها)

**********

ساعه واكسر المجرشه... والعن أبو ألأسسها

الناس تفرح بالرجل... روحي الرجل يبسها

"أيطين السدانة" من العصر... "ويصبح" يتلمسها

لو شافله بكبر النخت... بيها زرف يسبيها

ولابد أن نؤشر جملة أخطاء وردت في هذه المقاطع، والتي نسبت إلى الملا نور الحاج شبيب وهي على لسان امرأة تجرش الشلب، ومفرداتها نابعة من البيئة الفراتية:

1) مفردة "العن" لايعرفها الرجال والنساء خاصة في الفرات.. والمشهور " أنعل ".

2) مفردة "آني " تلفظ في الفرات "آنه ".

3) " كلسه يكيرها " لا ترد هكذا، والأصح " كلما يجيرها ".

4) في المقطع الرابع نقرأ" والعن أبو الكيا " وهو خطأ مطبعي والأصح "و أنعل أبو ألجيرها " وكذلك " لا ني أم ليلة مسعدة " والأصح " لا نمت نومة مسعدة / والمقطع الذي يليه يشوبه الكثير من عدم الوضوح سواء في النظم أم في الوزن ". وكذلك نقرأ في نفس المقطع " ظليت حظ المجرشه " والأصح " ظليت حظي المجرشه / اكند وانامن بيها، ومفرده –اكند- تعني اتعب أو اكدح بجهد ".

5 " في المقطع الأخير " أيطين السدانة من العصر ويصبح يتلمسها " والمفردة الأولى مأخوذة من الطين، أي أن السدانة " تعمل من الطين على شكل دائري يشبه التنور لكنها أوسع وأعلى لحفظ الشلب المجروش،والبعض من أبناء الجنوب يطلق عليها " الهلثه " وهي تستخدم لحفظ التمور والحبوب بأنواعها، سابقا عند فلاحي البصرة. وهناك مثل شعبي يردده أبناء الجنوب، يقول " حال السدانه بالماي "، أما القسم الثاني من البيت، فهو أيضا غير واضح وزنا ونظما، والأصح " والصبح يتلمسها " والمعنى بشكل عام أن صاحب المجرشه، يريد السدانة مليئة بالشلب المجروش في المساء، حيث أنها بعد أن تمتلئ فهو يراقبها ويضع عليها الطين "أيطينها" وفي الصباح يعود لتفتيشها لعدم ثقته بالعاملات. وهذا يشكل بالنسبة للعاملات هما كبيرا جدا يثقل عليهن ويشعرن بعدم الرضا والحزن أيضا. والقصيدة التي نقلها لنا الأستاذ السامرائي، تشوبها الكثير من الأخطاء في المفردات وفي الطباعة أيضا، مما تسبب في ضياع فرصة التعرف على المفردات بشكل مفهوم وصائب.

والباحث الأستاذ السامرائي، يذكرنا بأن " هناك مجرشتين، الثانية منهما للكرخي ". إلا أن الباحث يذكر أيضا (وردتنا هذه القصيدة من الشاعر المشهور حسين الحلي آل عذارى، الذي نظم قصيدة "المجرشة " المشهورة وغيرها من القصائد الرنانة)، وهو ينقل لنا عن مجلة " صدى الحقائق " لصاحبها عباس حسين أل ألجلبي / العدد الصادر في 3. نيسان 1927 / السنة الرابعة، وتحت عنوان " كلمة عامية في الأدب " ثم يدرج لنا مقدمة القصيدة فقط:

ساعه واجرد فكرتي... وأرسل سهام الساني

وأطارد اللي معتجب... كلمن نزل ميداني

يأتي هذا في باب " إن الكرخي رأى أن يباري تلك القصيدة، ومن هذا نستنتج بأنه كانت هناك قصيدة بعنوان المجرشة، وأنها ذاعت بين الناس " ويضيف الأستاذ السامرائي "ثم جاء الكرخي وعمد إلى مباراتها، وبعبارة أخرى، أن هناك مجرشتين، الثانية منهما للكرخي"

ويذكر السامرائي، في باب الاستطراد، لإيضاح دور الباحثين في نسبة القصيدة على الوجه السليم، فيؤكد أن:

1 – الأستاذ علي الخاقاني، ذكر في الجزء الرابع من "فنون الأدب الشعبي" إن قصيدة المجرشة الأصلية تعود إلى الملا نور بن الحاج شبيب.

2 – مرة أخرى يعود الخاقاني وفي الجزء الحادي عشر من "فنون الأدب الشعبي" فيذكر إن المجرشة تعود للسيد حيدر الحلي وانه نظمها في العام 1920.

3 – الشاعر الملا عبود الكرخي، يعترف صراحة انه "سيباري المجرشة" وان الخاقاني كذلك ينسبها إلى الكرخي في الجزء التاسع من " فنون الأدب الشعبي ".

4 – ثم يعود الخاقاني وهو ينسب القصيدة إلى الملا عبود الكرخي، ويثبت احد مقاطعها، في الجزء التاسع من "فنون في الأدب الشعبي"، كما يورد ذلك الأستاذ عامر رشيد السامرائي:

ساعه واكسر المجرشه... وأانحر على الهنديه

السيف يعمه بهل العصر... ولتجرح البرديه

واسباعنه متمرمره... ومترفهه الواويه

يحگلي أدگن وانتحب... وعوينتي أعميها

ولا تفوت الأستاذ السامرائي ملاحظة أن هذا المقطع سبق وان نسبه الخاقاني للملا نور الحاج شبيب في الجزء الرابع من "فنون في الأدب الشعبي"، وهو كما اعتقد صائب في نسبته لان اغلب المفردات ليست غريبة على أبناء الفرات.

وحيث أن المشهور عن قصيدة المجرشة، أنها قد نشرت في جريدة الكرخ "العدد 3، حزيران، 1929 " وكانت تضم (62) مقطعا، ثم أعيد نشرها في ديوان الملا عبود الكرخي حيث احتوت على (74) مقطعا. والأستاذ السامرائي ومن خلال بحثه القيم المنشور في كتابه " أسطورة عبد الله الفاضل ومقالات أخرى " يذكر (إن ألخاقاني سبق له في الجزء الرابع من " فنون الأدب الشعبي " إن نسب المقاطع – 3،4، 8، 18، 21، 25 – إلى الملا نور بن الحاج شبيب. ثم أن (الأساتذة الأفاضل عبد الكريم العلاف، عبد الحميد الكنين، محمد سليم الذويب، عطا رفعت، ومحمود العبطة) هؤلاء اجمعوا على أن المجرشة الأصلية ليست للكرخي.

وإضافة لما ذكرنا في مقالتنا السابقة والتي حملت عنوان " قصيدة المجرشة، بين مرجعية الكرخي، والمرجعيات الفراتية " من أن قصيدة المجرشة قد أثير حولها الكثير من التساؤلات، وثبتنا في حينه، جملة المراجع التي اعتمدناها في بحثنا حول قصيدة المجرشة والتي أكدت أن أصل القصيدة من الفرات " مجارش طويريج ومجا رش كبر أبو دانيال ". كما أن الشعراء الذين وردت أسماؤهم في كثير من البحوث،كانت تشير، أن القصيدة تعود الى ثلاثة شعراء معروفين (الملا نور بن الحاج شبيب، السيد حيدر الحلي، والشاعر الملا عبود الكرخي.)

أما الباحث محمد علي محيي الدين فإنه يذكر " فرغم ذلك فقد ادعاها الكثيرون ونسبت إلى شعراء آخرين وشاعرات مجهولات على عادة تلك الأيام في عدم إذاعة أسماء قائلات الشعر لاسباب ليس هنا محلها."1

الاستنتاج الذي نحصل عليه من هذا الاسترسال في إيراد مجموعة الإشارات التي تنحو منحى الدراسة البحثية، أن القصيدة "المجرشة" قد كتبت في زمن سابق، وان الكرخي اطلع عليها وحاول أن يباريها، وهناك شواهد كثيرة ذكرها الباحثون، قد أوضحت هذا الأمر.

في معرض بحثه يذكر الأستاذ عامر رشيد السامرائي " والآن لنا أن نتساءل عن مصير(المجرشة) الأصلية، ماذا حل بها ؟ وكم كان عدد أبياتها ؟ ومن هو ناظمها ؟

ويستطرد الباحث حيث يقول " يتفق كل من عبد الرزاق الحسني، الأب انستاس الكر ملي، عبد الكريم العلاف، على أن صاحب المجرشة الأصلية هو الشاعر ملا نور الحاج شبيب."

ويصل السامرائي إلى التأكيد أن (قصيدة المجرشة الأصلية ليست من نظم الكرخي، وان الشاعر عبود الكرخي عمد إلى مباراتها، بعد أن اخذ مطلعها ومقطعين أوليين منها، بقصيدة أخرى تحمل نفس الاسم ونشرها في جريدته ثم في ديوانه فلصقت به دون غيره، فطمس الأصل أو غمر ذكره.)

وهكذا يكون لدينا مؤشر ودليل، من خلال ما تقدم، أن هناك مجرشتين، الأولى كانت للملا نور بن الحاج شبيب من طويريج "الفرات" والثانية للملا عبود الكرخي. إلا إن التداخل في القصيدتين وما جرى على قصيدة المجرشة الأصلية من إضافات وتغيير بعض المفردات، كانت سببا في ضياع الأصل. وفي السياق ذاته فإن الكرخي كانت له اليد الطولي في نشر القصيدة وذيوعها وتعريف الوسط الثقافي والمتابع للأدب الشعبي بهذه القصيدة، مع ما رافق ذلك من بحوث متناقضة ومتباينة امتدت نصف قرن أو أكثر من ذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- السامرائي: عامر رشيد / أسطورة عبد الله الفاضل ومقالات أخرى / الجزء الأول: دار الشؤون الثقافية.

2 - محيي الدين: محمد علي / محطات في التراث الشعبي العراقي: مطبعة دار الفرات / الحلة.

  كتب بتأريخ :  الجمعة 08-04-2016     عدد القراء :  2694       عدد التعليقات : 1

 
   
 

Guest

رائع جدا