القلادة: حداثة النص بين الإسقاط والتناص والتأويل
بقلم : هاشم مطر
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

استهلال

ليس من السهل متابعة رواية ملحمية تزخر بالأحداث والشخصيات وملاحقتها نقديا، ولا نحسد القارئ على متابعته نصا نقديا يحاول الدخول الى عالم الرواية ومن خلالها انصاف الكاتب الذي كتبها. ولكن سنحاول قدر الإمكان، بمرافقة واقعية، ان نعطي فكرة عن احداث الرواية مرفقة بطبيعة الحال بالنقد الحيادي الأكاديمي كمنهج نستطيع من خلاله تمكين القارئ مشاركتنا العمل وان لم يقرأه، فربما يثير فيه ذلك رغبة في قراءة الرواية.

ما فعله الكاتب حميد العقابي في روايته الصادرة عن دار الجمل 2016 هو اعادة الغائب الماضي واسقاطه بقفزة واحدة على الحاضر متنقلا بين زمنين/متشابكين.. يشير لهما الكاتب بوضوح في الصفحة 177 «لماذا لا أكون محمدين ». وهذا بحد ذاته محاولة للمزاوجة بين زمنين يبدوان بعيدين عن بعضهما بعضا بزمن غير قليل في محاولة لاستعادة المشهد التاريخي بنفس الأسماء تقريبا مع خلط واضح متقصد للأزمنة، فالنص من هذه الناحية يمكن تصنيفه ضمن الواقعي/ المتخيل في رؤية لا يعنى ماضيها بقدر ما يعنى حاضرها او الاثنان معا حسب تقدير الحالة.

سنأخذ الأسماء في بحثنا في ضوء واقعها وليس من باب تأوليها الا فيما ندر ضرورة للتوضيح، وهنا وجبت الملاحظة بأن الشخصيات لها اشتراطان تاريخيان مركبان كذلك. وسنحاول قدر الإمكان جمع وملاحقة منهجية الكاتب، وطريقة سرده المركبة تسهيلا لمتابعة النص وربط مفاصله، ومن ثم رؤيتنا النقدية بخصوصها، فلذلك نستميح الكاتب والقارئ معا على طريقتنا بمتابعة النص فهي غير متسلسلة حسب الوقائع وانما حسب تنزيلها، مع معالجة الشخصيات في عدة اوجه، ملحقة بالحدث، في أوقات مختلفة، فتبدو مكررة جزئيا لكنها في الحقيقة تظهر في مستويات متعددة استجابة للنصوص المركبة التي تتطلب زوايا مختلفة للمعالجة، وعليها ينطوي رسمنا لخطوط الرواية وتحديد مسارها فتبدو مسهبة بعض الشيء، لكنها تمنحنا حرية تأمل النص والوقوف عند مفاصله مع اعطاء فكرة عن أجواء الرواية التي زاد عدد صفحاتها على خمسمائة صفحة من القطع المتوسط .

السيرة

من خلال سيرة محمد ذو الشخصيات المتعددة وتداخل غير ميسّر بل عسير على الفهم بأوله حتى ينتظم سياق الحبكة في ذهن القارئ، يأخدنا العقابي الى عالم الماضي الكئيب الذي يستخدمه كسهم اختراقي لجسد الحاضر بنفس الدرجة من الكآبة إن لم يفقها اذ ما وضعنا آفاق الحكاية بأحداثها، في جانبها، التي وقعت بعد أكثر من الف وخمسمائة عام. ويمكنني القول منذ البداية ان الكاتب يجازف بما لديه فيبدو جهده بقراءة سطحية نوعا من ضرب الزهر، ولكن الأمر مختلف بالمرة حينما نقرأ النص بروحية أخرى واضعين نصب أعيننا ان في كلا المرحلتين التاريخيتين ما يستوجب تأمل الانحطاط ومرارة التجربة المركبة المبنية في الحالتين على المقدس بشقيه الديني والسلطوي المادي، ثم تجلياته السياسية، وتزاوج الاثنان كوحدة سيادية منتجة، ليست افتراضية بالمرة، بل بمسؤوليات مركبة يمتحن الكاتب فيها إمكانيته باستخدام أدواته، لا كقيمة معنوية انما فعلاً اعراضياً صرفا .

يبدأ العقابي روايته بمقاطع متأخرة بمعنى وقت حدوثها، أو وقت كادت السيرة تشرف على النهاية. بحيث يضع العقابي مبضعه في جسم الرواية ومسارها الدرامي وما توصل له في نصه وما تمكن من استجلائه كتأثير متبادل على الأحداث، وكقيمة لها اولويتها اختارها لبداية روايته.

محمد وحميرا زوجته، علي وزهرة زوجته بنت عمه محمد عائلتان تشوب حياتهما بعض الغموض والاختلافات، يسكنان في منزل واحد من طابقين. وبهذه الإشارة (بيت من طابقين) يضعنا الكاتب امام خيارا واحدا بأنه يعني حاضر الحياة المعاصرة، حيث لم يكن قبل زمن طويل بناء من طابقين. وهي إشارة كافية من شأنها ان تأخذ بقارئه الى فكرة الإسقاط المعاصر للنص، وهي غير قابلة للتأويل.

زهرة زوجة علي التي تمتعض من مغادرته كل يوم التاسعة مساء، بمهمة سرية على ما يبدو، من دون معرفتها، متخفيا بمعطف وكوفية مرقطة، فيحاول ابوها محمد طمأنتها بأنه يعرف سر خروجه بل بتكليف منه، «اسمعي زهرة.. أنا على علم بكل ما يقوم به ابن عمك. .» جازما بأن ليس خلف السر امرأة. في وقت ترى فيه زهرة زواجه من (حميرا) الشابة التي تصغره بخمسين عاما، ضربا من التصابي واقلالا من هيبته المعروف بها في المجتمع وسطوته الكبيرة ومراقبته وانتباهه لأصغر الأمور، حتى سلّم «دفتر الحسابات وشؤون ادارة المخازن الى (أبي سلافة) والد حميرا، وشؤون ادارة البستان والأراضي الزراعية الى ابن أخته (جبير)، وانشغل بنفس الوقت عن حفيديه بعد ان كان مغرما بمداعبتهما قبل زواجه من حميرا. غير انها انصفت اباها على زواجه منها بعد ممات أمها التي تكبره بأكثر من عشرين عاما، ماتت في فراشها بعد ان اصيبت بالشلل، وكان وفيا لهاً حتى مماتها وبقي مسكونا بها فيما بعد «فلم يهنأ في حياته مع امرأة بعد بهيجة ». وها هو لم يهنأ مع حميرا التي دارت الشبهات حول علاقتها مع جارهم (رضوان العاطل) وهو الحدث الذي تطلب الكثير من المشاحنات بين الزوجين، ومن ثم التدخل من قبل الأعيان لتبرئتها منه، فكانت شهادة جابر الزبال بأن رضوان مخصي قد وضعت نهاية للأمر بشكل من الأشكال. فيما تواصل حميرا ضمرها العداء لـ علي بسبب ذلك، سيما وأن زهرة «سمعت بوضوح اسم زوجها يتردد على لسان حميرا بأوصاف لم يجرؤ أحد أن يلصقها بعلي غير حميرا...» مع استمرار شكواها من «شيخ قدماه تتدليان في قبره» والكثير من الكلام البذيء.

من باب آخر يواصل العقابي وضع لبنات السيرة من خلال الحفيد (حسين) الطفل المريض- في السادسة من عمره الذي حلم بالقلادة حول عنقه، وهي اول اشارة لإسقاط اسم الرواية على المتن، والذي سيكون لها الأثر في معرفة (القربان) لاحقا كمقولة لبهيجة لم يسعفها الوقت لشرحها وقت مماتها، فأصبح (القربان) بمثابة السر الذي سيبقى محمد يلاحقه في حياته المتأخرة.

وكممهدات للنص وما يحسب في صالح السيرة يعهد الكاتب الى ظروف نشأة محمد واسباب اهتمامه بابن أخيه علي كرد جميل لأخيه مناف الذي اهتم به بعد وفاة والدهما المبكرة، فكانت اولى خطاه المعرفية بتعلمه على الشيخ نوفل، التي حظيت سيرته في الرواية على الكثير من الاهتمام بل كانت الركن الأساس في بلورة شخصية محمد لاحقا. فتوقف الكاتب عند تلك الظروف من خلال التعليم واستقاء المعارف بسبب نسخه للمخطوطات ومعايشته اليومية للشيخ نوفل التي كانت شخصيته في المجتمع موضع خلاف والتباس واثارة للجدل، «فلا أحد يعرف شيئا عن طفولته وشبابه، ولا حتى عن أصله ومتى جاء الى هذه المدينة ». بل بقيت مصادر معرفته سرا من الأسرار، خصوصا بمتعلقات اسراره الكتابية ومخطوطاته والتي لايزال السؤال المعرفي قائما حتى يومنا هذا حول المادة النثرية الثرية التي كانت قائمة وقتذاك. وهذا السؤال الذي اعاد تركيبه العقابي على صيغة سؤال آخر بعدم العثور على اي شيء في بيت الشيخ نوفل بعد مماته، يترك قيمة تأويلية متاحة للتصرف والبحث من قبل المختصين. وبقدر تعلق هذا الأمر برواية القلادة فأنه باعادة السؤال على نحو اتفاق بين المعرفة كوسيلة بحثية والرواية كقيمة ادبية تخيلية وتساؤلية، يصبح من المتاح ايضا أمر معايشتها (associated with) في حكم اعادة المنتج الذهني للمجتمع، مع احداث شرخا، ان لم يكن كسرا واضحا في البناء ذاته. في وقت يحاول فيه الكاتب اضفاء بعض المساعدات اللفظية على شخصية محمد تتعلق بعزفه على «شبابة» ورغبته في تعلم العود ورعي الأغنام وغيرها الكثير كإشارات لانتاج معنى انساني للفعل بين القديم والحديث. وفي حال اخذنا لما ذكرناه اعلاه كوحدة تركيبية معشقة على وفق نظام سيمولوجي وكاستعارة لفظية يكون اقترابنا من الشخصية المحمدية ضربا من منتج جديد يساعدنا في فك الإيحاءات والرموز والأسرار، بما فيها تطور الشخصية ذاتها، كعنصر مدهش في التحول الاجتماعي وكشف الفعل الدلالي في حد ذاته. واذ نحاول هنا كسر الجمود النقدي يمكننا القول بأن البيئة بمجملها وتجاوز عفويتها يوصلنا الى تراتبية حتمية لإنتاج المجتمع لجديده الأخلاقي والمادي الصرف، وأنّى كثرت تلك الرمزية فهي مفاتيح مضافة تفضي الى كشف ميسّر اكبر لنص العقابي المركب. ولعل في هذا سبب في تمدد الرواية على مساحة ورقية قوامها 540 صفحة وضعها الكاتب من دون تردد بالرغم من أمل القارئ بتقليص حجمها.

يتخذ الكاتب من سيرة الأسرة الهاشمية في شقها المعاصر من خلال تصديها للمحتل في صورة الجد هاشم ومنصور نوعا من التفعيل الدرامي للأحداث لكي يخرجها من فتورها، بل يسرد بإسقاطاتها تلك وبكثير من الإمتاع، مشبعة بالصورة وتعشيق الأحداث ببعضها بعضا، لإنتاج السيرة الملحمية للعائلة بمؤسسيها وبأجيالها التي توارثت العناد والثورة الداخلية واطلاق مكنونها النفسي على الحدث. وتتصف جميعها بنفس الأوصاف كقيمة توارثية مصنفة بثوريتها بدءا بالشيخ هاشم الجد الذي قتل (اللفتنت كولونيل جاكسن) واعتقاله ومن ثم تحريره من قبل ابنه منصور، مبقيا على بؤر النزوع التدريجي لظهور الشخصيات المناوءة التي يخلقها الواقع الجديد نقيضا للشيخ هاشم بصفة الشيخ حمدان الموالي للمحتلين الذين « رأوا فيه رجلاً صالحاً لخدمتهم » حتى يستقر الأمر له في النهاية، كإثبات شبه حتمي، لما تنتهي له الثورات اجمالا في التاريخ بإنتاج طبقة المنافقين وسراق النصر، فيما يموت الجد هاشم بعد حادثة المرأة التي تبصق بوجهه أمام الرجال في مجلسه بأنه كان السبب بموت ابنها الذي غرر به وجعله من الثوار، حسب ادعائها. هذه الوشاية المجتمعية المشبعة بالذاتية/الأنانية الصرفة يدل بها الكاتب على صورة التقلبات التي غالبا ما تحصل في النهايات والنتائج شبه المحتومة، فلا مكان لوخز الضمير الإنساني انما المجسات التي تطلق التجارب الى خلق القناعات، اية قناعات، فهنا لا السيرة الهاشمية صاحبة المأثرة ولا الواقع الجديد، انما الاختلال المجتمعي هو الذي يفضي الى منطق المعاينة لفحص الماضي وتجلياته على وفق النظرة الآنية للواقع بامتيازاته. وعموما نجد في عَقد الكاتب للسيرة نهاية لمرحلة وبداية لسلطة من التجار والسياسة والدين في خلطة واضحة المعالم لفترات ما زالت تنوء مجتمعاتنا تحت سطوتها، بل لا خلاص منها.

ومن خلال هذا المبنى يذهب العقابي الى اشتغال آخر هو قيمة الذكاء والتصرف لدى سليل العائلة الجديد/المغامر محمد في تحديه وامعانه بالتحول من أجل استعادة سلطة العائلة الهاشمية لمجدها وبريقها فيزاوج في دخول محمد المعترك الجديد بتنمية سلطته الاقتصادية ودخوله عالم السياسية في انضمامه لاحقا الى الحزب الاشتراكي كسلطة معادلة للتغيير الحاصل. وهي بمجملها يمكن وضعها كاستعادة يقظة للتاريخ المهزوز أصلا، فلا رجاء منه سوى تكراره بمرارة اكبر حتى وأن جاء على نحو تزاوج حديث ذهب اليه الكاتب بصفة شخصية محمدية محدثة وتجربة سياسية جديدة بهيئة الحزب الاشتراكي التي سنأتي عليها.

عودة للبدايات

على وفق نظامه الروائي آثر العقابي بجعل سيرة بهيجة خارج سياق سيرة الشيخ نوفل الملتبسة، بشكل او بآخر، والتي اشيعت عنها الأقاويل الكثيرة، وحتى اتيان الشيخ بها كزوجة ولم يمسسها فيفض بكارتها محمد فيما بعد، وفي معاينته شخصيا لشيخه كـ«رجل ضالع في الغموض طلّسم يمشي على الأرض»، جعل محمد يهتم بكل خبر عنه وتوصل الى أن بهيجة «هي مفتاح الأبواب المغلقة».

وفي وقت انكباب محمد على نسخ المخطوطات في مكتبة الشيخ نوفل الذي صاحبه لأكثر من ثلاث سنوات، وضع الكاتب مقدمات العلاقة بين محمد وبهيجة التي استمالته وأغرته وكانت تتلصص عليه في غياب الشيخ وقت مغادرته البيت الى الجامع، بل يطيل بقاءه فيه، بإيحاء متقصد للدور المستقبلي المحتمل لشخصيته، مصحوبة برغبة جنسية اخاذة لبهيجة يصفها الكاتب بأناقة وتوئدة غير متعجل نتائجها التي ستدهش الجميع «لائبة في جسد ضيق، لا يسعها الفضاء كله ولا تحتمل سجن الجسد»، ثم حوارات تنحو الى الصراحة تدريجيا بينهما، مع هالة من الغموض في الوقت ذاته من قبل بهيجة معللة عدم الإفصاح عن سبب ميلها لمحمد بغموض اكبر بقولها: «لأنك لن تطيق صبرا».

وعلى نفس المنهج يقدم الكاتب لظهور الغرباء في المدينة والذين سيمثلون فيما بعد القوة الثورية الجديدة والذين سيتصدى لهم محمد في البداية مدافعا عن شيخه ويصبح واحدا منهم بل احد قادتهم بعد وقت. ولا يسعنا هنا سوى ان نثني على نظام الكاتب لحد الإقناع بانتظام السيرة والقيمة السردية من زاوية رؤيتها مستقبلاً. وهذا الأمر يجعلنا نتوقف في معرض قراءاتنا لروايات اخرى بإدخال الشخصيات وحتى الأحداث بصفة اقحامية تثير التساؤل حتى بالنسبة للقارئ البسيط. وما نستطيع قوله هنا هو ان العقابي اشتغل على جانب التقديم من زاوية مخبرية غير متعجل نضوج الشخصية فهي تكبر ويتسع دورها تدريجا مع النص، وهذه صفة اشتغال احترافية مهمة، تضع النص في محيطه الفني ونسيجه القابل للتوسع اضافة للدور المنتظر للشخصية والحدث على حد سواء. ومما لا يحسب في صالح الكاتب هو استغراقه احيانا في جزئيات حرصا منه على ما يبدو، على احقاق المتناول او الحدث، وهذا ما نراه واضحا في الاستطراد الواسع في بحثه وبالتساؤلات الكثيرة التي احاطت بالشيخ نوفل على وجه الخصوص. وعموما نجد الكاتب على تواصل مع ابطاله حسب دورهم واهميتهم وهذه هي انتباهه تقنية صرفة كصورة حاملة للنص بمجمله لحد الإرهاق فيتخلص الكاتب من اعبائه تباعا. فيبدو كمن يحمل عدة عمله في كل وقت فيندفع العمل بحدثه من خلال ظهور شخصياته وحركتها الى الأمام بشكل مستمر ومن دون رجعة، عدا بعد الإعادات الطفيفة التي نتعثر بها احيانا.

وكاستعادة يقظة للتاريخ تبرز صورة علي على وجه الخصوص «الساعد الأيمن لعمه» وزوج ابنته زهرة، فسيصبح بالنسبة للكاتب شخصية محورية معرّفة بالقوة والزهد، بل عاملا ميدانيا لتحقيق (الثورة)، كذلك الحال بالنسبة للشخصيات الثانوية المهمة في الرواية، وهي كثيرة، لكنها كانت واجبة الظهور والفعل معا على مدار الرواية، اذا ما استثنينا منها والد حميرا (ابو سلافة) فلم يحمل التناص الإسقاط المناسب لتلك الشخصية المهمة التي كنا بانتظار دورا لها لأهميتها، في وقت يجد معادلها الحيوي بصورة سلمان العجمي (المحرض الثوري) الذي يتبنى علي سياسيا ليحمل تحولات النص في هذا الجانب.

اما عن الانتقالات الواجبة في النص بخصوص محمد الذي جعل يهذي بسم بهيجة في اليقظة والمنام، والتي تمظهرت بإرساله من قبل اخيه مناف الى العمل في بستان الحاج رضا خوفا من افتضاح أمره مع بهيجة، بعد ان اغرم بها، فنضعها في مقام سيطرة الكاتب على نصه بحيث تمكنه من استعادة انتقالة ضرورية وقوية بأن أشياءَ واحداثا مهمة ستحصل، فاستعان العقابي بمنهج كلاسيكي للقول واستمرار الحكاية بمتناقضاتها القديمة، التي لم يكن لها ان تزدهر على وفق آخر من السرد، مع الملاحظة بأن فنون السرد الكلاسيكي ستمكن الكاتب من فرعيات لم يطالها الإبطال في طرائق السرد الحديثة، ثم افضت بالعقابي الى استمراه بالمتخيل الذي سنأتي اليه.

وهذا ما يحيلنا الى سؤال: هل تخطى العقابي الواقع في عمله؟ ولا نعتقد بأننا سنجيب عليه قبل ان نكمل الأجزاء المهمة للطريقة السرية لدى العقابي.

يرسل محمد الى بستان الشيخ رضا، الذي هو ابن الشيخ حمدان الموالي للمستعمر والذي استحوذ على نفس البستان العائدة للجد هاشم، ذلك بوساطة من اخيه الكبير مناف. وهنا سنواجه مرتكزات للنص تختلف عن سابقاتها، بل نعدها الانتقالة المهمة في الرواية حيث سيواجه محمد تحديه الأول وهو مواجهته لنفسه أولا، في الكوخ الذي سيحتويه مع ابريق الشاي الذي اهدته له بهيجه في آخر يوم لعمله مع الشيخ. يفتتن محمد غيابيا ببهيجة فينظر الى الإبريق الفخاري و « يتأمل زخارفه » عسى ان ترفده خطوطه على سر ما او «رسالة مشفرة ».. ناعتا المكان بـ « غار حرّاء ». وبهذه الإشاره وضع العقابي نصه أمام سؤال واضح هو (التحدي) ممعنا بفكرة (السلطة والنبوة). ومن هذا المكان ستبدأ انطلاقته الكبرى بجوهرية علاقته مع بهيجة، التي سنرى تفاصيلها لاحقا، ووضع خطاه العملية لسيادته، مع حالة من الروحانية يحاول الكاتب اضفاءها من خلال التأمل والأسئلة الكبيرة في ذهنية محمد؛ مع ظهور مستويات اخرى تمظهرت بالمناخ الإقطاعي للسادة والعبيد وشخصية (عبيد الحنظل) الذي يضمر الحقد لـ محمد «للأخذ بثأر أبيه الذي قتله هاشم حينما اكتشف بأنه جاسوسا لجيش الغرباء...»، وهو الخادم الأمين لصاحب البستان الجديد الحاج رضا، والمساهم في ترويض اعداد العمال والصيادين المغلوبين وتعرض بعضا منهم للتعذيب. حتى يفصح محمد عن اقوال بشأن العبودية في حضرة اخيه الأكبر مناف بطريقة العارف «...اعتادت عليها " الرعية"... وتوارثتها بحكم العادة... بل راحت تدافع عنها...»، الأمر الذي اغضب مناف تحاشيا للمصادمة مع الحاج رضا.

وكعودة للبدايات، آثر العقابي في استيضاح متأخر وبطريقة سرد مسترخية تفاعلات النص الواقعية والصراع بين المحتل الذي عاد بصفة أخرى مقبولة، حتى مصادرة املاك العائلة الهاشمية، او الاستيلاء عليها، والتي سيسترجعها محمد بذكاء مشهود، مع رصد الكاتب لحالة الانقلاب المفاجئ للملأ على ثورية العائلة الهاشمية، على وفق مسح تقريري فحسب لحالة الثوار وحركتهم وتصديهم للمحتل، مع تأشيرات عن حالة البداوة وانحيازها للمحتل. ولا نعتقد أن الأمر الأخير مجزٍ فهو يقع في حقل المختصين من علماء الاجتماع والتاريخ، وعموما وبقدر متعلقاته بنص العقابي جاء خادما للبنية السردية، ولا اقول الفكرية للرواية تحاشيا لصيانة معرفية ما زالت قيد البحث بين الجدل والاختلاف.

وفي السياق ذاته لابد من اشارتين جعلتا محمد على سلّم مجده هما سؤال بهيجه عنه وعن مكان عمله في غيابه من زوجة اخيه مناف، ولقائه فيما بعد بشيخه الذي قال له بعد حديث متشعب طويل في اول زيارة بعد اجازته من العمل في البستان: «اسمعْ يا محمد...... أنت نبي». ومن ثم امعان محمد في وحدته وحيرته وهو يصطاد السمك ورغبته للعودة الى مخطوطات الشيخ نوفل لمعرفة الإجابة على تساؤلاته الذاتية بعد ان قال له نوفل «أصغ الى النهر »، وفي جانبه العملي جعل يفكر بأمر منشورات الغرباء مع ارتدادات معاكسة «لكنهم.. كفرة .. لا يؤمنون بوجود الله » وحتى النبوة «ياااااااااا.. أيها المدثر... قم وانثر...».

كل تلك اللبنات التي تعامل معها العقابي بصبر ممعنا بالتفاصيل مهدت كذلك لشيئين الأول: وضوح رؤية الكاتب وما سيقوله بمعنى الثيمة الروائية، والثانية: خلق العلاقة التبادلية بين الكاتب وقارئه، وبذلك استطاع الكاتب وضع نجاحه الأولي مما ادى الى استرخائه لاحقا بالتعامل مع نصه بحرية وتلقائية كفلت له تعزيز ارتباط النصوص المتفرقة تباعا وانسجام الحبكة على نحو تدريجي كمخروط بناء يضيق ويستمر نحو الأعلى وهذا ما نطلق عليه البناء الهرمي او العمودي للنص بمعنى التفاعل العضوي بإنتاج الحلقة الأضيق وتعشيق مفاصلها ببعضها، مع احكام الكاتب على نصه الذي لا ضير من تمرده احيانا على وفق نزق الأبطال ورغباتهم، وهو الأمر الذي نرى في قفزاته ومفاجآته نوعا من كسر رتابة النص واستسلامه للنهايات الحتمية، بل يبقينا على ترقب محتمل.

ولكن سيبقى الحدث الأهم هو لقاؤه بـ بهيجة التي تجاوزت (مفازة الجن ) المخيفة التي يخشاها الجميع ولم يجرؤ احد على دخولها او تجاوزها، بل يفضلون قطع مسافات مضاعفة للوصول الى البستان من جهة النهر. تهدئه وتقول له «أنا رسالة الغيب إليك»، «وانت المصطفى» ومن ثم أمرته «ا....ق.....ر......أُ». هذا اللقاء المبهم الذي جعله يدخل حيز الواقع من خلال فكرة النبوة ويسمع اصواتا «يا محمد.... يا محمد.... أنتَ نبي » قطع شكه لاحقا بلقاءاته وخلوته معها في كوخه حيث سيفض بكاراتها وسط تساؤلاته والحاحه معرفة سبب البكارة فأخمدت بهيجة أسئلته وحماسته بقولها «وها انا أقول لك ثانية... إنك لن تطيق معرفة السر ». ومع تكرار زيارتها له في كل ليلة من دون ان يراها احد، ومع تخوف محمد من افتضاح سرهما طمأنته: «سأجعل من يراني يكذب عينيه» وهو ما بررته حوادث موت غريبة او ملحقة بالوحوش والضواري، على ضوء تخيلات رائعة لكل حسب مشيئته كأن «يرى الإنسان صورته في مرآة نفسه»، و«..كذلك العاشق... يرى معشوقه في مرآة نفسه» كنايتان عن الخوف والحب. وعلى وفق تفاعلات النص وتجلياته المختلفة بين الواقع والتغريب والخيال، الذي سنأتي عليه لاحقا، يعالج الكاتب مجموعة من متعلقات النص الأخرى الخاصة بالانتقام من الأعداء والحظوة لدى صاحب البستان، اضافة الى تفعيل واقعي لدور محمد اليومي بشخصيته القوية وتمدد غطرستها وعنفوانها وهيبتها، وهو الأمر الذي جعله في مركز اهتمام من حوله.

في جانب شخصيته الواقعية الحديثة التي تمظهرت بميولها السياسية نلمس ظهورها في استجابة محمد لتتبع خطى سلمان العجمي الى احد الأكواخ شبه المهجورة في أطراف المدينة لزيارة الفهد الذي هو يرأس تنظيما سياسيا سريا، يأخذ على عاتقه الدعوة «الى الثورة على الإقطاع والأغنياء ». سيتعرف محمد اولا الى واقع المجموعة من خلال بعض الرموز (المنجل والمطرقة) وصور لـ «ثلاثة وجوه لرجال بدوا بلحاهم وهالة وجوههم كأنهم من الأولياء الصالحين» بإيحاء لرواد الفكر الشيوعي الذي لم يذكره الكاتب صراحة، ثم حديث واقعي مع الفهد عن المستعمر والاقطاعيين، الفلاحيين والصيادين والعبيد وسرقة جهودهم، وتراكم المال والثروة واستيلاء الإقطاع على املاك الغير تدرجيا. يدل الكاتب بهذا الحديث الواضح على طريقة تعامل هذه المجموعة الثورية او الحزب مع الواقع والأحداث، فهنا ليست الرموز رموزا ولا الفقر فقرا ولا الإشارات اشاراتٍ إلا بقدر تعلقها بحقيقة دلالاتها المادية الصرفة، وعلى واقع حتمية النتائج التاريخية. وعلى الرغم من بديهيات القول بالنسبة لنا، والتي لو تعاملنا معها بعين اخرى لوجدناها مسهبة وغير ضرورية، غير ان الكاتب يقيسها بفترة نشوئها وظهورها ودخولها حيز الممارسة. فهنا الفكرة اليومية هي اقوى من الغيبية حينما تقاس بالفهم والإدارك على عكس الغيبية فهي الأقوى في حالة تغييب المعرفة. وعلى هذا الأساس يزول اللبس في ابتسار عقلية محمد فأي من المحمدين هو؟ حيث يقول الكاتب بلسان الفهد «أن يوصل المسألة الفلسفية الصعبة بطريقة ومفردات مبسطة تلائم مقدرة الشاب على الإدراك » في الوقت ان محمد هو ناسخ للمخطوطات ويتمتع بموهبة اضافة لعلومه! حتى يخلص محمد الى القول «ليتني كنت قد عرفتكم من قبل» كدلالة على حجة الإقناع والتقاء الأهداف في ذات الوقت من باب النتائج الملاحظة. حتى تأتي تفاعلات النص في واقعها الميداني على نحو ملفت.

مع اشارتنا الى كثرة استعاراتنا من بنية النص توخيا لمصداقية الرأي وابتعادا عن التجريد، سنكثفه قدر الإمكان وعلى النحو التالي:

وكأول اشارة لإسقاط الماضي عمليا بصورة تخترق الحاضر نراها في ص176 حيث اخرج محمد «بعض المناشير التي حصل عليها من الفهد، وكراسا خط بخط رديء، وراح يقرأ محاولاً ان يجد قاسماً مشتركاً بين ما ورد في الكراس وما تعلمه من خلال المخطوطات. وبعد عدد من الاختلالات الصادمة توصل محمد الى ان «السلطة للغالب.. والغلبة للقوي المتسامي.. هذا هو القانون الطبيعي»، حتى يحاول الجمع بين زمنين مختلفين وشخصيتين متناقضتين «لماذا لا أكون محمدين» أو «...الجمع بين المحمدين». فيحاول تطبيقهما عمليا في جلسته التي جمع فيها الفلاحين موضحا لهم الموقف بعد انتقال الشيخ رضا، صاحب البستان، الى المدينة وتقسيمه العمل بينه وبين عبيد الحنظل. محرضا الفلاحين والصيادين بأن «الملك لله وحده »، و«من اعطى الحق للحاج رضا أن يحتكر السمك لنفسه؟.. هل ورث النهر عن ابيه وجدّه؟ » و «اني ارى أن حصولكم على نسبة الثلث من الصيد الذي يتم بجهودكم وحدكم.. ما هي إلا قسمة ضيزى».

فتكون المعالجة سريعة واكيدة بقيام محمد مباشرة بعد توليه أمر الصيد بتغيير حصة الانتاج الى 3/2 لصالح الصيادين، وبحركة مفاجئة يدخل سلمان العجمي (الشيوعي) كعامل اجير وحارس يقوم بتنظيم المزارعين والعمال، وقيامهم بأول اضراب بعد شهرين. يمكننا ان نضع كل هذا الضخ السردي الذي اندفع على شكل حلول حازمة في مناخ عطاء النص لما يستوجب القيام به كنقلات لها شروطها من حيث التجديدات التي حملتها المقاربة البنيوية حسب الناقد الفرنسي البلغاري الأصل تسفيتان تودوروف بـ «شرط احتفاظها بوظيفة الأداة»، فالشخصيتان متناقضتان في اصولهما، متقاربتان في ادائهما وبمناخين مختلفين وبأرض واحدة من حيث الفعل الاجتماعي ومدى الاستجابة لفعل التغيير، يحكمهما الواقع والغيب فهما صورتان آيدلوجيتان تبدوان متناقضتين في اول الأمر لكنهما مجتمعتين ومتفقتين على جدوى التغيير، وبذلك يمكننا بسهولة وضع اي نشاط ديني في اطاره المعرفي المُنتج الذي يستهدف التحول على واقع الاقتصاد والسلطة. وبهذا الجمع يمكننا النظر الى كل المنتَج الديني باختلافه بعين الحداثة وما آل له لاحقا خصوصا بالنسبة للأديان التوحيدية الثلاث، أما انزياحاته الواقعية فهي تتأثر بالكثير من الأسباب التي يعرفها الجميع، في الوقت الذي تقلب به المفاهيم بدرجة معاكسة حيث النتائج تكمن في السلطة والمال وليس بالأفكار بعد ان كانت العكس من ذلك في أولها.

ولعل النقلة الواقعية المهمة تظهر نتائجها باعتقال محمد من قبل الشرطة، واتهامه بمقتل الشيخ نوفل ومن ثم براءته من دمه بعد لقائه بـ (المستر) الذي طلب منه التعرف على آلة القتل (الخنجر) الغريب الذي سبق وان رآه محمد «في صندوق المخطوطات السرية في بيت الحاج نوفل» بإيحاء مبهم أن يدا قريبة استعملته. وكاختبار معرفي يطلب المستر من محمد أن يخبره بما حفظ من مخطوطات، لكن محمد الذي نفى معرفته بالخنجر فطن الى فخ المستر فذكر بعض من اسماء المخطوطات المعروفة، غير السرية.

ومع حوادث اخرى اقترنت بمقتل الشيخ نوفل وملابساتها تعلقت بمقتل فيروز «غاسل الجثث » كشاهد وحيد على حال الجثة، وعدد من الأقاويل والروايات وضعت محمد في حيرة تشبه حيرة الكاتب نفسه الذي يورد الأسئلة من دون اجابة، وهذا بطبيعة الحال في صالح النص، لكن الحقيقة الوحيدة المتفق عليها بأن الشيخ كان يردد اسم محمد وقت احتضاره، فآثر محمد على نبش الجثة ليجدها على هيئة سمكة تغطيها الحراشف. وهذا ما سيعيدنا الى فكرة موازنة النص بين الخيال والواقع التي سنتناولها بوقت لاحق. أما متعلق النص الأساسي هنا: هو الخطوة الحركية النوعية للشخصية المحمدية ودرجة تألقها واندفاعها واقعيا في اول زيارة له الى بهيجة متخفيا بلباس امرأة، فواجهته بعد عدد من الأسئلة والإجابات التي بقيت على نحو من الأسئلة ايضا، بقولها «إذن ابدأ»!، وهي الإشارة المحيرة الأخرى التي كشفت عن حالها في وقتها فسلمته بهيجة كيس المال الذي سيشتري به البستان، الذي يعمل فيه، العائد للحاج رضا وكانت عائديته لعائلة هاشم قبل زمن، واعطته «مفتاح الصندوق الكبير الذي يضم المخطوطات» حسب وصية الشيخ نوفل. وبذلك فتح الكاتب نصه على منتجه الواقعي واليومي الذي سيخرجه من واقع التساؤل الى واقع الحال، فكانت البيعة التي وافق عليها الحاج رضا «..لحظة إعلان الحرب على الأرض». وهكذا قفزت التحولات الكبرى الى الواجهة كتحرير محمد للعبيد والتفاف الحزب الاشتراكي حوله، بل جاءت بداية المواجهات سريعة بطلب كبار التجار شراء البستان بأضعاف سعره الأمر الذي رفضه محمد وقال لأخيه مناف، الوسيط، انهم «لم يرو مني شيئا بعد... وهذه هي البداية... ولن أتراجع عمّا بدأتُ به».

بهذه التطور للشخصية المحمدية يدخل الكاتب القسم الثاني من الرواية التي بدأها بترميز «القلادة» و«القربان».

القسم الثاني

اختار الكاتب بدايتين في هذا القسم، الأول عن غيرة حميرا وكرهها لـ علي، وما انطوى عليه سلوك زهرة زوجته وافتعالها الشهوة بصوت عال لإغاظتها، وثانيهما تركز على كوابيس حسين واحلامه وخصوصا عن (القلادة) التي تضغط على عنقه التي لم يجد جده محمد تفسيرا لها عند ابن سيرين عدا قولا للحسين بن علي «خط الموت على ابن آدم كما خطت على الجيد القلادة» مع استعادة لكلمة زوجته بهيجة وقت احتضارها «القربان». وهذه اول اشارة من الكاتب في هذا الخصوص لتوضيح خطته الكتابية بإسقاط الماضي بالحاضر في هذا الجانب مقارنا «وضع حفيده وما جرى لحفيد رسول الله، وكل منهما يحمل الاسم نفسه »، وهو بذات الوقت عودة الى بداية احدى مشاهد الرواية الخاص بحلم الطفل حسين والقلادة التي تضغط على رقبته. وهي بمجملها جاءت على شكل تواصل لفاتحة القسم الأول من الرواية بتكثيف آخر، بل بمستوى اشد صراحة وكشف.

هنا نرى ان التسلسل الروائي، غير المصنف حسب توالي الأحداث، وضخه المعلوماتي لا بد ان ينتهي، ويبدأ الكاتب بترشيد النص تحاشيا للقلق الذي سيحدثه لدى القارئ بسبب التداخل العنيف لشتات السرد، فنحن هنا عند منتصف الرواية تقريبا ولم يساعدنا النص، بهذا الجانب، سوى الاحالات التي نبتكرها والتأويلات التي نختارها وجميعها من بيئة تاريخية قديمة، اما جانبها العصري فهو متوقف تقريبا لحد هذه اللحظة، اذا ما استثنينا الأوليات. يحاول الكاتب هنا اضفاء شرعية نظامه من خلال تداعي محمد مع افكار معلمه الأول الشيخ نوفل ببعض الحِكم كأن يقول « أعلم يا محمد أن لا شيء يحدث مصادفة» و « تذكر أن ما يحدث الآن قد يحدث في المستقبل... وقد تتكرر شخصيات الماضي بطباعها وسلوكها... بل حتى بأسمائها». وبذلك يكشف الكاتب ثوابت النص التي اعتمدها لمشروع روايته بالإحالات النصية المتداخلة ودرجة تفاعلها بزمنين. وبكشفه هذا يسحب القارئ اول نفس عميق للاسترخاء كون تأويلاته للنص لم تذهب سدى.

وكملحقات للنص يضعها الكاتب على شكل استعانة لملء الفراغات يذهب العقابي الـى سرد متداخل يختص بالأقوال التي انطوت على عنعنة محمد حتى أن واحدة منها طالت ابنته زهرة بأنها ليست منه «بل هي إبنة بهيجة من الشيخ نوفل ». وما زيجاته الكثيرة سوى تمويه لذلك. ثم يدخل النص بتركيب آخر بتسجيل ملكية الدار باسم حميرا زوجة محمد «وتشغيل ابيها مشرفا على مخازن الحبوب التي يمتلكها » وهو بمثابة رضوخه لـ حميرا كونها تعرف شيئا عن اسراره وهو يشتري صمتها حتى يكتشف ابن أخيه علي الأمر «حينما وقعت عيناه على سند التمليك بين الأوراق السرية التي تخص الحزب...».

ومع هذا النزوع التراجعي الذي توصل له الكاتب كنتيجة لظهور ملامح اجيال ذكية اخرى، يسبقها بتنحية محمد من قيادة الحزب بعد افول نجمه على وقع الشائعات وظهور قوى مناهضة له وللحزب الاشتراكي وبمشاركة شبه معلنة عن ضلوع زوجته حميرا وابيها ابو سلافة بالسيطرة على املاك محمد، فتقرر تسليم قيادة الحزب الى علي مع ظهور اولى الاختلافات والتصدعات على يد (جبير بن الغواص) بأنه أولى من علي بقيادة الحزب، حتى حسم سليمان العجمي الأمر لصالح علي مع نصحه ان «عليك ان تسطير على املاك عمك».

وبهذا التطور والتصعيد يدخل نص الكاتب جانبه العملي الصرف فكل شيء اصبح الآن معروضا على صفحة بالغة الوضوح تؤكد ثيمة سياسية مهمة ومجريات طبيعية في سياق الصراع في وقت ما زلنا نؤله تاريخيا ونحاول اسقاطه آنيا. مع تعضيد آخر للنص بصفة الأجيال المنتظرة والوليدة التي تُظهر الصورة الملحمية للنص متخذة من بنية الارث الديني اساسا معلوماتيا محكوما بأثر رجعي عن العائلة الهاشمية واجيالها بصفة زيجات وولادات، أهمها تحقق الحلم الذي حلم به مناف وزوجته فاطمة ومحمد بنفس الليلة، مناما يبشره «سيدنا ابراهيم»... بـ «إيليا»، الذي نحته الشيخ نوفل بـ (علي)، بعد قطيعة اتصال طويلة بين مناف وفاطمة، وهو احالة لمعجزة نصية وردت في مقدسات الديانات التوحيدية. هذا مع احقاق شأن آخر هو ضمان موروث الدم المقدس، لم يتطرق له الكاتب صراحة، من جانبي الأب والأم، وهذا ما جرى الاصطلاح عليه لاحقا بـ (العصمة) في الموروث الشيعي.

وعلى نفس المنهج الذي اختطه الكاتب بنقل السيرة بطريقة الفصل والجمع بين المتقدم والمتأخر، بين الماضي والحاضر، والتي ستصيب القارئ ببعض التشوش احيانا ان لم يتعامل معها على وفق الطريقة التي ارادها ورسمها الكاتب، يتم زواج محمد من بهيجة، بشهادة زواج من قبل سلطتين ممثلتين بالتاجر والاقطاعي الحاج رضا، وسليمان العجمي السياسي الذي «له جيشا من العمال والفلاحين وحزبا يقفان خلفه...» وسط اعتراضات من قبل اخيه الأكبر مناف حول الزيجة وخلافاته مع زوجته فاطمة التي تعتبر محمد ابنا لها فتحاول التقريب بينهما، وهي الأدرى بقصة العلاقة بينهما، بقولها «بأن ما فعله محمد لا ينافي الشرع والتقاليد ». وعلى الرغم من اقتناع مناف أخيرا وخلعه لمحبس العائلة المتوارث واحكامه بأصبع محمد وريث العائلة الجديد، غير انه «اعلن بأن رضاه لا يعني أنه قد قبل الأمر، لذا أقسم بأنه لن يدخل دار بهيجة مهما كان الأمر »، وهو القسم الذي ستغيره مجرى الأحداث لاحقا بسبب توطد علاقة زوجته وتغير حالتها ذاتها معه بسبب مصاحبتها بهيجة، فـ «تحولت إلى لبوة شرسة تقتحم غابة جسده، تجيد المراوغة واستدراج اللحظة». مع استذكارات لعصير الرمان مع الزنجبيل الوصفة الحاضرة عند بهيجة والمحببة لدى محمد، وهي ذاتها لدى مناف «الأكسير الذي عمله له ابوه في الليلة التي استطاع فيها أن يفضّ بكارة فاطمة».

ولعل واحد من اركان النص وانزياحاته تكمن بفعل جديد هو سفر محمد للتجارة بعد زواجه من بهيجة، فيوقظ في نص العقابي تغييرا بدرجة تظافر نقلت النص الى مستواه الجديد، فتأتي صورة النص بهذا الخصوص على نحو ترسيم آخر لفعل اختراقي ستكون له دلالته بل تأثيره الصارم في المجريات اللاحقة. وعموما تظهر الحاجة هنا الى معرفة ثنايا النص وليس شكله الخارجي فحسب. فالجميع ادرى بالحكاية التاريخية لكن جهد الكاتب، حينما يضع ما عنده في سياقها التاريخي، يكون على مقربة من نص آخر له ما عنده وما عليه من تبعات واحالات وتأويلات. وهنا بالذات يظهر جهد العقابي الكبير بنبش السيرة واعادتها للحياة كقطعة أثيرة قبل الناقد الذي يحاول جاهدا العثور على احدى مفاتيح النص الأدبي. فبعد الفصول التعريفية والحكائية والأحلام والنهايات الغاضبة بسبب الريادة المجتمعية التي ما زالت لحد اليوم متجهة لكشف الفضول بالسيطرة الذكورية نجد السلطة النسوية تضاهيها بل تتفوق عليها أحيانا بصفة، فاطمة، حميرا، وعلى نحو اشد بهيجة، وعليها انطوت النقلة المحمدية بالسفر، الموسومة بالتجارة التي اشعلت الموقف، على اتجاهين هما: سلطة بهيجة لحد الاعتقاد كونها من الجن، ومحمد الذي يتخذ من التجارة سترا لمراده باللقاء بما هو أهم بـ «ابرام تحالف مع الصليبيين القادمين من وراء البحار الى الساحل الشمالي بحجة التجارة» حسب الشائعات التي يبثها التجار، حتى وصل بهم الأمر الى فكرة الخلاص منه بابعاده من خلال تحريض اخيه مناف بإقامته «هناك» أي الساحل الشمالي. حتى يظهر الدور المباشر لبهيجة تهدئ فاطمة التي نقلت لها الأخبار: «لا تخافي.. لن يستطيع أحد الاقتراب من دائرة محمد ». وهناك محور ثالث هو بداية تصدع علاقة محمد بالحزب الذي ينتمي اليه.

وبالرغم من ان الكاتب يضعنا مرة اخرى أمام مخيال زمني ملتبس بين الماضي والحاضر بين القصة التاريخية ويومياتها المعلنة خصوصا السلطة الشعبية، من حيث تأثيرها، التي هي الحزب الذي ينتمي له محمد، لكننا نجد مراضاة مجزية بهذا الإسقاط المتشابك والعنيف احيانا، وهو بحد ذاته ليس بالمهمة السهلة أن ينقل الكاتب تصوراته ليضعها على الورق فتكون واجبة الإحقاق. هذه اللعبة الكبيرة تقتضي شيئين هما البنية التاريخية والمعرفة الآنية من جانب، ودرجة قبولها من قبل قارئ النص كإنجاز وتوصل من جانب آخر. فلو اخذنا الحكاية التاريخية بحد ذاتها، وما يقابلها من تطورات سياسية ومجتمعية عصرية كتشكيل الأحزاب فلا غرابة بذلك، ولكن الأمر يعتمد على فكرة وقوة الجمع بين زمنين بإسقاطات متبادلة جريئة، تعتمد على البنيتين لتقديم مبنى حكائي واحد يبقى مثيرا للجدل مهما كانت النتائج واضحة، ودرجة اشتعالها قائمة بسبب القوة الكامنة فيها على نحو مؤشرات ومن ثم اعتقادات مؤكدة. مهما اتفقنا بشأنها او اختلفت آراءنا بسببها لكنها تبقى مؤثرة بل ترسم سياقنا المستقبلي خصوصا بالنسبة للمجتمعات التي انتجتها وتأثرت بها وستبقى. هذه التوصلات في الواقع هي اجزاء معرفية يتصدى لها علماء الاجتماع، فكأن يورد "داريوش شايغان" في مقدمة كتابه الأثير «النفس المبتورة» قولا عن "جان بيرك" «أن اللغة العربية التي تقود كل كلمة فيها الى الله، جرى تصورها لتخفي الواقع، وليس لاكتناهه ». ثم يضيف شايغان: «بكلام آخر، إنه قدرنا الخاص وغير القابل للتنازل». فما معنى ذلك سوى انها المعضلة التي بقيت اسيرة قيود الغيب ومبتسرات صانعيها على الأرض، والتي هي بحاجة الى تجاوز المثقف حدودهُ The boundary التي بموجبها تنطلق الحضارات الى مستقبلها وتتحرر من قيودها، وهذا بالذات ما سعى العقابي الى تناوله بهذه الجرأة التي نحترمها حتى بعيدا عن نصه الاختراقي الذي نحن بصدده.

وكبادرة حسن نية او كسبا للوقت والاستعداد لما هو أهم يتنازل محمد، بعد عودته من رحلته، للحاج رضا عن حصته في النهر، كبادرة صلح، الأمر الذي يرضي اخاه مناف ويصفه بالتعقل، حتى تتم زيارته الى بيت اخيه محمد بعد قطيعة فأعجب بشخصية زوجته بهيجة. فيظهر حينها خلاف آخر هو عرض التجار «بشراء ما يملكه بأضعاف قيمته الحقيقية » كشكل من اشكال المراضاة، الأمر الذي يرفضه محمد على نحو استعارة من الماضي «لو ملّكوا يميني كل نسائهم.. ووضعوا في شمالي كل ما يملكون من ثروة.. لما تخليت عن أمر عقدت العزم عليه »، بل اتبعه بكلمة أثيرة تظهر قوة التحدي للسياق ذاته «أن يكونوا جميعهم تحت إمرتي»، وهو الجواب الذي استقبله مناف بكثير من السخط، فنضعه في مقام التسلسل الطبيعي لازدهار الشخصية ونسقها بعيدا عن اي نزق او مبالغة. بل تتواصل حمى لنقل فايروسية القوة الى نمو شخصية علي ورعاية محمد له، وكشف نبوغه المبكر الذي لم يستند الى واقع. فعلى نحو مفاجئ يظهر الصبي علي على درجة كبيرة من الذكاء والفطنة والبلاغة التي تبدو مبهمة المصدر حتى الكشف المبسط من قبل الكاتب بإحالتها الى انه سليل الهاشميين، بمعناه الجيني حسب. مع استيضاح آخر عن سبره للمخطوطات التي «تتحدث عن سيرة الرجل الزاهد الذي احب الله وابغض العالم وكل ما فيه...». وهي الصورة النمطية لإمام الشيعة علي بن ابي طالب التي رسمت بعناية من قبل مؤسسي المذهب كصدى متناص مخالل ومتناكف بنفس الوقت للسيد المسيح. والتي بالغت بالصفات والأقوال والحكم الى الحد الإعجازي المنير والمدهش، والتي يتخذ منها الكاتب تعضيدا لشخصية علي. هذا بالإضافة الى موت فاطمة زوجة اخيه مناف الذي لم يصبر اربعين يوما الا بالزواج، وهي الحلقة الضعيفة التي استغلها محمد فتمسك برعاية ابن اخيه علي بالرغم من مطالبات اخواته برعايته.

وكأحد المقدمات التي ستكشف عن معناها لاحقا، تعرب بهيجة زوجته عن حملها، وولادتها زهرة التي لا تشبه محمد او سليلي العائلة من الإناث للحد الذي اثار الكثير من اللغط والتأويل. هذه الحادثة التي ستغير سياق التأويل والروي وتبعث بممكنات جديدة للنص هي بمثابة انطلاقة نوعية بدأت عندما شارفت الحكاية بمفاصلها المألوفة على السبات. سيما ان المولود انثى حتى وضعت بهيجة حدا لكآبته بقولها: «اسمع يا محمد.. إن بهيجة ليست كبقية إناث الولاية ». فكانت الولادة بمثابة انعاش من جانبين الأول موسوم بالجيل الجديد للهاشميين بعد ان رزق اخاه مناف بتوأمين هما جعفر وعقيل، واشارة بهيجة الى مستقبل علي وزهرة «ولكن لا يحمل السر إلا أحفادك..» الأمر الذي أقرنته بنبوئتها «لابد من قربان..»، وهو ما اراده الكاتب باستيضاح غير صريح، لجيل المعصومين للشيعة الإثنى عشرية. أما الجانب الآخر الذي تغير بموجبه السياق فأشتمل على جانبين هو الآخر أولهما: عودة الحياة والألفة الى العائلة الهاشمية وزيادة لحمتها، وثانيهما الاندفاع الكبير لـ محمد بإرادة وهمة أكبر لكل ما حوله، واضعا إمكانياته في البناء التي تمثل في (معمل الطابوق) الذي أوله البعض بأنه يبني مأذنة تفوق باتفاعها مأذنة الجامع، الأمر الذي يحرمه العلماء حتى عاد «برج محمد يشبه نصب الشيطان الذي يرميه الحجاج بالجمرات» و «هذا البرج رمز من رموز الماسونية وعبدة الشيطان»، مع الكثير من اللغط والتأويل، الذي كثيرا ما يصاحب اي تحول او حداثة، حتى اهتدى البعض للتحريض على قتل محمد لإثارته الفتنة. بما فيه الحزب الذي ينتمي اليه الذي عارض فكرة التغيير باعتبارها سابقة لأوانها وتشكل «استفزازا لأعراف وتقاليد الناس »، فقد كان الفهد، رئيس الحزب، غاضبا الى الحد الذي استل فيه عددا من المفاهيم النظرية الجاهزة التي غالبا ما تفضي الى حسم اي نقاش وتقتل المبادرة بابتسارات عن مرض اليسارية الطفولي ونضوج الظرف الذاتي والموضوعي.

فكان في ذلك حراكا آخر تمثل بانحياز سلمان العجمي (الغريب) الى جانبه في نواياه الثورية حتى ردد محمد مقولة عن الرسول محمد «سلمان منا أهل البيت». ومع استمالة العجمي الى جانب محمد يكون الكاتب قد ربط خيطي القديم والجديد بعقدة واحدة حول الانشقاق بل الانفصال عن البنية المجتمعية المتوارثة والفكرية الجاهزة، ومن ثم الاعتماد على المهمشين الفقراء الذين تمثلوا بسكان وشباب (حي التنك) الذين اقترحهم العجمي لحراسة عربات الآجر التي ستدخل حيّهم، وبنفس الوقت سيتصدون الى مجاميع من الملثمين المأجورين الذين سيخسرون أول معركة على الأرض، فيما يتواصل بناء حيهم بالآجر فيتبدل اسمه مرتين في المستقبل وتبقى التسمية الأولى (حي التنك) هي الراسخة في اذهان الناس. مع اطلاق مستوى آخر من الصراع تمثل مع السلطة في الفصل العاشر بسردية ملحقة بالسيناريو ومشفوعة بتصعيد الصراع بإسقاط معاكس بين الدعوة النبوية وتألق اليسار الذي اسماه الكاتب بـ «الحزب الاشتراكي» وكلاهما اعتمد على فقراء العامة في ذلهم وفي معيشتهم. اختلق الكاتب قصة الطابوق والحنطة ليجعل من الأولى رغبة محمد في البناء والثانية تأمين العيش وهما مشتركان أساسيان بين مرحلتين تاريخيتين مهمتين. مع الاعتماد الواضح على القوة والفتوة والجسارة التي تغلب قوة الحكومة المتمثلة بالشرطة، والقوة الاقتصادية المتمثلة بالتجار. فأضاف الكاتب مكملات الحكاية التاريخية الخاصة بتهديد محمد في هجرته الى المدينة واعتماده عليا في مكتبه حاليا ليتصدى لمن سخرهم اعداءه لتصفيته، وتسوية مع الحاج رضا الذي بادر الى تنبيه محمد من المخاطر المحتملة، فنضعها في موقع الانحياز للأقوى بعد ان حسم الصراع لصالح الفقراء والحزب ومحمد.

لا نخفي هنا امتداحنا للقدرة الحكائية ولا نقل السردية، ضمانة لتلازم مبدأ التناص والمقارنة، فالنص هنا يفتقد الى عناصر وجوده الزمنية المحضة، وعلى الأغلب اراد الكاتب ذلك ممعنا بالحفاظ على الفكرة التاريخية ومدى مقاربتها من حادثة وقعت بعد اكثر من الف وخمسمائة عام. وهذا هو شكل من اشكال الروي غير المحدد او المحدود الذي يفضي من تأملات فردية في ذهن الكاتب الى تأملات صرفية في ذهن المتلقي، وهي مجموعة الأسئلة التي لم يجب عليها النص صراحة. فما العلاقة يا ترى بين الدعوة الى الإسلام والدعوة الى اليسار مثلا؟ غير كونها منعطفات تاريخة مشحونة اقتصاديا قبل ان تتشكل على نحو عاطفة. انما مأثرة الكاتب تكمن هنا بإعادة انتاجها معرفيا كي يتحقق واحد من شروطها في الوجود الإنساني كهدف تأريخي أولا، ثم ممعنة في التغيير ثانيا. حتى وان اصاب الكاتب نصه ببعض الشروخ السردية، التي تبدو، ميسّرة وممتعة، وبنفس الوقت فضفاضة بالنسبة الى المتلقي النوعي، غير انها تعطي شحنتها التساؤلية كهدف نهائي تواصلي.

ماذا يحدث عندما يضع الكاتب كل ما لديه في نصه، كاستجابة النص الى تأويله مع الموازنة؟.

يعيدنا هذا السؤال الى الحكائية في الرواية كطريقة لاستنهاض الحاضر من جانب خلق المعنى الاسطوري في النظام الحكائي، وهو مبدأ انساني محض، فالبشر هم من يخلق الأساطير، والأصح يلقون على الحكاية جلباب الأسطرة، حيث الإيمان بالشيء هو قيمة انتاجية لإبقاء الزمن متألقا مهما بعدت الحكاية زمنيا، وعليه ينطوي تألق مجريات السرد الديني خصوصا في الديانات الفاعلة، بل يكون شدة التناقض بين القديم والسائد ما هو الا نوعا من المجارات القيمية خصوصا وقت عائديتها الى المقدس. وهنا يمكننا ان نقول ان حميد العقابي وضع ما استوعبه من معرفة ومن متناقل في خدمة نصه. فمحمد لم يستخدم توزيع الغنائم مثلا، انما يبني للشقاة منازلا، ولم يقطع الطريق على القوافل، انما يشارك البستانيون محاصيلهم، ويعطي الصيادين حقهم من صيدهم وهكذا. بما في ذلك استخدام القوة التي تمثلت بعلي للدفاع المشروط عن النفس وحماية عمه من مؤامرة قتله. ولا يفوتنا ان نذكر ان عددا من الكتّاب استخدم تقنيات السرد القديم على سبيل المثال كما في (الف ليلة وليلة)، غير ان العقابي قابل ذلك بالاستخدام الزمني للواقعة التاريخية وجعلها في بنية الحكائية الجديدة التي اشترط وجودها بما تعطيه وتفيد به واقعا من فكرة البطولة الجماعية -مع وضد- في الحد من السرد نحو الفعل الفردي او الجماعي، كما ظهر بصورة علي في تصديه للمعتدين على عمه، او في تصدي سكان حي التنك للغارة الذي تغير بعد محاولة الاعتداء الى اسم (حي المحمدية) والمدينة الى اسم (الهاشمية). وبهذه الإضافة استطاع الكاتب توليد معنى آخر من صلب المعنى التاريخي او الأصلي للحكاية المحمدية التي نطلق عليها بـ (السيرة)، ذلك «ان الدلالة لا تستنبط من سطح النص فحسب وإنما يجب استجلاؤها انطلاقا من نظرة توليداته للمعنى فان توليد المعنى ليس له معنى إلا إذا كان تغييرا للمعنى الأصلي...» (عامر عبد زيد نقلا عن سمير المرزوقي ، مدخل الى نظرية القصة ). وهنا لابد لنا من التفريق بين اسطورتين الأولى الحدث التاريخي الذي شحن بالهالة القدسية وعليه اصبح اقرب الى الاسطورة من كونه حدث، كما نراه هنا بشخصيتي محمد وعلي وآل هاشم عموما، وبين الأسطورة كمادة مشبعة كما يذكرنا التاريخ بكليب والزير سالم وعنترة. وتبقى طريقة التعامل مع الحالتين كأثر من شأنه ان يحد من غلواء الانتماء الى الماضي واعتلاء ذروته خلاصا من الانحرافات والانهيارات المجتمعية وبالنهاية حالة العيش التام في جو الماضي (المشرق) الذي اصبح اسطورة ثالثة بحد ذاته. فعلى سبيل المثال اسطورة مقتل الإمام الحسين هي بمثابة استعادة انتصار الذات الإنسانية المخذولة والمهزومة، حتى وان كانت شفاهية جرى تأسيسها كتابيا فالتقت بالأدب من جانب المتخيل الواقعي، والافتراض الواجب.

من جانب آخر نرى توظيف الكاتب لإمكانيات النص السردية في خدمة شيوع السلطة الجديدة بقبول محمد الضمني لمصاهرة الحاج رضا من الزاوج بأخته الأرملة زينب مع علنية ظهوره معه في مسجد المدينة كتعبير عن تزاوج مجتمعي جديد من جانب، وكتحدي مخبوء للحزب الذي ينتمي اليه محمد الذي وضع محمد على مشارف الافتراق معه. مع تبيان دور القدرة الاقتصادية والمادية في تغيير الواقع. بحيث تكون هذه الالتماعات لدى العقابي بمثابة الثيمة القيمية لنصه الذي اجتهد فيه من خلال سردية موفقة تدلق بما فيها على فترات انحسار تأريخية طويلة. وفي السياق ذاته يختبر محمد اقرباءه ومقربيه في فصله 12 ص319 فيكشف غيابه عن جشع اقربهم في محاولتهم بالاستئثار بالدخول وارث البستان الذي تنازل عنه الحاج رضا للعائلة الهاشمية، كعربون عن حسن النية بعد واقعة مصاهرته لهم. ويكشف بنفس الوقت صلابة محمد بعد عودته وثباته بتأسيس مملكته بعدم التواني عن ابسط التصرافات، وهذا ما تكشفه حادثة تعذيبه لأبن اخته جبير ابن الغواص فكاد يقضي عليه بالجلد لولا تدخل الشخصية الخياليه بصفة الشيخ الذي لم يره احد سوى في المواقف الغريبة » الصوت الداخلي لمحمد بقوله «اسمع يا حفيد هاشم.. إياك والتساهل مع الخائن.. لكن.. لا تكن باغيا.. فالمال شيطان ». فجعل العقابي بذلك مفتاح التحول في شخصية محمد فأستمع بإصغاء الى (عبيد الحنظل)، «الإنسان هو الإنسان.. والسوط هو السوط.. حتى وإن اختلفت الأسباب »، حتى عليا نفسه الذي اودعه الأمانة خلال غيابه لام عمه على قسوته. تلك المكنونات، الحدثية والقولية، بمجملها ستشكل لدى محمد سلوكاً مغايرا سنكشف عنه بعد قليل.

وعندما يصبح النص غير قادر على انتاج مضامين تشويقية تزاد رغبة القارئ الى الضِعف باحتواء النص عليها، أما اذا ما اعطيت جرعة واحدة فلا بد للسرد ان ينتهي او يصاب بالوهن في مفاصله التالية. لا اقول ان على الكاتب افتعالها، لكن عليه ان يضعها في سياق حركي متلازم لمادته، ومن هنا نُطرق الى:

الوهم والمعجزة والخيال والموازنة

على مدار النص المتكئ على الشخصيات والأحداث وتنوعها، ينبري العقابي الى عقد مهمة موروثة ومتناقلة، وهنا نحن بصدد حكايات المتناقل الخاص بخلط الإشارات بالواقع. يمكننا ذكر البعض منه لأنه يشكل مادة العقابي الرئيسة او جزء مهم منها. نبدؤها بالشيخ نوفل الذي لم يعرف عنه احد شيئا والذي مات وظهرت عليه حراشف او صدف الأسماك وهي إحالة معرفية الى رمز مسيحي منذ القدم، اما بخصوص بهيجة زوجة محمد، يضع الكاتب فيها ملابسات المعتقد الخرافي المتداول عن المخلوق الثالث الخليط من الإنس والجان حتى موتها بطريقة شبه غامضة فماتت وهي ترى وتتتحرك حسب ما ذكرته خادمتها لؤلؤة، وان حرارة جسمها لم تفارقها حتى النهاية، بما فيها الهيئة الساحرة التي رأها محمد بها بعد وفاتها بقليل وعودة صباها الى محياها وجسدها للحد الذي ادى به الى امتلاكها ومواقعتها. وبشاهدة اخرى من اخته سمية وقتما اجتمعت العائلة بعد مراسيم الدفن، «أقسم بروح جدي.. أني رأيت بهيجة تفتح عينيها وهي على دكة الغسل» ثم ان «جسد بهيجة لا يمكن أن يكون إلا لصبية في بدء استفاقة أنوثتها، وعن الوهج المضيء المنبعث من مسامات الجسد ». هذه الإضافات هي تغريبية من حيث الواقع، ولكننا نضعها في مقام المتخيل (السحري) وهو مفهوم دخل الأدب وتشعب كثيرا ولكن يبقى توظيفه صعبا، من حيث الإقناع.

في جهد العقابي يميل النص الى ماديته بالرغم من توظيفاته المتخيلة الكثيرة، وتقنية تمزج بين مرحلتين تاريخيتين، وهنا يصعب على الكاتب توظيف افكاره (غير المصنفة) ضمانة لمصداقية النص وعدم ارباك واقعيته او النأي بها بعيدا عن الحبكة. وهو بهذه الحالة، ان زادت الجرعة عن حدها، يهرب الكاتب بنصه متوخيا حلولا لا يأتمنه القارئ عليها. لذلك نجدها في كثير من النصوص خارجة عن السياق، تظهر وتطفح على سطح النص بشكل فجائي، وهذا ما عنينا به الهروب بالنص او الحل، ولكن من المهم على الكاتب ان يكتشف زمنها الجديد بحركية جديدة ويصمها بطابعه الخاص، وهنا وجبت الإشارة الى ان تناصها يقلل من أهميتها، وابتكارها يرفع من قيمتها ومتعة السرد معا بسبب حركيتها. وهذا بالذات ما نجده في جهد الكاتب "التناص والابتكار"، فإعادة الرواية القديمة ينبغي عليها أن تنتج عطاءً جديدا له دلالاته، فإذا ما اخذنا الحكايات الخرافية المتناقلة بمزج عالميّ الجان والإنسان، وهي كثيرة في الأدب الحكائي الشعبي، نجد أن اضافة العقابي هنا تشير الى شيئين: الأول اعادة انتاج المتداول عن عوالم السحر في الزمن الأول للرواية، والثاني هو قوة العاطفة والإرادة، بدءًا من دخول بهيجة (مفازة الجن) وتمثلها بهيئة الذئب وتواريها عن نظر الباحثين عنها فكل هذا المخيال خدم النص، أما عودة شبابها اليها بعد مماتها فلم اجد له مبررا واقعيا وبقي الأمر في مقام الخيال الصرف او المعجزة العصية على التأويل. وبخصوص مضاجعة محمد لها وهي ميته ولكنها في أوج شبابها كما تخيلها، بما فيها حلمه في المقبرة في زيارته الى قبرها بعد ثلال ليال ومحاولته نبشه فيبقى متصدرا لوحة انسانية كئيبة فحسب. وهذا ما احسبه تدخل الكاتب في نصه، بشكل او بآخر، بسبب حكمه المسبق على شخصية محمد تاريخيا، فيصار الى اهمال متعمد في مراقبة النص ويحصل الانحياز أحيانا.

في بحثه عن سر الغموض الذي احاط بحياته فأرهقه ولم يجد له خيطا لا في حياة راعيه الشيخ نوفل ولا بعد مماته، ولا في محاولة نبشه قبر بهيجة ولا لدى خادمتها لؤلؤة، ولا اسفاره، ولا حتى في زيارته للطبيب السرياني كاروليان بسبب عودة حالة الصرع له بعد موت بهيجة مباشرة. وصف له الطبيب وصفة طبية موجودة فقط في الساحل الشمالي، كناية عن التحضر والتقدم هناك. وعلى أثر اللقاء اتضح انه يعرف عن محمد الكثير بما فيه حبه للنبيذ الأحمر، الذي بقي سر من الأسرار كذلك، لكن لقاءه بالطبيب وزوجته لم يرفده بشيء عن معرفة السر (القربان). فلم نجد في ذلك سوى تأشير للملمح العقائدي لنسبة الموروث الثقافي المسيحي في الرؤية المحمدية، ولا أقول السيرة كنتاج مادي، وزيادة على القول نجدها ظاهرة الملمح في صورة علي والموروث الموسوم باسمه، أو الشيعي فيما بعد قبل انفصامه وعودته للتجربة المحمدية بكل قوة مع الإبقاء على التجربة ظاهريا وغير ملزمة، ولنا في ذلك شواهد معاصرة كثيرة للغاية .

حتى استهدى محمد الى العزلة في البستان وترك مغريات الحياة وبدأ يجرب الكتابة «عن سيرة جده هاشم والحرب التي خاضها ضد الغرباء ». ومع أول لقاء له بامرأة حارس البستان مالك اكتشف محمد ميله ورغبته بزوجته نويرة «التي سحره جمالها» فأخذ يخضع صورتها بتناوب مع بهيجة، ويشرع بروي حكايات عنها بقصد استمالتها. لم يجد وسعاً من ان يترك نويرة وزوجها في كوخهما في البستان الذي اجتمعا فيه لتناول السمكة التي اصطادها محمد بمساعدة مالك، ويتجه الى الشاطئ ويستمني مع صور رغبته الجامحة بالمضاجعة. وبهذا يتضح ان محمد لم ينسقْ الى مناجدة توحدية ولم يسمو الى عرفانية تجعله في موقع التصوف المنصرف عن ملذات الحياة ومباهجها، وهي الصورة التي دأب الكاتب على تبيانها وجعلها على سلم اولوياته السردية حتى في احلك اللحظات وأصعبها، في وقت يبقى التساؤل عن مدى تأثير الشيخ نوفل وكتبه ومخطوطاته قائما في أذهاننا فلم نلحظ محمد يتبع اي منها ولم تكشف تلك الأسرار عن نفسها إلا بالنزر القليل جدا. وتبقى الإحالات مبتورة وخارج السيرة أحيانا، بل يكتنف الغموض بعضها حتى النهاية، فالشيخ نوفل يموت ولم يعرف عن تاريخه شيئا، وحتى مماته الذي كان سرا من الأسرار وجسده تمثل بغطاء صدفي كإحالة ذكية من الكاتب في استخدام رمزا مسيحيا خاصا، وهو السمكة، فيما ادخل شخصية الطبيب السرياني كتدعيم لفكرته بمصدرية التعاليم المسيحية، كما ذكرنا قبل قليل، التي استقاها محمد من معلمه الشيخ نوفل، وحتى بهيجة تبقى واحدة من الأسرار بل لم تكن زوجة للشيخ نوفل بل محمد هو الذي فض بكاراتها. تلك الملابسات يمكننا القول عنها بأنها اشتراطية للنص من جانب، ومن جانب آخر خادمة لفكرة الكاتب فحسب. بحيث تبقى عصية على التأويل الذي يحتاج الى احالات مترابطة، بالرغم من مرارة الكاتب بالكشف عن تأويلاته، وهنا يكتفي العقابي بقدرها الضئيل ذلك «إن القارئ الحقيقي هو الذي يفهم أن سر النص يكمن في عدمه » حسب أمبرتو ايكو، بمعنى الإشارات والإيحاءات التي وسمت بها مؤلفات ايكو، والتي أثارت جدلا حتى جعلها في مصافيها الراقية فيما بعد، وهذا ما يمد نص العقابي بهذا النوع من المعنى المكفول بصياغة الإشارة كمساهمة قائمة بذاتها تقترب وتبتعد عن سياق السرد بقدر ظهورها.

وبتفعيل لمفردات الجن يلجأ الكاتب الى استثمار حوادث قديمة تجلت وقتها بمقتل اثنين من حراس البستان من قبل الذئاب، والامرأة التي تحولت الى ذئب حسب رواية عبيد الحنظل في واقعة غريبة شهدها معه محمد آنذاك وقتما كاد سر زيارة بهيجة له في البستان ان ينكشف فاستحالت الى ذئب. فسّرتها وقتها بهيجة بقولها: «أحيانا يرى الخائف نفسه وقد تجسدت أمامه »، في الوقت الذي لم تنف فيه قدرتها على الاحتفاء عن أعين الرقباء. يستثمر العقابي تلك الأحداث كمؤشرات صارمة في خلق النتائج، اذ يبقي على درجة تألقها وتأثيرها بل على مفعولها الواقعي فيقتل زوج نويرة بنفس الطريقة، اي بهجوم ذئبي. وقبل استكمال نقدنا لهذه الحالة نذكّر بما قلناه سابقا بأننا سوف لن نُعنى بالمقاربات والاحالات التاريخية الحاصلة في بنية النص فهي واضحة ولا تحتاج الى تأويل، فهنا ربما يكون مالك هو مالك ابن نويرة حسب الرواية التاريخية، وهو زيد حسب التأويل في نص العقابي. وعلى أية حال يتخذ الكاتب من الفكرة المشبعة بالخيال اساسا لبنيته الروائية فلحد الآن هناك ثلاثة قتلى قتلتهم الذئاب وبعد حين سينظم لهم عبيد الحنظل الذي ما زال ينوي الثأر لأبيه ويناصبه محمد البغضاء، والعداء، حتى حينما اخبره سلمان بأنه «افترسته الذئاب» اجاب محمد بكلمة واحدة: «أعرف». كان ذلك في اليوم الأول لوصوله من سفر بعيد. هذا بالإضافة الى الجو المسكون برائحة بهيجة في ذهن محمد في كل شيء واقعي يراه أو يأكله او يشربه، حتى قراره بالزواج من نويره بعد عودته من رحلته.

لا نعتقد ان الجو الغرائبي الأول الموسوم بالجن، سيمد الرواية بالكثير فالنص عموما يتخذ مساره الواقعي من حيث التطورات التي تحصل على "الهاشمية" كالكهرباء والماء والسيارات، بالإضافة الى الجو العام المقرون بالموروث القيمي الديني والاجتماعي المتمثل بإمام المسجد وعامة الناس، فتتراجع امامها جميع الافتراضات الغيبية.

إن الضخ المتخيل في جانبه الآخر الذي استقاه الكاتب من الخيال الديني القديم، بفكرة الذئب التي نشهدها كثيرا في المرويات والحكايات وحتى في أدب الأطفال، وأكثرها تأثيرا وشيوعا في "قصة يوسف"، ونظرا لسلوكها الإجرامي المحض، استخدمها العقابي كضرب من ضروب التعبير او المزج بين المخيال والواقع، فالذئاب موجودة في البراري والبساتين وبذلك يسهل استخدامها كمادة أو أداة واقعية وليست افتراضية معقدة كما هو الحال مع الجن والأرواح. فأعاد للخيال واقعيته في صناعة جريمة حصلت فعلاً مع حصول القتل في وقت بقي الفعل الإجرامي مفترضا بصورة ذئبية متخيلة سنرى مصيرها بعد سطور.

ولكن حقيقة استخدام الوحوش والضواري في الآدب تتبع توجيه النص، الذي هو مجموعة السياقات النصية الحسية بحيث «يصنع النص نفسه من خلال تشابك مستمر »، حسب رولان بارت، كقيمة انتاجية وتولدية مثمرة.

فاستعان العقابي بهذا التوجيه في روايته نأيا عن التزامات تحكم نصه وتقعده عن التصرف، فحدث الموت هنا ينتهي عند الذئب فقط، لكنه يفتح للكاتب آفاقا جديدة، حتى عندما واجهته نويرة التي اصبحت زوجته بعد مقتل زوجها بسؤالها: «هل انت من قتل مالكا؟»، وهي على يقين بأنه فعلها، لم تنتظر من محمد جوابا، بل اغرته على مواقعتها بأثارة غير مسبوقة تبعا للاحتباس النفسي وليس العاطفي أو الوجداني، تعامل معه العقابي بجنسية غريزية متطورة في مواضع مختلفة من الرواية، كانت مهمة في بعض مقاطعها، فهل يُعقل ان يعترف الفاعل بجريمته او بالتحريض عليها؟. لكن القيمة الواقعية لاستخدام الرمز باقية بصفة الذئب وايا يكون توجيهها فلا تحتسب بغير كونها جريمة تطلق النص نحو مساحات حرة وواسعة، تساعد الكاتب على بسط مخيلته من دون ارتباك، فالدوافع النفسية لها نصف القيمة السردية ان لم تكن أكثر في بعض الروايات المهمة.

وبتشريحنا للواقعة ان الزواج بنويرة لا يتم بدون الخلاص من زوجها، والخلاص من زوجها لا يتم من دون أداة، والوقوف على ظرفية الأداة يؤدي الى نهايتها واسدال الستار عليها بعكس الجريمة الملتبسة التي تبنى على غموضها رواية كاملة، فما بالك بأداة غير عاقلة لكنها معترف بها ولكن لا يمكن التحقق منها أبدا. فالمجرم مثلاً بإمكانه رمي الجثة في البراري لتنهشها الضواري. وعموما صرف الجميع انظارهم بتأويل القتل عن طريق الذئاب بسبب دخول مظاهر المدنية الى مدينتهم، التي كان لها دوافع أقوى بفضل محمد الذي «...وعد وأوفى بوعده» كقيمة تواطئية للمجتمع الملحق بالسلطة وقوة رأس المال، ولها دلالاتها النقدية الاجتماعية التي يتعرض لها علماء الاجتماع في تحليلهم وتوصيفهم للظواهر.

لكن الذئب كرمز للجريمة المنظمة لم يختف من حيث الواقع، حتى مع انتهاء مبرراته، وهو لايزال شاخصا في ذهن نويرة التي تكتشف رغبة زوجها محمد بامتلاك زوجة سائقه المسيحي جيمس الذي اصطحبه في احدى زياراته للساحل الشمالي فأسكنه مع زوجته بجوار منزله؛ أسلم واصبح اسمه جاسم. رافقه آخر مرة برحلة لم يكشف عن وجهتها وعاد من دونه يبكي فقدانه بمرارة بسبب حادث طريق. وعندما أفاقت نويرة على نية زوجها بالتقرب من أرملة سائقه، قالت «لا.. لا ذنب لعزرائيل.. بل أنه الذئب»، فطلقها في اليوم التالي مثيرا بذلك لغطا وتساؤلات كبيرة عن كل ما يفعله، مع تأويلات عن رغبته بالزواج من الأرامل لحد وصفه بـ «العنين» الذي «لا يريد ان تفضحه امرأة». مع افتراضات عن سر ذكائه وغموضه وقواه الخارقة وتحالفه مع الشياطين، حتى رفيقه في الحزب سلمان العجمي احال ذلك من باب مادي صرف بأن لمحمد «علاقات مشبوهة مع جهات لا يعرفها »، وشكوك أخرى اخفاها بسبب دعم محمد للحزب وحبه للفقراء ودفعه «لابن اخيه وزوج ابنته الى الانتماء الى الحزب»451. فأصبح بسبب نشاطه أملاً لقيادة الحزب مستقبلا.

في ذات الوقت بقيت هواجس محمد قائمة عن النبوة منتظرا اشارة كونية تعلمه بها وهو الذي انجز كل ما عليه من قوة ومال وبلغ الأربعين، وبهذه الإشارة يضع الكاتب نصه مجددا في مقام الإسقاط المتبادل للتاريخ الذي لم يكشفه انما نكتشفه بصور استعادية للشيخ نوفل معلمه الأول ومخطوطاته وطلاسمه واشاراته. وبالقدر الذي لا نحمّل النص تلك العلاقة، كما قلنا سابقا ولن نعنى به، لكننا ننظر اليه بمواربة مقاربة، ذلك ان النص قد فعل فعلته لدى القارئ واحدث شرخا لا يستهان به عن علاقة الحاضر بالماضي باعتبار توالديات العصر لها نفس اللوثة على مر العصور وفي النهاية هي التي تفرض التقويم وليس الحركة الطبيعية للحياة. ولعل العقابي محقا بذلك بتوصله واستنتاجه وان لم يقله بسبب ابعاد نصه عن السياق التاريخي الملزم كي لا يحل محل الخيال وما يعتمل في اي صدر متعب من فكرة (واقع الأمر) التي يعيشها الجميع. ومن السهولة بمكان ان نحس بما يحسه القارئ بصعوبة التأويل الذي لم يجعله الكاتب على رأس اولياته بقدر ما كان يريد ضح كم كبير من الأسئلة التي تنتهي الى نفس البداية وعودة عقرب ساعة الزمن الى الوراء. وبالقدر الذي ننصف النص وكاتبه ننصف القارئ على صعوبة التلقي احيانا فالتوريطات بلغت حجما لا يستهان به على مدار الرواية بنصوصها المركبة والمتداخلة، وهي طبيعة اشتغال اراد بها الكاتب رمي عود ثقاب مشتعل في المواطن المستقرة في ذهنية القارئ من خلال احداث رواية وليس كتاب متخصص.

في الفصل23 يتابع الكاتب تطور شخصياته المنتظرة بإسمي عقيل وجعفر الذي حاز محمد على كفالتهما من إمهما بمقايضة، في فصل سابق، كي يجيز لها الزواج بعد ترملها من بعد موت أخيه مناف. حاول الكاتب هنا أن يرسم صورة ملحمية لروايته بصورة سليلي العائلة الهاشمية الجدد. فعقيل وجعفر التوأمان اصبحا شابان لكل منهما هواياته وطموحه، جنح الأول للشعر والثاني للعلم، والاثنان مسكونان بميولهما منذ الصغر، حيث يمارس الأول هواياته بالنظم والعزف، والثاني في محاولاته بالطيران. وهذا ايضا له اسقاط تاريخي فجعفر وعقيل هما شخصيتان معروفتان في تراث الشيعة الإسلامي. ولا يهمنا الأمر هنا بقدر ما ستؤول له مصائرهما كواقعة ثابتة، مع الأخذ بنظر الاعتبار الأدب الشفاهي كصورة تطبيقية تطبع السلوك، وهو الرمز الذي اتخذ منه العقابي ثيمة اساسية على مدار نصه، من خلال السياق السردي المتلازم بالتنشئة والارتباط العائلي وجملة المتناقضات التي تبحث عن حلول لها. فوجدت بسيرة العائلة الهاشمية وتاريخها ملاذا للاستمرار وفيما بعد بالشخصية المنتقاة تاريخيا (محمد) كواقع حال جديد تجلت بسيرته كل ما آل للعائلة من أمر استعادة سيادتها، ليس على حالها فحسب انما على عموم المجتمع وحركته وتطوره.

وما دمنا في الفصول المنتهية من الرواية فعلينا تتبع تلك المصائر بإسقاطاتها الآنية او ما ستؤول اليه الأحداث الجديدة المطورة ذهنيا.

من المهم أن نعرف ان الأدب الملحمي له اضافته عبر الأجيال ومحاولات جعل الخيال حقيقة بالإضافات والتوسعات (المعرفية) كأن تلحق بشخصية علي كل مضامين العفة والنزاهة، وبالحسين كل ما يخدم الاسطورة وجعلها ذات قيمة انسانية نبيلة بما فيها اسقاط اسم الرواية (القلادة) عليها الذي هو ترميز لاحد المرتكزات التي تتطلب الاستدامة، بمعناها اعادة انتاج نفسها بنفسها، كما هو الحال في واقع الاقتصاد والاجتماع وحتى التاريخ، مع يقيننا بحقيقة الأسطورة كونها صناعة انسانية صرفة تحتاج للوسيط . وما زلنا بانتظار العقابي ان يضع بَصمَته الواقعية كإدارة ناجحة لنصه الواسع الذي تطلب منه عناء من البحث والاستقصاء، وهذا ما نضعه في خانة نجاحه، بالرغم من ظهور صوته وصورته، بمواقع كثيرة كاد يفقد فيها انضباطه ومراقبته للنص، مع الكثير من التجميلات اللغوية غير الملزمة، وحتى الاستطرادات النصية/السردية.

ومن حيث انتظارنا للنهايات المرتقبة والتي تشكلت وحداتها كإرث للعائلة الهاشمية وذودها عن الحقوق المجتمعية وتصدرها تاريخيا، بصفة الأجداد، للمظالم والاستبداد والاحتلال، يكشف لنا الفصل 24 مآل افراد العائلة الجدد كل بصفته: علي قائدا ميدانيا بصحبة سلمان العجمي، جعفر الطيار المساهم في الهجوم على مركز الشرطة، وجعفر الشاعر المحرض يلقي قصائده، فيما يبقى محمدا (المؤسس والداعم) أسيرا لمخاوفه من ان يطاله الأمر او يُذهب بثروته ومكانته بعد نجاح الثورة، وانفلات الرعاع «من عقال صمتهم ولا يمكن لأي سد مهما بلغت متانته من الصمود بوجه سيلهم الجارف...».

حاول العقابي هنا ان يضع جملة مقدماته على مدار الرواية الخاصة في ميول وميدانية العائلة الهاشمية، التي ربما كانت متوارثة بثوريتها على خطى الأجداد، بما في ذلك استعادة ذكر حفيدي محمد (حسن وحسين) من ابنته زهرة زوجة ابن اخيه علي، مبقيا على تواتر المعلومة وبانتظار النتائج. ونظرا لتشعبات النص الكثيرة غير اننا كقراء نجد انفسنا كمن يتنهد لمعرفة مسار النص بحدوده الأكيدة. ذلك ان النص بعد أن كان منفتحا على عوالم مختلفة، بل كثيرة ومتناقضة، نرى أن الكاتب اختار اكثرها سلامة لنصه، فجعل كل التأويلات تكشف عن ذاتها بذاتها موضعيا ومحليا صرفا في نهاياته، فيما يبقي للراوي مكانته في توجيه الأحداث التي تسارعت على وجه مثير، في وقت بقي عدد لا حصر له في ثنايا النص غامضا، معرضا، ومعروضا للتأويل. وبذلك نضع ملاحظتنا: ان العقد المخملية والمعقدة للشخصيات المهمة في الرواية لم تنل حقها لا في سيرِها ولا في مصائرها، سيما وان النص يحاكي فترتين مختلفتين، ربما يطبعهما الانسجام اصلا، لكن يبقى أمر خلق تناصها ملقى على كاهل الكاتب. وفي الوقت الذي اعتنى به العقابي بسيرة شخصية محددة على مدار رواية كبيرة الحجم بعدد كبير من الاحتمالات والإمكانيات والأفكار، لكنه آثر في النهاية على معالجتها بواقعية صرفة بهذا الجانب، فانتهى الى التأثر بالفعل (المحمدي) ذاته الذي اصر محمد بنفسه على احقاقه وظهوره متجليا بالتحول الكبير وبمساهمة آخر جيلين من الهاشمين بصفة علي وعقيل وجعفر مع دوافع نسائية متواضعة غير تلك التي كانت كمساهمة قاطعة لبهيجة، فيما يبقى (القربان/النذر)- الرمز الذي كررته حتى مماتها بانتظار فرصة ظهوره، وهو الجانب المُلغم بالحكائية التخيلية وبقي كذلك حتى النهاية.

ومن المدهش ان نرى اكثر من خمسمائة صفحة لم تشبع الفكرة فأرتأى الكاتب كمن ينوي خلاصا بجعل تفاعلاتها تنم عن حصيلة شبه منطقية لنهايات اتسمت بالانفعال والتوتر كنتيجة للضخ السردي الهائل على مدار الرواية. هذه النتيجة هي مستوى يظهر كحاصل على وقع الرمزيات والغرائب والمخيال والتهويميات التي ساهمت بخلق الواقع على نحو مثير وملفت، بل أقول عنها مقنعة الى حد كبير، لكنها في النهاية تبقي على تساؤلها الكبير كون المصادفات وحتى الأكاذيب تساهم في خلق التقويم المادي وليس الحركة الطبيعية للأشياء كما اسلفنا. وبذلك يبقى حجم التساؤل هائلا في الذهنية المتقدة بصورة سطوة الكون واغتراب الفرد كعنصر منفرد لمواجهتها. يقول المفكر الأمريكي (Henry David Thoreau) في كتابه (Walden) عن تلك المواجهة «ان عددا من القوانين الطبيعة ستتغير وتبسط نفسها امامه» مخاطبا الإنسان في خياره الوحيد (جدا) في وحدته وقت تعرضه للأسئلة الكبرى، وهذا ما واجهه محمد بطل الرواية واصر عليه. وليس المهم ان يرى بنفسه، في بادئ الأمر، انعكاساتها على البشر من حوله لكنها كافية ان تكون مكتملة وواضحة بل قادحة في عقله ومن ثم نشاطه الذهني، فالعملي بقصد الشروع بالفعل الواقعي.

وفي جو المتغيرات المفاجئة تندفع سلطة جديدة ممثلة بالعسكر ومدعومة بجيلين من الهاشميين فتلغي الحقبة المحمدية الى حد اكتآب محمد نفسه وقت تجاوزه من قبل رجال السلطة الجديدة. أما بخصوص مكملات الرواية الأخرى فيلجأ الكاتب الى ربط ما بدأ به روايته بخصوص حفيديه وزوجته الشابة حميرا التي توجت زيجاته الكثيرة اللواتي لم نر لمكانهن في الرواية دورا مهما، وأحال أمر حميرا واتهامها بعلاقات وضيعة الى ضعف الباه لدى محمد الذي يكبرها بعدد كبير من السنين. وهنا يقع الكاتب بشرك تكرار التناص مع بعض الروايات التاريخية عن هذه الشخصية من دون محاولته فتح ثغرة في ذلك التاريخ المرتبك بملابساته واغراضه. وكملاحظة نقولها جاءت جزئيات الرواية واستطرادها بالكثير الكثير على حساب تلك الشخصيات بما فيها ابي سلافة والد حميرا، الذي تصدر احدى المشاهد فجأة في النهايات مع ابنته حميرا التي استدرجت محمد «الى الفخ بمهارة...».

فشل المشروع المحمدي

القسم الأخير جاء كبداية لتأسيس فكرة آل البيت وربما الاثنا عشرية لاحقا للشيعة من خلال ترميز القلادة التي تُحدث الجرح في عنق حسين، الجرح الذي لم يره غير محمد، على الأغلب كإشارة الى بداية فشل مشروعه بكامله او بجزء منه او في البحث عن البدائل، لكي يعاد انقاذه على يد علي الذي قابل العداء بالسكوت، وتركه لموروث العائلة من دون تحد، بل بازدراء مشفوع بالصبر بشهادة زوجته زهرة بأنه «يحمل هموم العالم كله ويهمل اقرب الناس اليه»، وقبوله بمآل محبكة من قبل الآخرين الذين يضمرون له ولعمه العداء. من جانبه اعتكف محمد، على وقع الأحداث والمتغيرات التي عصفت بالمجتمع، والتي تمثلت بسيطرة العسكر، مع بضعة مخطوطات بعد ان فطن الى خطأه الكبير بالزواج من شابة «لم تتجاوز الثالثة عشرة » من عمرها ورضخ لها كثيرا فغيرت الحادثة مسار مستقبل العائلة الهاشمية ومستقبل ما كان يطمح له في شبابه، حتى ردد مقولة ابن داود بأسى وخيبة «كل شيء باطل وقبض ريح» وهي اشارة كافية على فشل مشروعه، خصوصا بعد أن راودته فكرة الانتحار، كنعمة اثيرة بيد الإنسان، واستعداده لدفع الثمن (القربان) بنفسه، مستذكرا كل اخطاءه وانسياقه «وراء اوهامه » بما فيها زواجه الأول من بهيجة. ولعل في هذا التدرج الحدثي المثير يضع الكاتب جل افكاره التي سعى من خلالها لقول فكرته الخاصة بالفشل والتي ستصبح واقع حال من خلال افتراق جهتين هما آل بيته من جهة، ومن رافقوه وتآمروا عليه من جهة ثانية، فيعاد صياغة الحال بصفة اجيال جديدة كذلك، وهم ابن اخته جبير وبندر ابن الحاج رضا الذي كان آمر المفرزة التي تلقي القبض على ثلة الثوار وعلى رأسهم سليمان العجمي. وهذا هو الجزء الذي أهمله العقابي الى حد ما في نظامه السردي فجاء غير متزامن مع السيرة لحين انتباهته المتأخرة التي ركز عليها القسم الأخير، والتي نعتقد ان مفاصلها مهمة للغاية في موازنة النص، واحقاق فكرته الخاصة بالثيمة التي ستقفل المشروع برمته، لكنه سيتصدر الزمن بمنظور جديد، بل ستلهى به العقول وتجن له، هذا اذا ما افترضنا نمو التأويل في ذهن القارئ الذي لا نشك بمقدرته على فتح فجوة اخرى في هذا النص الجريء وبمواربة واقعية صرفة، استدراكا أن الرواية الخالية من الأسئلة هي ليست برواية.

ومن المكملات الأساسية الخاصة بهذا المفصل هي أن التغييرات وما يطلق عليه بالثورات، مهما كانت نواياها صادقة، فلا بد ان تنتج ما يقابلها سوءًا بل تأكل أبناءها ومن ساندها فعليا، فتظهر صورة جعفر الطيار القائد في سلاح الجو، اثناء زيارته لمحمد عمه بعد ان إصابته بجلطة دماغية بسبب تجاهله من قبل عسكري المخفر، بل تم التعريف به كونه «عم النقيب جعفر الطيار» وليس العكس!، ظهرت تلك الصورة المرتبكة على وقع التوقعات بأن شيئا يحصل وان حربا غير مُعرّفة ستندلع، ومعها ستنفتح البلاد على صورة انفلات غير مسبوقة، وعودة للأجنبي بطراز مختلف.

وفي جو المتغيرات السريعة، وتدهور الحالة الصحية لمحمد، يظهر علي كسليل وحافظ السر فيأتمنه محمد على مفتاح السرداب الذي يحتوي على المخطوطات، وهي الأغلى ثمنا والأكثر أهمية من الأموال والممتلكات التي استحوذت عليها حميرا واباها وجبير والحاج رضا وابنه بندر. ولعل الكاتب يراجع نصه نقديا بقوله: «في النظر إلى رمزية الفعل أكثر من الفعل نفسه» و «هو الإرث الحقيقي الذي سيتركه للأحفاد»، وما سيولده الأمر من خذلان وأسى لدى العائلة، ولعل في ذلك زيادة في اوجاع محمد ومن ثم استسلامه لمرضه وموته، لكنه سيجعل منها لاحقاً إرثا عملياً وليس كمنتج ذهني فصيح حسب، على مدى قرون، لم يُقدم الكاتب نفسه على وضع ملامح نهاية لها. وبذلك ضمن العقابي فكرة تأويلية كبيرة لنصه، فيما يضع في نقيضها شهوة المال والثروة والسلطة معا. غير أن هذا ما نقرأه من خلال سطح النص، أما في عمقه فأن الفكرة تنطوي وتنفتح على تفسيرات وتأويلات لا نهاية لها، انما تلتقي بالنهاية الحتمية «كل شيء باطل وقبض ريح »، وعليه فأن بقاءها ما هو الا كونها معشقة بالغيب اشد تعشيق، واحتفاظها بمعتقدها ما هو الى نتيجة الى مبنى دلالي صرف أثير.

أما حادثة الموت ذاتها، التي تزامنت مع الحرب، فيعود بنا الكاتب الى الواقع المتخيل في ظهور شخصية الشيخ التي حاول العقابي حصر ترميزها بسلاسة ظهوره وقت الملمات والضرورات القصوى، فيذكرنا الكاتب بإطلالته سابقا على نحو منقذ ومستهجن للتعذيب حينما شارف جبير، ابن اخت محمد، على الموت تحت وقع السياط، فقال انذاك «إياك والتساهل مع الخائن.. لكن.. لا تكن باغياً. .»، اما الآن بمعنى مشارفة النص على النهاية، قبيل موت محمد، وتوقف الفعل المنتج للسيِرة والحبكة معا، فأننا سنواجه مآل مشابهة، بل أكثر صرامة، «قادما من بين ألسنة النار... كأنه الله استيقظ أخيرا من غفوته...» مذكرا عليا «واعلم يا بني.. أن القربان لا يستعاد» بإشارة الى السجناء، ومن بينهم العجمي، الذين قضوا بقصف الطائرات لمركز الشرطة، اضافة الى حوارية مع علي خلعت على النص نوعا من الغرابة سيكملها الكاتب بعد حين.

لكن موت محمد بحد ذاته انطوى على حالين أولهما إشارة زهرة الى حميرا وأبيها بأنهما قتلا ابيها «قتلته.. قتلته العاهرة.. هي وابوها قتلاه »، وثانيهما الإفصاح عن الكره المتبادل بين شقي العائلة، مع اسئلة ملامة من قبل علي لمحمد وجثته مسجاة بانتظار الدفن، مع مزج متأمل لخراب المدينة بسبب قصف الطائرات، وانفلات الرعاع لنهبها، ثم ظهور الشيخ مجددا كشاهد، ومن ثم اشبه بصانع معجزات كحمله التابوت بمفرده، أو فتحه السلسلة الحديدية للمقبرة بسهولة ومن ثم احكامها مجددا. من الملاحظ هنا كثرة الضخ المشهدي لدى العقابي الذي الزم نصه بعقد نهايات اندفعت وتلازمت، بل جرى تعشيقها ببعضها بعضا، كوحدات نصية مرهقة بعض الشيء فافتقد النص الى حالة الترشيق اللازمة، وعموما نجد مثيلاتها في نص العقابي إجمالا بحيث تبدو قوة النص واضحة العضلات ومتشنجة وهذا ما نطلق عليهstrengthen بمعنى اجهاد النص الذي لا نتمناه في قراءتنا للروايات الكبيرة ومنها الرواية التي نحن بصددها، مع ملاحظتنا، بل مأخذنا، بكبح الاسترسال واحكام النهاية على وقع تغريبي بظهور الشيخ (الشبح) كشخصية تخيلية خادمة وكشاهد -لا يحتاج النص الى شهادته- فلا يفترض أن يكون لها هذا الجنوح نحو اسدال السيرة والإقفال السريع، مع الأخذ بنظر الاعتبار ضخامة النص حجما.

في جانبه الآخر آثر العقابي في نهاية نصه تخليص شخصية علي من جميع المتناقضات وردود الفعل والثارات، بل تنازله عن كل حقوقه من اجل انقاذ حياة اخيه جعفر، وهنا بالضبط نضع علامة مميزة بأن العقابي استطاع أن يحجز لعلي مكانة سامية مع الذين حوّلوا هزائمهم وتعرضهم الى كافة المظالم والإجحاف الى شحنة انسانية عظيمة بعيدة عن الضغائن والأحقاد، انما جاورت حتى انصاف معذبيهم، وبذلك جعل من علي قيمة تاريخية لمشهد انساني نبيل ورائد، حينما تطلّع بانكسار الى «قلادة الدم التي طوقت عنق حسين» ابنه، واجهش بالبكاء، احساسا بالأذى القادم لا محالة حتى مع القربان ذاته.

وبهذا اخترق الرمز بمفهومه الغيبي المعلق فكرة تأويله واقعيا، فجاءت نهاية "القلادة" كرمز، معشّق ببدايتها. وبذلك يكون العقابي قد اكد فكرة القربان الذي تقدمه الأجيال ثمنا للعصبيات والمصالح والأحقاد، فتكون وقودا لجنون لا ينتهي.

وفي النهاية لا يسعنا سوى الثناء والاستحسان لنص العقابي الجريء الذي فتح أفقا لتناول التاريخ من باب اوسع مما ننتظره بسبب التابوات وسلطة المقدس وحتى الايمانات العصرية التي بسببها تقعد مجتمعاتنا كحقيقة صادمة خلافا لما يقال أن سبب التأخر يكمن في خزين البشر أنفسهم. فالبشر بشر اينما كانوا ولكن التعاليم والانقضاض على مكتسبهم الهادئ الميسّر، المتدرج وغير المقحم هو السبب الأساس، وهذه قلة لا نجدها في الكثير من الأعمال الأدبية او الفكرية على حد سواء. وككلمة أخيرة نضع معها علامة الجودة العالية لعمل العقابي، نقول: أن حرية الكاتب تجعله في مقام العطاء الخلاق وليس المكرر، وهذا ما وسم به العقابي نصه الذي اثار وسيثير الجدل.

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 13-07-2016     عدد القراء :  24342       عدد التعليقات : 0