تحولات أسئلة النص في رواية -عشاق وفونوغراف وأزمنة- للكاتبة لطفية الدليمي
بقلم : هاشم مطر
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

مثلما والد والدها "صبحي الكتبخاني" الذي اكتشفته من خلال المخطوطات ص 154 «... أنه كان يتحدث عن نفسه مرة بضمير الغائب، يتحدث عن شخص يعايشه ويشهد تفاصيل حياته وحياة الأقربين وأحوال البلاد ولا يريد أن يظهر أنويته، ومرة يكتب بصوته هو..» آثرت الكاتبة لطفية الدليمي الحفاظ على نظام الحكاية، تنتصر لمقاطع الحبكة الروائية بحرف منمق فيكون ابطال قصتها يتوجسون خيفة من توريطاتها حينما يدلون بحواراتهم.

وحينما يكون الأمر بحاجة الى بداية ما أستعير مصطلح (الاختراقي) كأنسب ما أبدأ به.

وضعت الكاتبة بطلتها نهى منذ السطور الأولى وسط حزمة من التوريطات المكثفة التي لا يتمنى أن يقرب منها أي كاتب، إلا على سبيل التحدي، فهي تزيد من مشكلته بحل عقد روايته وتدفع بقارئه إلى اليأس أحيانا ما لم يضع لها الكاتب نظاما معرفيا خاصا كما في الروايات الكبرى مثل (يوليسيس) لـ "جيمس جويس"، فالأمر هو بمثابة تحدي لكلا الطرفين كاتب النص وقارئه معا، كذلك بالنسبة لناقد النص وفاحصه. وليس الأمر متعلقا بزيادة الأسماء والأجيال أو بكثرة الأحداث، أنما ما ألح على الكاتب عرضه من خلال سير شخصيات كثيرة ليس من المناسب اختصارها بعدد محدود، مع ملاحقة مصائرها من حيث الفضاء الروائي الأنسب (الزمان والمكان)، وهو الأمر الذي وضعت الكاتبة الدليمي أولوياته في عنوان الرواية «عشاق وفونوغراف وأزمنة» الصادرة عن دار المدى2016، حيث الأصوات تخترق الحبكة بتجارب الحب، أيا تكون، مصحوبة بأشد المتع لوعة وهو البارادوكس paradox المؤلم لما يضفيه الصوت ودبيب الحياة بخطاه الوئيدة على انثيال العاطفة وتألقها من حيث فقدان الحب وحضوره، وهو الأشد شفافية في النفس الإنسانية وقت غيابه، وهو المفارقة التي تشكل واقع الأمر، حتى وان بلغ حجم التحدي شكله الأعظم، فالناس مترتبطون بتجاربهم بعدد لا يحصى من خيوط النسيج fibers الذي يتألف منها بساط الواقع. ولهم تحديات قابلة للمقارنة بقدرة التحمل والمطاولة، تبدو وكأنها من دون نهاية، مع امكانية استدامتها (Sustainability) من حيث الحيوية والقدرة، بيقظة واحتراس دائمين ووضع ايجابي، وهي القدحة التي تحول حركة الناس الى فعل حقيقي. فهل يا ترى ان باستطاعتهم تغيير الأمر، أو أن لهم حرية الاختيار، أو على اقل تقدير العبث بألوان البساط، كما الأطفال، بالرغم من اطلاق ارادة غير محدودة موسومة بالتحدي؟. الجواب الجاهز إما نعم او لا، وكلاهما صحيح ومغلوط، فمثلما الحب والكراهية وجهان لعملة واحدة فهما غير متناقظين، فأفضل تقدير غير ملزم اذن هو (اللاابالية) للتعبير عن نقيض الحب، كذلك يكون الجواب بالنسبة لإمكانية التغيير والأختيار. تلك هي الإستجابة الأولى لنص الدليمي بهذا الخصوص. ولهذا كان الاختراق صفة واجبة وهي صفة لا تحضى عليها الكثير من النصوص. بحيث يكون الانبهار هو المشروع الإنساني الأمثل، وليست الاجابة المفاجئة/الجاهزة على الأسئلة، فمثلما نطلقها على عقولنا بإنتظار الجواب، نكون اطلقناها على الحياة برمتها من دون انتظار جواب محدد، ومهما اقترب أو تباعد هذا الإستنتاج مع رؤى المدارس النقدية المختلفة، فأنه ينسجم مع مذهب الاجابة بالسؤال ذاته كقيمة معرفية، ليست تساؤلية صرفة عن أسئلة الكاتب وهي واحدة من ممكنات الإستدامة والتوليد المستمر للمعنى بعيدا عن التكرار بقدر ما هو بعيد عن الجاهزية، انما ممعنا بالتحول.

سنحاول ايضا ايجاد تطبيقات منهجية بهذا الخصوص في مسار السرد وحركيته، مع احترام حرية الكاتبة بالوحدة الكتابية في حيز سيطرتها على النص. اما بالنسبة لي وللقارئ فسنذهب ابعد من هذا لسبر النص الإبداعي وكشف بواطنه وما انطوت عليه الحبكة من اخبار ومعالجة.

ومن هذا المكان بالضبط اضع الممكنات اللغوية بكل انواعها جانبا، فيما عدا دخولها في سياق النص من زاوية توالدية صرفة معنية بحداثة النص واطلاق طاقته الابداعية. فمع الفصل بينها كوحدات لغوية تبقى غير منتجة وبغير تظافرها مع الحبكة الروائية تشل النص وتفقده حركيته، اقول هذا لأنني نبهت عليه اكثر من مرة، وها انا ألمس جدواه في العمل الماراثوني الاختراقي للكاتبة لطفية الدليمي فسأعمل على احقاقه مع نواقصه إن وجدت. وبهذا استميح الكاتبة عذرا من اجل ايصال فكرة النقد بحيادية واكاديمية صرفة الى أي متلقي. هذا، بطبيعة الحال، محايثا لمجريات النص وعقده المهمة لنتناولها مع القارئ بمنظور بحثي نحاول فيه تبسيط المصطلح والتقاء صفة انضباطه مع الواقعة.

وبهذا ندخل حيز الرواية على نفس النحو الذي دخلت فيه الكاتبة مستفيدة من موهبتها وخبرتها وقراءاتها المتنوعة، فجعلت من النظام الكتابي أي (نظام بناء النص)، كعلاقات داخلية، ما هو موازيا لنظام السرد، بما فيه خلق العبارات الجميلة والانسيابية التي تجعل القارئ في حالة من الإسترخاء، وطاقة السرد ممتعة، تدفع بها الدليمي للوصول الى اعمق غاياتها النفسية مستغلة الواقعة والعاطفة على حد سواء. هذا تصور، أولي، غير ملزم لحد اللحظة حتى قراءة ثلث الرواية لاطلاق حكم ما يختص بهذا النجاح. ولعل سائل يسأل ما علاقة النظام الكتابي بكل هذ؟ اقول باختصار لا نعنى بالقيمة القاموسية غير المنتجة، مع امعاننا بإدخال المفاهيم بصيغ نقدية تستفيد من كافة الحقول واطلاق العنان لمكنونها الحر الإبداعي وليس الملزم بالفروض وموجبات الطاعة للنظم القبلية التقليدية، فالإشارة لابد ان تخلق الصوت، والصوت لا بد ان يخلق المعنى والمعنى عليه ان يخلق معنى حرية النص وليس الحرية بذاتها، اضافة الى كشف القيمة التركيبية في اللغة، وحركتها، مثلما تسير الصورة الأدبية من اليمين الى اليسار، كما اللغة التي نكتب فيها الآن. اليس هذا مدهش!. يرى كلود ليفي ستروس بهذا المجال « أن كل الظواهر الثقافية التي تسود المجتمع هي من إبداع اللغة». تصور انك تقرأ نصا مكتوبا بالعربية من اليسار الى اليمن أو من الأعلى إلى الأسفل، وان حصل الأمر، جرب ذلك، يحصل النفور من النص قطعا. ولهذا السبب ايضا تأخذنا بعض النصوص الى نهاياتها بسلاسة ورغبة حتى المركبة منها، في وقت تكون الأخرى ملغّمة وعصية. أو كيف يدخل الأدب في سياق العلوم التطبيقية، بل في توجيه مصائرها الى حد بعيد اليس هذا مدهش ايضا. فـ «إذا أردنا أن نكون مغامرين مكتشفين في قراءتنا للأدب، فأن علينا أن نكون مغامرين بالقدر نفسه في تفكيرنا عن الأدب» جابر عصوفور في مقدمة ترجمة كتاب النظرية الأدبية المعاصرة "رامان سلدن"».

هذا بالإضافة الى حرفية الكاتبة الدليمي في الاختراق الكرونولجي/الزمني التتابعي لما بعده من اطر حديثة بما فيها الحقول الزمانية وما توفره من اختراقات في البنية الروائية، الذي هو الجزء الحر من العملية الإبداعية، وهو ما يصطلح عليه بتيار الوعي المنحوت عن فرجينا وولف الكاتبة البريطانية الشهيرة في بدايات القرن العشرين، واستمر ليخلق مضامين كتابية اكثر جرأة، واتاح الفرصة للغة اصلا أن تنحو بنفس الإتجاه، فتُحدث بعض النصوص نوعا من الاشكالية والجدل.

نكتفي بهذا التقديم المبسط فنتابع حركة النص بصفة بطلته نهى الفاشلة بتجربتها، على وفق نفس النظام، ولا نتوجس خيفة من دخول مناخات النص بحرية، هذا ما وفرته الكاتبة أولا لاستجلاء عملها، وهي بمثابة هبة الكاتب لقارئه، مع تبويب للفصول والمقاطع تعلوها مقتطفات ومقاطع (حكيمة) تذكرنا بكلاسيكيات الرواية استخدمها الكثير من الكتاب المهمين وعلى سبيل الذكر لا الحصر "ستاندال" في روايته الأثيرة "الأسود والأحمر”. وإن بالغنا في الملاحظة فأنها تهيئ القارئ لفعل روائي محدد وكأن الكاتب يعلّم عليه بخط عريض لأي سبب، وكأن الأمر يبدو دعوة للتأثير والتأثر.

التجربة

تضعنا الكاتبة مع بداية تحولات البطلة، بنقلة واحدة، في مناخ الهجرة والهجرة المعاكسة، وهي ثيمة رأيناها في عدد من الروايات خلال السنوات الأخيرة، لكننا سنرى كيف تعاملت معها لطفية الدليمي وإلى أي مدى استطاعت هذه الثيمة من اختراق الزمن واستعادة التجارب على نحو ملحمي يتسم بفعل الاجيال لعائلة بغدادية ميسورة هي الكتبخاني وصلتها بقريبتها عائلة الخيامي، وبهذا الدخول تقدح المؤلفة عشرات الاحداث الدفينة في الصدور وفي الورق، فتندفع السّير بضخ سردي كبير سنتابعه بحركية مماثلة. وحالما بدأنا من كتابات جدها لأبيها صبحي الكتبخاني، فأننا سنعيد ترتيب القصصات الزمنية المفعلة بتأثير عودة البطلة "نهى"، وهي الوقائع التي ستشمل سيرة الأسرة بكاملها. فيصبح من المتاح لنا تأمل صورتها وتأمينها بمناخات مختلفة وبأزمنة متباعدة عن بعضها البعض، لكنها مترابطة بنسيج الحبكة.

قبل ان تُكلف نهى، بعد عودتها، من قبل أبيها الذي اختارها لنزهة او رحلة مع ما كتبه جدها الأكبر في اوراق اصبحت مهترئة ومخرومة ببعضها، وهو المفصل الاساس في ثلث الكتاب الأول، لابد أن نعطي فكرة عن انزياحات النص الزمنية بدرجة تقاربها وتباعدها عن بعضها بعضا. لنيسّر الأمر قليلاً ونسأل سؤالاً أفضل. ماذا يحدث في واقع الأمر في حال تصبح ممارسة فعل الحياة أمر مفروغ منه وقت استعادة التجارب وتباعد الأزمنة؟ وهو سؤال الكاتبة الذي سيستمر حتى النهاية وإن حضرت عشرات الأجوبة المكتفية بذاتها ومناخها مقرونة بحسية التجربة.

سنحتاج الى بعض الوقت حتما. فكما ذكرنا لا يشترط بالإجابات أن تتماشى عاطفيا مع أي أمر، ولا حتى هي من بيئة نقيضها لغويا، بل ستعنى بالشكل الآخر للمعنى، هو منتح السؤال. قوة تحتوي على مكنون كافٍ لاطلاق جواب غير منتظر. فالاجابة العادلة لسيرة اية حياة تكمن في بحثها عن "الإثارة"، وهي (متحولة)، لذلك تكون مثل هذه التجارب ذات معنى على خلاف التجارب التي تتضاءل وتموت وحيدة لأنها مضجرة لصاحبها ولا تمتلك قيمة استعادية أو قوة استدامة حقيقية منتجة، وخالية من اية مساهمة انسانية بارعة، ولا حتى أية قوة تأويلية كافية للتأمل، وهي (ثابتة) ومصابة بالوهن والسبات. لذلك تكون الابعاد الواقعية بزمنيتها في رواية الدليمي الأكثر حظاً بكل ازمنتها، فلا نجد زمنا افتراضيا غير بعض الإشارات التي نحيلها الى الخيال احيانا. وعليه فالانزياحات بمجملها هي صرفية/متحولة تتسم بقوة مكنونها الرمزي وليست رمزيتها، فيبقى الإنزياح مرهونا بحداثة النظر الى الماضي، فلو افترضنا أن درجة الانزياح الزمني يقع بين الصفر والعشرة نراه احيانا يتموضع حول الصفر واحيانا يفوق العشرة، فقوته ستبلغ رقما رياضيا خياليا. ومن حيث التجربة ما يماثل ذلك فالكثير منه غير منته والآخر تعمه الفوضى والأكثر منه مشفوعاً بالغياب ومن دون تواصل مجد. وبهذا تكون الكاتبة قد قاربت التجارب بالرغم من زمن وقوعها المتباعد، وقدمت نصا صارخا ينبش بتجارب الماضي وإن ماتت او اختفت لكنها تحتمل انزياحا زمنيا مؤثرا في السلوك الآني ليس موروثا بالقطع ولا جينيا انما مكتسب حسب، وموسوم بالفعل الإنساني الأثير والمؤثر.

نهى الفتاة الشابة المهمومة بالعشق وانثيالاته، أو بالاحرى بوحدانيته وفرادته العاطفية، وهو الأمر الذي يحصل عند الصدمة بطريقة فصل العواطف عن مؤثراتها الحياتية واليومية، وهي في طريقها الى مجهول آخر هو بلدها الأم، تسكنها مقوله لإبن سينا «المستعد للشيء تكفيه اضعف اسبابه » ، وهي إشارة الى الفوضى العارمة للجسد المصاب بأكثر من داء، ليس جسديا قطعا، انما جملة من التكوينات غير المحتسبة، والمحتبسة في اطار الجسد وكأن الروح تفر وتنفر منه، تداهمها صورة واحدة لصفة انسان فـ «تخاف وتحاول تجاهل الإشارات» التي لا تعطيها جوابا شافيا، وبهذا التركيز النفسي الذي اختارته الكاتبة كون حجم الأسئلة لا تستدعي الأجوبة تماما لأن عملية المخاض الذهني لا تكتمل من دون تفكُّر (contemplating) «فمثلما المعدة التي لا تحتاج لهظم الطعام الى مراقبة واعية يكون الذهن مشابها لذلك من دون اقحام ذهني عسير لاستخراج الجواب» حسب الكاتب الن وات Alan Watts المعني بالدراسات الشرقية الروحية في كتابه (الطاوية). كذلك نهى التي «لم تحظ بجواب» فاحتسبت الامر «حافز محرض على قصة مشتهاة.. » ورسما للوهم مشغولا بصفة الحب والخوف حيث «ينبثق طيف رجل طالما تراءى لها في أحلامها، يمر الآن كبرق خاطف على رصيف المحطة... ». مع مصاحبة لأحلام أنبأتها من قبل بمقتل اخيها فؤاد مع ستة من زملائه أمام مدخل الجامعة المستنصرية وقت اشتداد «حرب الطوائف» في بغداد، وتعيش تداعيات زمنية معقدة لفترة هجرتها غير الموفقة، وصباها في بلدها كأحداث متناثرة واغانٍ، بينما تشجع نفسها بنفسها على مستقبل لا تعرفه. وعلى وجه اشد تلح عليها تجربتها الخائبة مع حبيب غير ذي معنى عميق، فنصف الأمر بسقوط تجربة الاغتراب في سلطة ضياع الوقت من حيث حرية الاختيار غير المنتظمة في سياق الثقافة لصبية كانت تعاني من سلطة الأب وتغطرسه «...يملي عليها ما يوهمها بأنه خيارُها الشخصي...»، فحاولت الإنفكاك منه. والآن هي أسيرة التداعي الحُلمي في مشهد يقظ تستدعيها صور المشهد الباريسي اليومي إلى الكثير من التأمل لأبسط المشاهد التي يراها المرء كل يوم. وكأنها ترى تمثال (دانتون) ومحطات المترو والجوقات الموسيقية كذلك البشر بسحناتهم المختلفة لأول مرة، او بشيء من الإغتراب المعنوي.

تتخذ الدليمي من حالة نهى مبنى حركيا حرا تطلق فيه مكنونات التداعي والانبهار اللوني بما فيه اللغوي الأنيق لتقديم شخصيتها بالرغم من مقاطع التوصيف الكلاسيكية كبيضوية الوجه ولون البشرة ربما زيادة في تقريب الصورة التي لا نحتاجها في الرواية الحديثة فالجزء المتعلق بذكاء القارئ وحريته في إكمال الشخصية قد يصاب ببعض الأذى. لكننا ننصف الكاتبة حيث لم تكثر منه واكتفت بالقليل منه. وزيادة في التوضيح للقارئ: هناك فرق حينما نقول (له وجه مستطيل ولون اسمر، وبين ان تقول: ميز حضوره بين الحاضرين وجهه الطويل ولون بشرته السمراء)، فأعادت الكاتبة توجهه بوصف خال نهى «أسرع بقامته القصيرة ووجه الممتلئ...» على أن يكون الوصف خارجا عن السياق (له وجه ممتلئ). نجد ذلك في روايات اخرى متجاوزا حدود ذكاء القارئ للأسف. وهذا شكل مما عنيته بإدخال الوصفيات في البنية الروائية وهي التي تتيح للمتلقي اكمال الصورة وللسيناريست رسم المشهد فيبدوا مختلفا عن التصور في حال مقارنة النص الورقي بنظيره السينمائي، او حتى التشكيلي. ولكن تجمعه ببنية واحدة وهو حرفية الكتابة التي نشهدها في نص الدليمي، حيث انسياب المعنى يكون مرافقا للعبارات والجمل المحمّلة بالتداعي والنقيض، وعكسه الخاص بالإعجاب بالمناظر وحالة التحسس القصوى، فالحدث ذاته يستدعي اللغة والإشارة وليس العكس. وعلى ذلك تكون بطلة الرواية محملة بضجيج داخلي مشدود بقوة لعدد من الأركان لا تفلت مع قوة التأثير، بل تجعلها تتابع سيرها بهدوء وبذلك نحصل على انسجام رائع بين العوامل الذاتية الصرفة المفعلة بفعل المؤثرات، وهي عودة البطلة الى وطنها الأم، وبين (البيئة) الوجود الخارجي (environment) الذي هو طريقها الى هناك مع الإستعادات الزمنية بمناخات مختلفة.

تترك نهى بلدتها ومكان عملها في (غرينوبل) في الجنوب الفرنسي، ثم تستقل القطار الذي سيعبر عدداً من البلدان في طريقها الى زيورخ وبعدها تواصل طريقها الى بلدها الأم اينما ولدت عشية حرب وحيث بقايا أهلها وأولهم أبوها المريض، سبب عودتها المعلن، بعد حث اخوها وليد، المهووس بتخصصه الجيولوجي، على العودة بعدد من الرسائل الأليكترونية التي تبادلاها وختمت آخرها: «...سأبذل كل ما بوسعي وأعود بأسرع ما يمكنني لرؤية والدي الحبيب...». تراءى لنا من خلال ذلك كما وإنها كانت تنتظر نداء أخيها وتمنت الحاحه عليها بالعودة، حتى تساءل نفسها في موقع متقدم من الرواية «هل عدت من أجل كفّ اللوم عن نفسي أم عدت من أجل أبي»ص107.

تضع الكاتبة من بداية السطور رسما للوهم مشغولا بصفة الحب والخوف حيث «ينبثق طيف رجل طالما تراءى لها في أحلامها، يمر الآن كبرق خاطف على رصيف المحطة...»، وأول ما يستدعي قلقها تجربتها الفاشلة من زواج مبكر او ارتباط قلق «متسرع» من شخص «عاطل من بيئة عمالية» مخادع له علاقات عابرة بالنساء، وموسوم بثأرية من واقعه، لم تخبرنا الكاتبة عنه الكثير، غير عوامل فشله منذ نشأته. بل قالت عن ارتباطها به في وقت لاحق لأبيها «..وكأني كنت أعلم مسبقا خطل ما أقدمت عليه»ص73، تتابعه في فصل (أزمنة أخرى) ص349----، حيث يظهر "رجل الرؤيا" واقعا تلتقيه «اشعر أن جسدي صار شمساً منذ نظر إلي...»، فتعقد مقارنتها وتحولات الرغبة والجسد مع «تجربة زواجها الفاشلة كانت بين رجل يستولي ويؤذي ويأخذ ما يريد وبين امرأة تُغتصب، اليوم تشعر بمتعة فردوسية ممتدة وهي تفكر بنادر» رجل الرؤيا الذي التقته واقعا في بغداد.ص351.

فتبقى نهى في مفاصل الرواية الأولى أسيرة الحالة الشرقية لفتاة تضع الزواج معيارا للنجاح، ناهيك عن عدد غير محدود لتداعيات حرة جعلت من البطلة مؤهلة لنشاط الكاتبة السردي والتي ستفوضها لإختراق البنية من عدة أوجه: أهمها زمانها الحالي وانشاطاراته، والقديم كنظرة استعادية قيمية. وبخصوصها لا تتعدى كونها ان اباها هو الذي اختار لها الهجرة الى فرنسا بعد نجاتها من محاولة اختطاف في بغداد، وما يزال يشجعها على تجاوز فشلها. فتقع اسيرة الجرأة بالمواجهة والحنين بأبسط ما يذكرها بالحياة الهانئة في بيت ابيها كمفرش المائدة، وتغريد البلابل، والورود وغيرها من نتف الحياة المطمئنة لسبب واحد هو أن تجد معادلًا لحالتها المضطربة الآن، خصوصا بعد أن التقت صديقتها الفرنسية (كارولين) قبيل سفرها وهي تشجعها على المغامرة والمواجهة. مع محاولات الكاتبة لإيجاد محركات نفسية مشبعة بالعاطفة في شخصية البطلة، كدرجة فصامها وعتابها مع ذاتها وتفسيرها لظاهرية الحياة وحركة البشر من حولها، تدهشها ادوارهم وطريقة تعاملهم مع ذواتهم والأشخاص معا، وهي في طريقها الى (زيورخ) لتستقل الطائرة التي ستقلها الى أربيل أينما سيكون خالها سليم بإنتظارها. فتكاد مخيلتها أن تكون جاهزة لإستقبال الوهم الذي تمظهر بصفة شخص محدد يظهر لها في الحلم واليقظة، يتابعها في الأمكنة ويلتقيها الآن في القطار، يحاورها ويمنحها اسم غريب (جايا) الذي لا تعرفه سوى أنه من بيئة الموت والحياة بعد أن بحثت عن معناه رقميا، حتى امتلاكها ادوات العلاقة الحقيقية بالحياة مطبوعاً بأثيرية الحب، كتطور كرونولوجي، في شخصية البطلة، فتربط الكاتبة الأسم المتخيل (جايا) بالواقعة الحياتية لأسرة الكتبخاني التي سنراها في نهاية الرواية.

هذا المستوى الحر من التداعي الإنساني الذي يفجره الفشل وليس النجاح، ذلك أن النجاج يؤدي إلى إخصاب الخيال وتألقه، بينما الفشل يحاول العثور على شبيهه ويحيل التجربة إلى رماد مالم يقبله الإنسان كـنتيجة او تغذية استرجاعية feedback ليتحول الى عامل مشاكس. يضع كل ذلك ممكنات حدسية تمنت الكاتبة معها كما القارئ بانزياحها الآني لتنتصر على عوامل الخيبة المجملة في عدم الرضا عن النفس، ومن الخوف ذاته الذي يصاحب البطلة التي تحاول تخطيه بأكثر من تشجيع ذاتي، وربما مكابر، ببعض قوته واطلاق مكنونه الإستعادي على نحو يشبه الأسئلة في حوارايات مختلفة لنهى. ومن المهم ان نتابع هذا التألق في مستوياته لاحقا فعليه سيرتكز نجاح النص، والا فما القصة إلا احداثا تروى حسب، والخيال عنصرا معلقا في فضاء، أي فضاء، ما لم ينتم الى محايثة سردية مقنعة. حتى تسدي الكاتبة للراوي مهمة سرد السيرة لعائلة الكتبخاني . بإعتبار «الحوار والإخبار عنصران سرديان يساهمان في تنويع تقنيات السرد في التعبير عن الأحداث ودلالاتها» كتاب السردية العربية المعاصرة ص59. وبخصوص التجربة التي نحن بصددها، تضع الكاتبة مقدماتها بشخصية جدها لأبيها صبحي الكتبخاني المولع بـ «عشق النساء والكتب والكتابة» و«يطمح للقيام بالتغيير في مجتمع بلاده» والذي على ما يبدو أن ابن اخته عيسى الخيامي تأثر به وأسس جمعية تحت تأثير «الأحزاب الاشتراكية والديمقراطية الأوربية»، لكن طموح اباها يبقى في حكم التصور من دون فعل محدد فجنح الأب جابر الكتبخاني الى حسية فريدة بحبه للحياة من جانب آخر وهوايته الزراعة والزهور، وابتعاده عن السياسية، ويتنكر لتاريخ العائلة في غالبه، ماعدا ميوله الى الثقافة الانكليزية التي ورثها عن ابيه، في وقت وضعت الكاتبة في شخصيته حدسية دقيقة تعبر عن «خيبة أمله حين رأى انهيار العراق السريع بعد 2003، لكنه مصحوبا بالتفاؤل».ص 38. تدفع الكاتبة هذه المعلوماتية بصيغة سردية عامة ستؤهلها الى الدخول في حيثيات التجربة لاحقا، وتتخذ من حركية البطلة نهى، ومن مراحل سفرها الذي بدأ بالمقهى والمترو والآن في القطار المتجه الى زيورخ لتستقل الطائرة الى اربيل، أساسا لتقليل انزياحية النص الزمنية من جانب، ومن جانب آخر استعادة زمنية محايثة لسيرتها، وعلى وجه الخصوص تداعياتها وحسيتها وأسئلتها التي سكنتها فاختارتها الكاتبة اسلوبا لربط بين ما ترمي اليه، وبين واقع البطلة ووهمها الذي تجلى بإشارات اتقنت الكاتبة وضعها بشكل احترافي انيق، حيث تقع البطلة بين (الرؤيا) وواقع الحال. وهذا ما أوضحته وافصحت عنه الكاتبة وواصلته بمشاهد متداخلة بين حدث وتصور وربما حلم كبير تنتظر فيه نهى أن يعاكسها شخص على غرار «احلام نومها ورؤى يقضتها» بما فيها ميولها لرغباتها الجنسية. وهذا مانراه في حادثة القطار الذي يلامس البطلة شخص من الخلف ويدفعها الى مقعد جوار النافذة، ثم اختفى «كعادته مثل ومضة نور...» وبقيت مسكونة بملامحه. فتكون التجربة، هنا، حسية بالمطلق ومفتوحة الإحتمالات، ومنتظمة من حيث السرد كقوة متكافئة لحالة التداعي والانثيالات، الرغبات والتصورات، مصحوبة بمفردات عن واقعية الطريق (الفضاء)، وهذا أمر ليس من السهل على الكاتب احقاقه. فكثيرا ما نرى القطوعات التي لا نستسيغها في الأعمال التي تسقط الأحداث في المتخيل بشكل نقول عنه: هو درجة غير مطابقة أو معشقة بخلق الشخصية من الواقع، وهذا ملمس جاد بإعادة السرد الروائي الى مستوياته المنضبطة بعد ان كان للمتخيل المحض حضورا واسعا في الأدب، فيصبح الأمر في مقام الوجدان الإنساني وليس في مقام السؤال: هل كانت نهى، التي اعتقدت بفشلها الحسي، تسعى الى تطهير ذاتها أو غيرها من الأسئلة التي تبتسر الرؤيا؟.

وما زلنا في اطار المعلوماتية السردية التي ستؤسس الى شخصية قلقة مفعمة بالتأثر الوجداني، مع غياب درجة تحديها في بداية التجربة على الأغلب، خصوصا وأن نهى كان لها تجربتها المهجرية الخاصة وأسست على وفقها عملها وعلاقاتها، ترى إلى أي مدى كان التحدي مؤثرا في سلوكها؟ بطبيعة الحال الإجابة محالة من دون تقدم. وإذ تقوم نهى، مع اولى التداعيات، وتدمع عيناها لكل ذكرى، فلا بد من وضع تلك المقدمات كتشجيع، وضخ تساؤلي ذهني كما ذكرنا قبل قليل، فالسؤال ذاته يخلق سؤلا آخر، والسلوك يخلق افقا حركيا غير محدد. وعليه افترقت عن زوجها، ومن ثم عملها وتابعت حركتها كمسافر الى مكان (غريب) كغريب لا يحمل معه دليل سفر. غير أن دافعها الرئيسي على ما يبدو هو فضولها بما هيأه لها ابوها (كمفاجأة) اخبرها عنها اخوها وليد، وها هي الآن تسأل عنها خالها سليم في اول لقاء بعد وصولها اربيل، وبعد لقائها بأبيها قالت عن الأمر «أتيت من أجلك ومن أجل مفاجأتك ». وهذا هو نوع من التقدم الذي يفجر بذات الوقت فضول القارئ ويجعله على تواصل مع الرواية من جانب آخر. فتستمر الكاتبة على وفق نظامها الكتابي الذي اشرنا له في البداية بضخ وحدات بنائية تتعلق بأبطال الرواية كمشاريع حياة تظهر بشخصية خالها (الاشتراكي النزعة) يفصح عن نيته بالزواج من امرأة أرملة كردية (نازين خان)، لها أولاد يعارضون زواجها منه لسبب ظاهري كونه عربيا، وأخوها كما ستعرف لاحقا بأنه سيقترن بإمرأة مخذولة ومفجوعة بأسرتها المسيحية، ليس من باب العطف قطعا وانما في كلا الحالتين هما نزوع نحو تحدي مجتمعي مثير ينحو للتغيير وهو عامل استدامة مشحون بالعاطفة والوجدان، لكنه محمّل بالتحدي أوله الذات المشاكسة اللائبة والمتحركة، قوامها الحب أولا. فمن دون اقتران التجربتين بميزتهما سيصبح الآمر بخانة المنتهي من الأحداث فالاثنان سيتزوجان وانتهى الأمر، وهذا سياق ترقبي آخر تضعنا الكاتبة في حيزه بطريقة لافتة ومتقنة. يقابل ذلك في جيله الأسبق، والدها، الذي يركن الى وحشته بعد مقتل ابنه فؤاد ويصاب «بنوبته القلبية الأولى» فيكون الأمر على مستوى اخبار متقدم أيضا بأن النص سينتج احداثا أخرى وسيصاب الأب ربما بنوبة ثانية، فيما تسهر على عنايته زوجته ميادة، مع استذكارات استعادية استخدمتها الكاتبة كتقديم لحال البلاد التي كثرت فيها الجريمة تجلت بشكل الموت والاغتيال، تعززها «مشاهد الانفجارات وجثث الضحايا» في التلفاز جراء تفجيرات ارهابية. فيما تبدأ الدليمي ابانها فكرة استعادية تأملية متداخلة في بنية النص لـ نهى عن ظروف هجرتها الصعبة وقصص مختصرة عن النساء المغتربات ابتعدت عن الحب واستعاضت عنه بالجنس فعلّقت الأثيوبية (هيوان سراج) وثيقة جائزة زوجها السجين في أديس ابابا، التي جاءت لتتسلمها نيابة عنه، «عند رأس السرير الذي تضاجع عليه ضيوفها اليوميين»، في وقت نجهل فيه انسانية التحول، فهل هو حاجة ام ثأر ام حرية مفاجئة، وعلى كل حال هي ثيمة رائعة أهملتها الكاتبة يمكن العودة لها لتنجزها في سياق آخر في عمل مستقل، فيما كان للنساء الأخريات مصائر اخرى. وبمجمله يكون السياق الإخباري توليدي لـ نهى من حيث تعاملها مع واقعها الجديد، فعليها أولا شحذ ادواتها، وهي لا تمتلك لحد الآن واحدة منها، عدا صورة التداعي من دون انحياز واضح الا بقدر ما تشدها للماضي فـ «أيام نهى عنيدة مواربة هي الغريبة أينما حلت...».

تحاول الكاتبة رسم مخطط آخر لصورة عائلة الكتبخاني بشقها المرفه الذين «يستثمرون أراضيهم ومزارعهم وعقاراتهم في كل عهد »، اجلت الكاتبة توصيفاته حتى النهاية فأنصفته. في وقت بقي شق الأسرة الآخر بصفة الأب «فاشلا لسبب نزاهة فُطر عليها وزهد تأصل فيه». فأمعن في حالة من الاستشراف الروحي مع زملائه ومجايليه، فلا يخفي نص الكاتبة اسماء واقعية تنتمي الى اصول الفن بحرفيتها كـ جميل بشير وغانم حداد، ومن بيئة اخرى طه باقر وغيرهم، اضافة الى اشعار مترجمة ضمنتها الكاتبة كنصوص منتقاة، وهذا ما يضفي على السيرة نوعا من الواقعية المحضة بتعشيق مع مخيلة الكاتبة لإنتاج قيمة معنوية لفترة زمنية سبعينية اتصفت بالإستقرار وربما بالرفاهية، فكان فيها أول اسقاط لإسم الرواية او بجزء منه (الفونوغراف) المرافق لزمن متحول يتجه نحو الحداثة بإستخدام اجهزة تسجيل تبتعد عنه بالكثير. يرافق المستمعين واولهم الشيخ قيدار قريب والدتها، فلا تبلغ روحه التجلي الا معه.

من الملاحظ في هذا الإسقاط هو درجة الشد للماضي العتيق في عصرٍ تجاوز الماضي وانقطع عنه، فيما بقي الانشداد له ذاتيا صرفا كأن يستمع الشيخ لأنغام الجهاز مع صديقه القس في الدير العتيق، ويتمسك به والدها جابر الكتبخاني للموانسة. في الوقت الذي قدمت فيه الكاتبة نشاطا مهما عن العاطفة وشذرات الحب المطفأة والمتوقدة والتي ستتعامل معها على نطاق حر مستقبلا، حتى وان انتمت إلى عهد آخر على سبيل سبر تجارب الماضي.

قبل ان ننتقل الى مفصل آخر من رواية الدليمي، من المهم ان نذكر شيئا عن اسباب استغراق الكاتبة ببنية انشائية الى حد ما، عن الأشجار والزهور التي صنفتها واعتنت بتقديمها للقارئ الذي ربما يرى فيها بعض الإكثار أو الإستغراق، لكنه في واقع الحال شكلا من اشكال توصيف جغرافيا البلاد وبيئتها، بالإضافة الى شكل معرفي عن تلك النباتات التي يجهل معظم سكان العراق اسماءها. ولا يفوتنا أن نذكر بأن الكثير من الكتاب المرموقين قد زينوا رواياتهم بمكامن البهجة البيئية والمناخية، وبهذا يكون الكاتب متورطا إلى حد بعيد بأسباب الحب والألق والفتنة التي تحيط به على نقيض اجترار الألم واجتراحه احيانا كمعادل نفسي. فتكون المادة الكتابية ذات «ليونة تعبيرية» حسب اصطلاح "ابراهيم العريس" الذي استعيره بدوري لأثني على انسيابية مرهفة لا اجاريها انشائيا، وانما اضعها في مقام اللغة التي تصنع تعابيرها حسب الحاجة، مفعمة بحسية وقّادة تؤثر بالقارئ وتؤهله حسيا للتلقي. من جانب آخر ادخلت الكاتبة شقاء البيئة ذاتها في مناخ البلاد المتغير نتيجة الحروب فأصبحت النباتات مهزومة كما الإنسان وشقية بذات الشقاء الذي المّ به في هذه البقعة فـ «حتى الطبيعة دفعت الثمن، ثمن الخراب الراهن، والشجر والطير والحيوانات نالها ما أطال الإنسان من إبادة منظمة في هذا البلد الحزين»، هكذا عبرت الدليمي بصوت واضح المعنى. الأمر الذي اصنفه نقديا كونه سيتصل بشكل او بآخر بمفاهيم اخرى عن التنمية المستدامة وجرائم الحرب بحق البيئة والمناخ، وهذا ما نوهت عنه في بداية المقال عن الإتصال والتلاقح بين النقد والمنتج المعرفي وحقوله المختلفة كمساهمة بشرية. فأكتفي بهذا القدر في هذا الشأن واترك باقيه لذهنية القارئ للتأويل.

وماله علاقة بالوصفيات المثيرة هو ما انطوى عليه سرد الكاتبة في فصول متقدمة، منها بتوسع، عن عادات شرب الشاي لدى العراقيين واصوله ودخوله البلاد، ارفقته الكاتبة بوقائع واستعارات مضمنة تقرب من الشعر او النثر الشاعري، حتى خصصت له مكاناً اسمته (غرفة الشاي)، لكننا في جميع الأحوال نجد المقاطع مزينة برفاهية تعبيرية تصف اكثر من حالة بما فيها التاريخية، وهذا العرض الضمني عن العادات الداخلة الذي وضعته الدليمي في سياق الوصف المقترن بالحالة النفسية والانسانية لأحد ابطال روايتها صبحي الكتبخاني وجو توحده وميله للسفر نضعه في مستوى التداخل السردي اللغوي الجميل، والحسي للمتناول في الحكاية كصفة لتقدم النص. حتى اصبحت تجارة الشاي واحدة من الأسباب في ثراء الجد اسماعيل الكتبخاني الذي استحصل فرمانا من الوالي نامق باشا الصغير لينفرد بنفسه بتجارته ويمنع حضر استيراده على الآخرين.

ابنة الحروب

في جانبها المتمثل كونها ابنة الحروب، ترشدنا الكاتبة الى مفاصل مهمة من التجربة. فنهى ولدت عشية حرب، وفي العاشرة من عمرها بدأت حرب أخرى، «وما أن بلغت الثامنة عشرة حتى قصفت بغداد بأيام أربعة». العقدة التي تعرضت لها الكاتبة غاية في الأهمية، فحركة المجتمعات تخبرنا، تاريخياً، بمدى التأثير الذي تحدثه الحروب من شروخ في الذات الإنسانية وعليه تتسم المجتمعات بثقافة تكون في بعض الأحيان بعيدة كل البعد عن توازنها وتواصلها مع ثقافتها السابقة للحرب، فلا غرابة أن يصبح أمر وجودها مقرونا بالتمني لإستعادة ماضيها، وهكذا يصبح المستقبل قطعة من تأملات الماضي.

وفي جانبها الحسي، الذي ركزت عليه الكاتبة، كفكرة لحاجة الجسد لـ "مهرجانه" وهو الهدية الذي ينتظره بعد عناء، فلم تجد الحب حتى في أكثر فترات العراق ألقاً، بحيث يكون تاريخ سومر ما هو الا ضربا من الأكاذيب فـ«لم تجد عريسا في انتظارها ليمارسا طقوس الخصب ويعلنا الوفرة والخير لأرض مابين النهرين... أية خديعة؟». وفي مكان آخر «تخاطب الرجل المرتجى «هل سأجدك عند منعطف عصر أم سأمضي العمر في صيانة الجسد من الذبول وأنا أنتظر بزوغك؟». ومع هذا الإنزياح الضمني للمصير المتشابه الذي وفرته الحرب لشابة تبحث عن تجربة الحب يعلل حسيتها امام مفردات الحياة من حولها وتعيش التداعي كأسلوب بالمواجهه. فهل ستستطيع نهى تحويل عوامل فشلها الروحي الى نشاط آخر؟. يتوصل الباحث الإجتماعي الشهير د. فيكتور فرانكلين الناجي من معسكرات الإبادة النازية، بعد ان قتل النازيون جميع أهله، في كتابه "الانسان يبحث عن المعنى": يتوصل الى ان التجربة ليست المهمة ولكن المعنى هو الأهم وما تضفيه على حياة الإنسان في نشاطه اللاحق كنجاح لا يشترط ملاحقته ولا بجعله هدفا، لأنه يحصل بهدوء.

اذن أمامنا الماضي في هذه الرواية من باب انعكاساته على المستقبل، فالكاتبة من خلال سيرة ابطالها الأحياء لا تعنى الى ذلك الحد بوصف مآلات الحرب ودمارها، إنما أمر معايشتها ومعنى وحدانية الفرد وخلق عالمه بنفسه، وهذا مطابق الى حد ما مع الرأي الذي يكتهن المعنى من التجربة. فيكون الابتكار سلطة استدامة روحانية، فلا نستبعد الاستماع للصوت الداخلي كمحور علاجي ذاتوي اسدته الدليمي لبطلتها بل ابطالها، كما يحصل مع سماع الشعر والموسيقى، وحتى النصوص العرفانية و(المقدسة) حيث تتشكل العاطفة من تأثير صوتي (تجويدي) محض لا حاجة له حتى لفهم المعنى. فما بالك بنهى التي تكرر مع نفسها ذات الحوارات الموسومة بالتداعي طوال الوقت وفي كل الأمكنة حيث «تموج مفردات تصوف وعبارات عرفانية تنفرد بها لغتها، تسمع كلمات من أبعد الجهات»، وحتى في منامها وكوابيسها. فهل ستخلق سلطة التداعي التي تخلقها الحروب إنسانا جديدا؟، حتى وضعت احدى نتائجها بصفة "نادر" الشخص الذي ستحبه نهى لاحقا. وهكذا هي الأسئلة المميزة تباعا دلالة على الزمن الصعب الذي ينتجها. في وقت تكشف نهى عن بداية لتغيير منهجياتها «لا بد أن انظر لما هو آت، كفاني استحضارا للزمن الغابر... علينا أن نعري الأمس؛ فما لم نتعلم من سقطاته لن نبلغ الغد...»، بعد سلسلة من التداعيات المزدحمة في بؤر الإفتتان لباريس وتوصيف واقعي ليومها وليلها وما يجعلها تترنح «...كمن غادر الشرق إلى المغيب»ص111، تفتك بها شجى الألحان «تغني وحدها في الشوارع لتوقظ جسدها المهجور». فتصبح الهجرة ذات ابعاد تقاس جميعها بالحاجة، أية حاجة. تنتصر فيها الى مقارانات بين أبواب وشوارع باريس وبغداد الزائلة، تغالبها الوحشة «فتضحك» إشارة لعدم جدوى اللغة في وقت لم يعد الضحك ضحكا ولا البكاء بكاء، مع حضور ملفت لـ طيف او خيال، فيحضرني شخصيا بيت الشعر المُغنى بصوت فيروز «حامل الهوى تعب يستفزه الطرب» فأي من التجارب المماثلة عاشها الشاعر القديم في وقت يعاد فيه نشاطه في قرن جديد!. ولعل في ذلك انزياحا اكثر تألقا يعلل جنوح الكاتبة نحو تاريخ لا نعرفه الا من خلال فك طلاسم مخطوطاته الطينية، فتتشكل في ذاكرة نهى على نحو خيال محض لملوك وملكات وتقاليد، فهل الأمر مجديا الى هذا الحد يا ترى؟.

بطبيعة الحال يخبرنا التاريخيون والآثاريون عن الحقائق وهي متغيرة ايضا، فنعيد على وفقها ترتيب الأولويات، وبهذا يصبح الإسقاط مشروطاً (بالصورة) الجديدة فأينما وجدت نعيد تلوينها من جديد، وهكذا تفتقت ذهنية نهى عن ارتدادات كان بعض منها متغيراً والآخر على نحو من التأمل على بعد خطوتين. وعلى هذا بدأت في تحديها الموسوم بمظهريات الحياة من حولها وما اسدته الحرب لها بدءًا من صنوف الإهمال والذوق، والنزوع إلى الأسوء في التصرف، فكل يجري حسب ما يقابله، فغياب ضروريات الحياة ناهيك عن ترفها يستدعي بالضرورة استدعاء ما يناظره سوءًا بل يفوق عليه. وعليه يتم تأسيس جديد منتج لذاته بذاته معني بسبل وطرائق الحياة الخاوية.

هذا المبنى الذي استلهمته البطلة نهى هو تأشير الى قوة تحريك دافعة (momentum) تؤثر عاطفيا بنمط السرد الذي يبدو مبالغا فيه ما لم نعثر على مادية صرفة من شأنها خلق تجانس بين الآني وبين القديم وانزياحه، ولعل في قصص الحب المتناثرة على صفحات الكتاب ما هو أثير بذلك، فتدلنا مفاتيح الكاتبة بشيء من الإستغراق على مؤثرات النساء واختلاف تجاربهن من عائلة واحدة، مصائرهن راهنة ملغمة برؤية منفردة محدقة بإتجاه واحد، لم تجعلها المتغيرات ولا المؤثرات تتزعزع عن القرار. وبهذا تنزع الكاتبة نحو الحدث اكثر من وصفه فيضفي على الصورة المتأملة نوعا من المرافقة، اقول مرافقة كونها تنحاز الى واقع الحياة فتبقى حسية ومؤثرة حتى بمزجها مع الخيال أو ادخال عناصر أخرى عليها من الجماليات والوصفيات. ومع هذا التنوع يندفع امامنا سرداً جماليا يميز العمل بقوته الداخلية، والكاتب بنظرته المراقبة، والقارئ في ردود فعله. وهذا حقيقة ما له علاقة بتوصل الناقد والمنظر الألماني "هانز روبرت ياوس" في رؤيته للمنتج الأدبي «كقضية اتصالية» بين المؤلف والعمل والمتلقي.

ومن حيث التطبيق نجد في قصص الدليمي الخاصة بسيّر افراد عائلة الكتابخاني وشائج تدعم هذا المنهج، من حيث النهايات الضمنية لمصائر النساء على سبيل المثال الأم ميادة وخالتي نهى هناء مديحة وغيرها التي سنأتي عليها، حسب أهمية الحدث. فالحب بالنسبة لميادة واجب أثير «لا تعرف ما يجري خارج سور حديقتها» فآثرت الماضي على حاضر التجربة ترعى زوجها المريض ومسكونة بغياب إبنها المتوفى فؤاد، «حياتها يشكلها هذا الثالوث الحبيب: الإبن والإبنة والزوج»، محاطة بشتى انواع الارتدادات والمخاوف من الوقت في زمن الحرب؛ وبالنسبة لهناء صفقة ناجحة أو تبادل منفعة، فآثرت العزوبية على الإرتباط، بل تدعي معرفة البشر «أنتم تعيشون في زمن غارب»، كدعوة لتخطي الواقع، تطلب من اختها ميادة أن تحمي أولادها من المثالية. أما ما ميز سيرة الثالثة مديحة فهو درجة أمتزاج غريبة بين مفردات العشق ولوازمه كبيئة شرقية محضة تتصل بتبجيل الحب بما يسديه من آلام في تشابك مثير بين مفرداته كهيام وسقم وعشق ووله...، لسنا في واجب توصيفه، فتنحو الى تقديسه ومن ثم الموت فيه في حادثة انتحار، بعد ان أسست لذاتها معرفة خاصة مأخوذة بدوافع الكاتبة بإستخدامها مقولة "إدواردو غاليانو" عن الجسد «أنا مهرجان» التي رددتها الدليمي وعالجتها كثيرا، وهذا ما يستدعي التوقف قليلا.

من الملاحظ هنا هو ثأرية معاكسة من شخص احبته مديحة ووهبته كل شيء فتزوج من أخرى مهاجرة عائدة بدوافع أخرى بعد العام 2003، فهنا الواقعة اصبحت مصابة بتأثير خارجي غير عاطفي او بتغيير في منهج الحياة، بل بميزة العصر "الجشع" بأشد وجوهه فظاظة وشظفاً حينما يطول الأمر الأحاسيس، وفي هذا اشارة الى أن الحب نوعا من الكماليات لدى بعضهم وللعبث فيه وقت الحاجة، بينما لدى الآخر هو الحياة برمتها حتى أصبح مهرجان الجسد بالنسبة الى مديحة مهرجان الموت ذاته. هذا مع ضرب موفق للكاتبة بجعل واقعة الحب من بيئة منتَج الحياة بآنيتها التي هي الحرب والاحتلال ومنتجهما الذي اضحى باذل الخراب. ولا نعرف لحد الآن ما سيكون بالنسبة لنهى التي بدأت تصطدم به وتحاول معايشته، بل تحاول اختراقه.

وعودة الى مفهوم التواصل الكتابي فأنه يطلق بالكاتب ابداعه المحايث للوقائع ويتأثر النص بتلك التحولات لينتج ذاته بذاته، فيما يكون المتلقي واحد من ابتكارات الحدث فتتنامى ردود فعله ويشغّل فيه مجسات حسية وحدسية قابلة للتطور. فلا غرابة إذن أن نقرأ حقيقة فرضية المنظر الفرنسي "بول فاليري" الذي يدين له "هانز روبرت ياوس" التي رأى فيها أنّ العمل الشعري مثل النوتة الموسيقية التي تتحول فقط عبر عزفها إلى "عمل"، وأنّ عزفها المتجدد، وهو بمثابة قراءة متجددة، يجعل معناها أغنى ودائم المعاصرة، ومن هنا فالقارئ كالعازف في إنتاج النص ». مأخوذ عن مقال الاستاذ عبد السلام حيدر «التأويل وجماليات التلقي: دراسة تمهيدية في نتاج هانز روبرت ياوس. واذا ما تحولنا الى عالم الأدب المنتج فأن الفرضية ذاتها ستطول جميع الفروع المتأصلة بالذات الإنسانية كمشاريع لنهضتها وسموها الروحي، بل تصبح عملية الابدال، على وفق المقولة ذاتها، حاضرة بالمثل بتعشيق متلازم يخلق المساهمة الانسانية لأي كتاب. وعليه، فعلى الكاتب أن يخلق رفاهية الكتابة ناهيك عن خلقه حرية الكاتبة، كما نوهنا سابقا، وليس الحرية ذاتها التي تفضي الى ترديد الآلام والمآثر والانكسارات والأحلام أنما ما ستفضي اليه من ترحيب بمستويات أخرى لطريقة العيش والصفاء الإنساني الحالم. بمعنى آخر اخراجها من جلباب التداعي والخيال إلى واقع الأمر المسكون بشتى صنوف العذابات، يتم الجرأة فيها على معالجة أكثر الأفكار صرامة تشدداً، وأشد التعاليم والمناهج فتكا بالانسانية، ومن بينها الحرب التي تناولتها الكاتبة من زاوية اشغالها مساحة مهمة في حياة ابطالها، بل غيرت وجهتهم وقلبت امانيهم فأوقفت بعضهم أو اكثرهم. يقول الكاتب الأمريكي David Deida «حدودك حيث تتوقف» بأشارة لتذليل عوامل الخوف وتفعيل النقد في رؤية تفاعلية حلمية مع واقع الحال الذي يكرر التجارب الخائبة ذاتها، بل يمعن في تسويقها من جانب، ويوقف حلم الإنسان ويستعيض عنه بمجاملة الواقع. هذا ما لدي ان اقوله في هذا المجال، لنستمر معا.

في مستوى آخر يظهر الحب محاطا بشباك واقعية صرفة في صورة سمير أميس الفتاة التي ينوي الزواج منها وليد اخو نهى، فإلى جانب فجيعتها بعائلتها في حادث تفجير الكنيسة واصابتها بحالة صرع تقرب من الفصام يصطدم الحب بموانع أخرى. فهي تتمسك بأقصى الحدود بإبن اخيها الصغير الناجي الوحيد من الكارثة، في وقت ترى العائلة في ذلك حاجزا للسعادة والحياة الهانئة، بالإضافة إلى إرباك في حالة الإستقرار النسبي التي يعيشها الأبوان حيث سينتقل ابنهما وليد وزوجته برفقة اليتيم الصغير الى بيتهما، هذا في وقت تجاوزت الحبكة فيه مؤثرات مجتمعية قاسية كونهما على ديانتين مختلفتين. وعلى هذا سيثار السؤال عن مدى قدرة وإمكانية الحب في تجاوز حواجز الأمر الواقع. فالكل من هذه الزاوية سيتعرض لإختبار ليس على سبيل العاطفة قطعا، انما بحتمية لا مناص من مواجهتها، فالبرغم من أن القصة تبدو مكررة أو مألوفة لكنها في الواقع تشترط إجابة على سؤال الحب الأثيري بوصفه ميراث للخُلق الشفاهي المعهود فيدخل الإختبار فترة صمته في البداية. ترى إلى أي مدى سيكون التحدي سلطة بتعشيق المفاهيم واقعيا؟ وإلى أي مدى استطاعت الدليمي اقناعنا بحلولها سرديا بعد أن اقنعتنا في التمهيد والتقديم للعقد المنتظرة؟ ذلك ما سنراه تباعا.

ما يُؤشر له أن الكاتبة ارادت بواقعية الأحداث -عدا بعض الحوارات المباشرة- أرادت اعادة التوازن لقوانين مجتمعية قديمة كطريقة لإستنهاضها ورفعها من بيئتها لتقدمها كمساهمة كما فعل القص الحكائي العالمي ومنه الأمريكي اللاتيني والياباني وحتى الألماني في سبره لثقافات على وشك الإندثار. وهذه الملاحظة تشمل عمل الدليمي بكامله من حيث ملحميته. فتأتي الإجابة عن السؤال، وهو كذلك من بيئة لفظية مؤثرة، في قصة حب أخرى لقريبة العائلة هي حياة البابلي حيث اجابها عمها الشيخ قيدار، المهتم بماضي الأشياء، على سؤالها، بما يقرب الحكمة، عن مواصلة الحب وقت الريبة من المحبوب فقال: «ذلك رهنا لما يصلح إذا اجتمعت لدينا الشواهد والدلائل وأذهلنا المقصود عن كل ما سوانا». فتضعنا العبارة، بالرغم من قوتها، بما فيها مقدمة بعض الفصول، في جو الصوفية الذي لا اتمناه في اي عمل روائي او شعري ذلك لاستنفاذه لمضامينه وتكرار محاكاته وحتى معارضته، ولكن على سبيل الإنصاف، نجد ان الكاتبة وضعته في اطار غير موغل في نظام السرد الذي اعتمدته، وبذلك يدلي بفائدته من زاوية اشتغال القدماء على فكرة الحب ذاتها، بل جعلت من الأب الصوفي دافعا ضروريا حينما تستنفذ التجارب طاقتها أو تواجه مصائر ذليلة، بل من المهم أن نذكر ان الدليمي ذهبت الى ابعد نقطة مع الحب فاستنطقت التاريخ قبل ذلك، الذي يبعد عن حاضرها آلاف السنين. فيكون لكل ذلك مستوى انزياحيا كمضمون ملازم للحالة الإنسانية مهما اختلفت التجارب أو تباعدت، ولكن وهج المادة يبقى في كل الأحوال متألقا في آنيتها التي نجد لها انزياحا معاصراً موسوماً بأكثر من سبب ونتيجة.

ماروثونية النص

يمكننا الآن ان نقول شيئا عن مارثونية نص الدليمي، وهو قوة الاستدامة التي تؤهله لخوض السباق بتناغم مع تطور النص حتى يكمل السباق بنفس القوة التي بدأها. (مأخوذ بتصرف عن كتاب العداء الرياضي الدولي " Stu Mittleman " (حرق خفيف). فالكاتبة تقوم كذلك بحرق خفيف لكي تستمر وتنهي المسافة بنجاح. ذلك بعدما وضعت بالثلث الأول من الكتاب اشتراطات النص المتعلق بالحب وظروفه حينما يخضع لتجربة الحياة وليس لعزلته ابتداءً من قولها في بداية الكتاب «ثم مضت بين المتعجلين الراكضين في ماراثون النهار» وهي الاشارة الجديرة بالإهتمام من زاوية تعشيق المفاهيم بواقع الحياة وفروضها العملية، فيما سيتنحى لصالحها تدريجيا النص الشاعري بالقليل المتدرج فيصبح الاثنان كتلتان متلازمتان سنشهد معها اخفاق التجارب في فصلهما بعضا عن بعض مستقبلا مثلما رأينا في اول الأمر التجارب الأولى. وحينما نضع قدرة التساؤل في المكان الصحيح نستطيع على قدر كبير تقديم اجابة مناسبة لا يشترط بالقطع انها نهائية أو ملزمة. تقول الكاتبة أو لسان حال نهى في بداية الكتاب: «من أين تستقي إذن أحكاماً صائبة وهي تدور في دوامة الغربة وتطحنها الوحشة وتحيلها إلى مزيج لا متجانس من التوق والرفض والحنين والقنوط». فلا ابوها صاحب المقولات الجاهزة والتعاليم ولا تجربتها تسعفها بالحلول، وفرصتها في معاينة تجارب اخرى وضعتها في مأزق آخر.

والآن ستقرأ ما كلفها به ابوها في تكليفها بقراءة ما كتبه ابوه وجده صبحي الكتبخاني بقوله «وجدت صعوبة بفك الخط فتركت الأمر لك»ص156، لكننا نخمن انه قرأها او اطلع عليها ويريد أن يشهد لها وارثا معاصر.

بعد تقديم عن حاله وظروف نشأته مُؤثرا أن يكتب مرة بلسانه وبغير لسانه مرات، معترفا بإغترابه الروحي ووحشته وخطواته الفاشلة، وشيئا عن «عالم كئيب تلفه الخرافة والجشع والخطايا»، تحدد الكاتبة سقفاً زمنياً معلوماً في تاريخ ولادة صبحي في عام1887 وطفح غلومته في فترة ولاية "نامق باشا" لبغداد. وكنتيجة لنوع من القهر بسبب سلطة الأب وتغطرسه، وقيود اخرى اتسم بها المجتمع آنذاك كتحفيظ القرآن والعقاب، وتبجيل السلطان وتقديسه والعقاب المنتظر من تهمة القذف أو الثلب، وفصل مجتمعي الرجال عن المرأة وغيرها من المشاهد التي وسمت بها الكاتبة أعراف الزيجات من الأقربين موغلة في تفاصيل مواريث عائلة ميسورة وما صاحبها من نتف ترسم خارطة مجتمعية لذلك الزمن كالخصيان والخدم والحضوة واعوان السلطان وحتى شراء الجواري التي سيكون لها أثرا كبيرا في توجيه النص لاحقا. وهذا في الواقع هو تأكيد لتأسيس ثقافة موروثة قديمة معشقة بالدين والبداوة والخرافة. نزع الإبن "صبحي" نحو المشاكسة وتأسيس شخصية مستقلة بذاتها فرفض جميع اغراءات واوامر الوالد المتغطرس وتمسك بالسفر إلى الإستانة التي هي انذاك قبلة الطامحين والباحثين عن التمدن والتنور. في هذا المنحى المهم من سيرة عائلة الكتبخاني الذي وهبت الكاتبة فيه فرصة أثيرة لآخر جيل من العائلة تمثل بنهى أن تتأمل تجربة الآباء، ليس على سبيل شفاهي أو افتراضي منقول لسانيا وأنما على أساس ما كتبه الجد في مذكراته أو أوراقه. فما غايته اذن؟ فإن كنا نبحث عن مضامين تشويقية فنستعير كتاب الف ليلة وليلة على سبيل المثال، وأن كنا نبغي اطفاء جذوة الفضول أو حتى التلصص فنستعير كتاب عن السيرة أو التاريخ وهي كثيرة. وهل عكفت الكاتبة من باب تجميعي بكتابة فصول روايتها الخاصة بالقديم؟. وهل اقوم انا شخصياً بفلسفة هذا الدور، خصوصا في طوره هذا؟.

ابتدعت الدليمي في احد مؤلفاتها او ترجماتها فكرة «عدم مسايرة الكاتب» فأستعيرها كمستوى نقدي متوسط يقرب من الاصطلاح، اتعامل بضوئه مع نصها الآن. هذا المنهج ليس بسبب عدم الثقة بالكاتب وبما يكتب ولكنه نوعا من التحقيق المخفف في معاينة النص يجعل الناقد على بعد سوي من المنتج الذهني، تماما كما يحصل في تأمل الصورة عن بعد. فماذا يحصل ان اخضع المؤلف حقائق التاريخ لمخيلته؟ الأمر يختلف من محاكاته إلى مسائلته التي في اطارها يتحدد دور الكاتب وليس (التحقيق) كصنعة مستقلة بذاتها. فكثير من الكتاب لهم وجهة نظر محددة بل صارمة لمضامين سيرهم الذاتية وتجاربهم، وبعظهم ينظر إلى المنتج التاريخي من زاوية شخصية صرفة، وبما أن الوقائع التاريخة جاهزة فلا يحتاج إلا الى تجميعها وربطها، والقليل منهم يتخذ من الواقعة مصدرا للتأمل في التجارب ويعقد المقارانات الضامنة لتطور النص ومن ثم انزياحه وما يعطيه.

في بحثها من خلال بطلتها نهى ترسم الكاتبة صورة شفافة للفترة التركية يمكن اختراقها بسهولة، ولهذا السبب، أي شفافيتها وسهولتها، تجعل من نصها بمثابة سؤال أشمل عن منجز تلك الفترة من خلال ملحمية عائلة الكتبخاني التي آثرت أن تكون مكتوبة على الورق وبمعاينة آخر أجيالها، فيحضرني ماركيز في روايته مائة عام من العزلة في الميراث ذاته الذي انتج الهباء. وكأن الكاتبة تكتب روايتها من نهايتها في شخصية نهى التي سنرى مآل سيرتها لاحقا، ليس بالمعنى الفردي ولكن ما ستفضي اليه التراكمات تباعا. ما نقوله: إن الكاتب حينما ينقل أداوته من مستوى إلى آخر، من عقله بمستوى ردود فعل متباينة إلى الورق يكون كمن يرسم بحرية لوحة باهرة التفاصيل في حميميتها، تتحفها الألوان، فهو بهذا يحرر خزينه الإبداعي ليتعامل وجه لوجه مع المادة، مع الحدث، مع الحياة، وهذه الجودة هي التي نطلق عليها بخلق حرية النص وعدم تزمته، وسيكون النص بالنهاية على نحو مسائلة لا تخضع للصرامة مطلقا. ومن هنا بدأت الدليمي برصد مفردات العصر من دون حضورها شخصيا، وهي ميزة اقتدار للكاتب بإدارة نصه وعدم التدخل فيه، فيحصل بغيابه الانسياب اللوني للوحة مفعلا بشذرات التفاصيل الصغيرة وما ينتج عنها تراكميا باعتبار الناتج وحدة جديدة من خصائص السرد. واذا ما اخذنا الحبكة باعتبارها «التنظيم الفني للأحداث » حسب التعريف الأساس لأرسطو، يظهر هنا بالذات حرفية المؤلف في التسلسل والإعتبار وعملية الربط فنحصل انذاك على عمل ابداعي متكامل.

القصص

ومن المهم ان نوضح هنا بأنه لا ضير من انتخاب عدد من القصص داخل عملية السرد الروائي ولكن الأهم جامعها المشترك الذي سيفضي إلى تعميق وتدعيم أساس فكرة الرواية وثيمتها. وكلما كانت الفكرة سهلة وغير معقدة، ولا اعني بالتعقيد كونه تركيبا فالتركيب له شأن آخر، فأنها تمنح الكاتب متعاً مضافة فينتج النص ذاته بذاته تباعا. اشتغلت الكاتبة كما يبدو على مستويات مختلفة، منها ما تعرضنا له والآن بخصوص القصص التي تعكس واقع الحياة انذاك وعن حياة عائلة الكتبخاني الميسورة وهي في مجدها وما يقابلها من عبودية داخلها. ففي قصة نمنم الخادمة الحبشية الشابة الجميلة، نلتقي عند مبحثين الأول هو الحب فيغرم بها رجب إبن وكيل أملاك الكتبخاني، والثاني هو غرام الآخرين من الذكور بها من أجل مضاجعتها حسب. أما الفائز بينهم فهو إبن صاحب السطوة والمال "نشأت".

بسردية ميسّرة تقرب من الحكايا الشعبية تبرز النظم السائدة المنقولة التي تحافظ على شروط قبليتها حتى في حال التمدن. اغتصب نشأت الخادمة "نمنم" بشهادة اخوه صبحي فأصطدمت شهادته بشهادة البواب الذي شهد زورا، خوفا على وظيفته، أن المغتصب هو رجب، فيما يركن صبحي الى وحدته ويسلّم بـقوله: «أن المكر والدسائس اقوى من الصدق والحكمة التي تقول بها جميع الكتب التي قرأتها..». فيتخذ الأب قراره بتزويجها من رجب مداراة لفضيحة حملها الذي احست به مع توقف الدورة الشهرية وأسرّت سيدتها به. يقع رجب في ازدواجية المعنى، فهو عاشق لها من جانب ويتمنى الزواج بها، لكنه يجد نفسه مرغما على ذلك، لكنه سيرضخ لاعتبارات مادية صرفة فعائلته بكاملها ستفقر. المهم في هذا القص هو الإخبار الضمني للسلوك الإجتماعي المنحاز للموروث بأبشع صورة. فلم تستطع المدنية من كبحه او زحزحته أو حتى تخفيفه، فجاءت النتائج متطابقة مع أية بيئة مجتمعية اخرى، فإلى أين كان المجتمع يسعى انذاك؟. ومن زاوية تأويل القارئ سيعقد مقارنة مع الحدث القديم بما يناظره ويتفوق عليه اجراما في زمننا بعد قرون، وبذلك انزياحا زمنيا مقلقا بل شديداً بفاجعته يبلغ الصفر او ينقص عنه اذا ما أخذنا تطور المجتمعات الأخرى بنظر الإعتبار. ولو جردنا الحكاية من انزياحها فلا اظن أنها ستنطوي على مساهمة كبيرة، ولكن هذا ليس بالإمكان، لأننا نجد فيها عملية إسقاط غير مرئية مكانها ذهنية القارئ ودرجة تألقه وتفاعله مع النص، وهذا ما علقنا عليه في مواضع مختلفة، منها قصة مديحة المنتحرة، فنجده واضحا في هذا المبحث. وعلى هذا يكون لدينا ثيمتان نتابعهما: الحب والموروث بإسقاطات شفافة، وانزياحات قائمة بذاتها.

ولعل في قصة بنفشة خانم، وهي قصة اشكالية ومعقدة للمطربة التي سيتزوجها أحد أبناء الكتبخاني الأب، والتي سنأتي عليها لاحقا حسب تنزيلها وورودها في النص، اختصارا لعدد من المكنونات التي تفضي إلى اسقاطات زمنية مريعة تمثلت بالاتجار بالجواري والألم ومصدريته الموحشة، مصحوبة بقوة تحدي كبيرة تتخذ من الذل والمهانة اساساً للإستمرار، وخصوصا للحب والقه وجعله فلسفة حياة أنيقة وواضحة، حتى وأن اشتملت النهايات على مآس مركبة.

نلاحظ قبل هذا، في فصل سابق، انزياحا من نوع مختلف، ربما معاكسا، في (وليمة العرس)ص155 وهو النقلة التي امتاز بها النص من حيث حركيته بنقل واقعة الروي والسرد الى مستوى آخر بعد ان استنفذ النص وصفياته. تمثل بواقعة زاوج جيل جديد من عائلتي الكتبخاني والخيامي المرتبطتان اصلا بعلاقات نسب، ومن واقع الأسماء نجدت، رأفت وغيرها تشير الكاتبة الى زمن الحكاية بشكل نسبي بعد أن مهدت سابقا من خلال صبحي الذي يرفض اباه اسماعيل سفره إلى الإستانة في البداية. حيث يظهر مستوى التأثر بالفترة العثمانية من خلال الأسماء وما تطبعه في المخيلة العراقية كعائلات شرفية أثيرة لها عائديتها الاجتماعية المتألقة، ووضعها المادي الميسور.

نلاحظ هنا أولى بوادر التأثير المدني في ارادة الشاب صبحي بالسفر ومن ثم رفضه للشكل الإجتماعي الذي يفصل الرجال عن مجتمع النساء. هذه الإشارات لها دلالاتها في صياغة مفاهيم جديدة تلك التي كانت على شكل استعادي أولي بصفة الانقلاب على التقاليد والانتماءات الى مناخ أكثر حداثة، فلم تعد جملة الأحكام القديمة قائمة بعد الآن. في واقع الحال يشير هذا التحول إلى الإنفصام أو الخصام الذي يبدأ كمؤشر أولا فيتحول الى قناعة ومن ثم إلى اسلوب قائم لا اعتراض عليه. فزاوج البطلة نهى من غريب وزاواج اخوها من غريبة وحتى خالها (سليم) من إمرأة متزوجة لها ابناء، وجميع الزيجات هذه من بيئة تختلف عن العائلتين المتناسبتين الكتابخاني والخيامي، تؤشر بقوة لقدرة التحول في زمن ظرفي قياسي بالنسبة لتراتبيات العصور التي تنتج الجديد مع كل فترة حتى لو جاء على نحو ظاهراتي غير ممعن بجزئيات التحول، ولعل في رأس الكاتبة جو الستينات والسبعينات الذي كانت عائلة الكتبخاني بجيلها الثاني منتجا لها. هذا الاستحقاق السردي لم يأت شرحا أو وصفا انما جعلته الكاتبة في حبكة القص الدافعة.

لنستمر؛ متمنيا على قارئي أن يطول صبره لأننا أزاء عمل ملحمي/مارثوني قوامه 588 صفحة، نحاول اكتشافه بصبر وتأني.

بعد عدد من الأسئلة والمشجعات من قبل معلمه وزوج اخته وابن عمته رأفت الخيامي ثبت صبحي على عناده بالسفر الى الإستانة بقوله:« ابحث عن شيء يغير حياتك الراكدة... امنح حياتك معنى، كن شيئا مختلفا...». بالإضافة الى نبوغه واسئلته المبكرة التي اسدت له نوعا من الإستقلالية الذهنية ومخالفته الموروث أو الشك فيه، مع عدد آخر من التساؤلات والاكتشافات العلمية المثيرة التي أثارت دهشته فـ «لم تهنأ له الحياة بعد اليوم إلا إذا سافر الى الأستانة»، وفي رأسه قصة حب مختلقة او موهومة عن واحدة من المغنيات في مقاهي بغداد اسمها بنفشة خاتون التي قرأ عنها مقالا لكاتب تركي. اذهلته القصة وأوقعته عاشقا خياليا «فليجرب الحلم»، فكانت دافعا نفسيا له أن ينهي دراسته ليعود يبحث عنها.

محمولات النص

بدءًا من فصل الرحلة تظهر على نحو جلي محمولات أخرى لنص الدليمي أصفها بالسقف الأعلى من السرد بدءًا من طريق سير القاقلة، إلى الإستانة، الذي جعلت منه الكاتبة مناخا لتلاقي شرائح وطبقات مختلفة، فإلتقاء عدد من المهن في مهمة واحدة يجمعها هدف الوصول لغاية محددة تكشف عن بواطن كثيرة، فلا احد في البداية تخلّص من أثيرية شخصيته حتى نظّمت واقعة السفر سلوكهم.

في هذا المبحث تخرج الدليمي بأبطالها إلى معايشة المحيط وتضعهم وجها لوجه مع الحقائق. فلم يعد الضابط ضابطا ولا التاجر تاجرا، ولم يعد صبحي الكتبخاني الشخص المنكفئ على ذاته ويعيش تناقضات الوجود الإنساني في رأسه حسب، انما ستضعه خطوته في مواجهة الأشياء عمليا وليس حلمياً، وعليه أن يقاوم ذلك بأولى القوى التي ستؤهله لخوض تجربة السفر ومعايشة الغربة لاحقا، سيما أنه فكر بالعودة في بداية الرحلة. ربما يمر القارئ على هذه المقاطع بشكل من المتعة لكن حقيقة الأمر ترشدنا إلى نمو النص بتداخل عناصر خارجية جديدة تضفي على الحكاية/الحكايات نوعا من التأثير المتبادل كون الأشياء لم تأت منسجمة مع رسوم المخيلة المفترضة. وعليه سيغيّر صبحي نهجه بإعتبار توجهه سيخضع الى التجربة العملية وليس للحسية الصرفة، لكن ارتباكا ما صاحبه فهو «لم يغادر بيته ولم يجرب غربة عن أهله من قبل». ولكن في ذات الوقت كانت تنمو لديه وشائج غير محسوسه تدفعه إلى التعرف على الحياة والبشر وسيدفع به الفضول وحب المعرفة الى الكثير مستقبلا، فتعرف صبحي على ثقافة السفر ورافق زميله أسعد الذي كان ينوي دراسة الخط فكانا حذرين من التعامل المباشر مع رفقاء الرحلة.

أما في جانبها العملي فتكون محمولات النص مشبعة بالحركية التي ستفقد بريقها السابق المتعلق بالانثيالات والتداعيات والأحلام لصالح واقعيتها التي جعلت منها الكاتبة لوحة عن الإستانة انذاك، مع اختلافات في الصورة المطبوعة في ذهنية الشاب صبحي، فتعثر بأماكن الفقر وهرم الأحياء الفقيرة وتسول المعدومين فيها، ومع هذه الاندهاش المفاجىء يصحح الشاب تصوره عن المدينة فـ « لم تكن المدينة كلها بالعظمة التي تخيلها»، وبنفس الوقت «مدينة عظيمة لها ألف وجه» مخاطبا صديقه عزيز فؤاد الذي تعرف اليه في قاعة المطالعة والذي سيكون سببا في انفتاح واقعي لصبحي في تجربته المثيرة واكتشافه اسرار الحياة أولها اختبار رجولته بتعرفه على اول إمرأة. فسرعان ما حمله هذا التعارف الى ضفاف النزوع الإجتماعي/السياسي الذي تمثل بتعرفه الى عناصر من «جماعة الإتحاد والترقي» في فترة المشروطية الأولى وهي (فترة كتابة الدستور بصيغته الأولية ولم تتم له الحياة)، والتي وعلى ما يبدو أن الكاتبة أمعنت في هذا التحديد بجعل سردها يفضي إلى حقائق تاريخية، غير أن ما يهمنا هنا ما هو أبعد من تلك الحقائق المتوفرة، فالصورة غير ملزمة بأي منحى تاريخي. ومن خلال عزيز تعرف صبحي على عالم نبيل فتوهج قلبه بمعرفة بيدار خانم صاحبة المقهى وصادقته وعزفت له الموسيقى واحتست معه الشاي المحضر من قبله من قطرات الندى، فأصبح «مفتونا بأنوثتها»، لكن سرعان ما يميل قلبه الى ابنة اخيها سازكار التي تبحر بصحبته وصديقه عزيز اتجاه سالونيك اليونانية ليلتقيان بجماعة (تركيا الفتاة) على أمل توحيد الجماعتين. غير أن حزنا شفيفا صاحبه اثناء مغادرتها إلى وجهتهما، فقد طفقت احلامه الصغيرة ممعنة بـ«البهجة المدهشة: ألة الفونوغراف، والى جانبي تقف الحسناء سازكار في سفينة تمخر عباب "مرمرة دنيزي" وأسمع اصطفاق الموج وهو يضرب جوانب السفينة والموج والشمس والأمل..». وهنا نرى حجم التأثر العاطفي للشاب المتحدّر من عائلة تتبع أباه المتزمت، مدفوعا إلى التحدي من قبل بيدار خانم وصديقه فؤاد. حيث تقلبات اهوائه بين احلامه وبنفشه وبيدار خانم وسازكار «وكأنها المرأة الممكنة أمام بنفشة» وتتبع اخبارها من خلال عمتها، وبين بيوت الهوى مداراة لأحزانه وهو في أول خطوه ولم ينجز من مهمته الدراسية شيئا يذكر، بل حتى اخفق تماما، مخاطبا نفسه «عليك أن تفنى في الحب وعشق الجمال ولا تفرّط بلحظة من حياتك الزائلة»، فجعل يستمع بقلب موجوع في المقهى إلى المغني الأعمى تيمور، ولعل الكاتبة تضع واحدة من أهم عقد روايتها على لسانه. فليس من مغامرة تخلو من الحب، ولا هدف يستقيم من دونه، وهو الرجل المفعم بالتحدي ومشمول بألق الكتابة والأدب الذي يبرع بكتابته على نحو مشاهدات وتوثيق فردي، وسعيه للمعرفة من الكتب الثمينة لعدد من الأعلام التي تذكر الكاتبة أسماءهم كمصادر ثرية انقذته من التشتت. غير أن الأهم ما في شخصيته هو حب المغامرة والإكتشاف، وعلى ما يبدو تنطلق ميوله وامكانياته في عالم الحرية، في وقت تخلصه من الأعباء. ترى إلى أي مدى سيحاول تخطي الحدود؟، وهل ستصاحب تجاربه العاطفية نجاحات ما؟

على الرغم من امعان الكاتبة بتطوير الجوانب السردية ووضعها في بنية احترافية معشقة بالحدث، لكننا نلاحظ في بعض الفصول سردية تقرب من ادب الرحلات والمشاهدات، معشقة بالسرد الروائي، فهل نحاكم هذه البينية كونها عوامل استكشافية بصرية محضة مصحوبة ببعض الخيال؟. لا بد لنا من وقفة انصاف، حيث تتعامل الكاتبة مع مادة عمرها اكثر من مائة عام، واحسب أنها ببحثها أخذت ما يناسب حكاياتها من التاريخ والمنقول الشفاهي بحثا عن صغائر الأشياء لترسم مشهدا صوريا مكثفا عما يعتمل بصدر البطل صبحي الكتبخاني وما يحيط به من أجواء، ومناخاً يواصل فيه نشاطه. فنحن لا نعرف شيئا مثلا عن ظروف الحرب وتقاطعات الزمن في رواية (الصخب والعنف) لـ "وليم فوكنر الا من خلال تجربة ابطال الرواية الثلاثة. ولا عن تعاقبيات الزمن في رواية "الزمن المفقود" للفرنسي "مارسيل بروست" الا من خلال المبحث التاريخي المفعل بالخيال، ولا عن كيفية الكتابة لدى "أمين معلوف" الا بتوظيف العامل التاريخي في خدمة انتاجية السرد الحر، ولا في جهد "نجيب محفضوظ" الا في نبشه لميراث كبير من التجربة الحياتية، وهكذا تزيد الشواهد.. وعليه يكون المنتج التاريخي وما يقابله من متخيل على نحو عودة الاثنان إلى المنتج الإنساني، وهذا ما أحدثته مفاصل التحول في الكتابة تاريخيا في روايات عالمية أخرى. فبأي شكل من الأشكال سنخاطب منتجنا الروائي الرصين؟

حسنا؛ نحس دائما اننا بحاجة الى استعادة منتجنا التاريخي، لا أن نحاكيه وأنما أن نستدرجه ألى ما انتهى إليه، وعليه يقوم القليل من روائينا بمسعى حميد في ذلك. وعليه تقوم الدليمي خلافا لما يعالجه الكثيرون كنتائج صارخة بآنيتها ومشبعة بوحداتها السياسية فنُمل من تقريريتها، فهل سنُمل كذلك حينما يتعلق الأمر بالرؤية التاريخية غير المشبعة التي تحمل شذرات الوصف وتتواصل كنسيج شفاف في حبكة متسلسلة أنيقة، بل هادئة وميسّرة، مطلة من ارتفاع نسبي على التجارب ذاتها بحيث لا يخيفنا ارتفاعها ولا يتسبب بفزعنا؟ هذا ليس سؤالا لأنه يحمل الإجابة ضمنيا مثلما يحمل نص الدليمي اعباءه كواجب للوصول الى غاية. فمن دون استخدام ذلك كأدوات سردية يصبح النص في حكم المنتهي ولا يحكمه التألق أو الإنبهار. فالحديث عن جمعيتي (الاتحاد والترقي، وتركيا الفتاة) لم تأت بها الكاتبة من نسيج تاريخي محض، فالأمر معروف للجميع في جانبه هذا أو يمكننا البحث عنه رقميا في ثوان، ذلك أن المعرفة ليست ذاكرة بأي حال من الأحوال أنما تعامل بيئي، فوضعته الكاتبة هنا في موقع الإختيار والإختبار معاً من اجل منتج جديد اقتحامي آثير يخترق سلطة شائخة وبتأثير (وجودي) دلالة آنيته، عن تأثر المجتمع ذاته ببوادر التحرر والإنعتاق والتقدم، وعلى هذا ينحو ابطال الدليمي، كأفراد وجماعات نوعية، نحو تألق المجتمعات وعاداتها وتنورها، بما فيها اللغة وتفاصيل الحياة كالموسيقى والرسم وسواها كالمسرح والأركوز «الذي أغلقوه بأمر من البلدية بعد تقديم الفرقة لمسرحية تسخر من الصدر الأعظم»، فيما يعكف رسامنا أو خطاطنا في الرواية (أسعد)، بما فيه شخصيته المحافظة الفجة، على رسم خطوط المقدس بخطوط أنيقة لكنها لا تنطلق بالفن نحو المستقبل الحر، وبذلك اصبح هذا الفن حكرا اسلامويا موسوماً بتقديس الآيات وعدم تجاوزه إلى أكثر من ذلك بعد قرون، الا بالنزر اليسير لدى بعض فنانينا المجددين المقتحمين، التي بقيت تجاربهم فردية صرفة، بل تموت معهم للأسف.

يبقى أن نقول في هذا المضمار شيئا عن الإشكالية التي تسببت بإنزياح خطر ومؤثر، فتبقى تجارب الحب خائبة برمتها، معلبة ومعادة كما بالنسبة لبطلة الرواية نهى وكأنها وصاب أو مرض جيني متناقل، وإلا فهل يعقل أن مجتمعنا لا ينتج سوى ماضيه بعد اكثر من خمسة عشر قرنا في حال الشمول، أو بعد زهاء قرن على وفق الخصوص الذي عالجته واحسنته الكاتبة بصورة ملحمية وبنفس ماراثوني نثني عليهما، بل نبتهج بمنتج بلغ حدوده وتخطاها بالكثير وعقد اسئلة عن دوائر الماضي لتضمن له الدائرة الكبيرة تتبع سيره المنحرف، والسقيم المصاب بالوجع لما لا نهاية. فماذا ننتظر من مجتمعات خربة سوى أن تنتج خرابها وخلق ادوات فنائها؟!.

تأثيرات كتابات الجد في ذهنية نهى في مفصلها الأول

تستمر الكاتبة مع مفاصل الحب وتجاربه، فتكشف عن تطابق غير محسوس في نشاط الخيال الجامح برسم صورة الحبيب وسحره، فمثلما تأمله الجد صبحي كمقتنى اثيري في صور محبوبتيه المفترضتين بصفة بنفشة خاتون وساركاز خانم فنحى الى القراءة كحرفة، كذلك اسقطته الكاتبة بنفس الدرجة بالنسبة للآخرين مصحوبا بنقلة واقعية عن الأبن وليد وكأن الأمر لا يقع في خانة التداعي والخيال حسب، انما يتجاوزه لتحدي الواقع، في وقت تبقى عناصره متقدة ومفتوحة على أمل غامض في ذهنية نهى وحياة البايلي، الفاشلتان بثلاثة تجارب، اثنتان لحياة وواحدة لنهى، اللتان تنتظران العثور على الحبيب حتى على سبيل التمني أو المعجزة، مفتونتان بسعادات صغيرة كدفء العائلة وشرب الشاي معا. فتتكشف قدرة غير متناهية للمواجهة حتى في اصعب الظروف واقسى تجارب الحياة مرارة.

عودة الى تجربة الجد الأكبر؛ والسؤال هل سيختلف الأمر كثيرا فيما لو عهدت الكاتبة تقصي ما كتبه الجد من قبل شخص آخر غير نهى؟ «ماذا ستقول يا جدّنا صبحي الكتبخاني؟»، وهي ترى مآل العائلة المتعاونة مع الاحتلال ونتائجه ببعض شخوصها، وزيادة على ذلك تعمق نظرتها وأسئلتها عن ما يحيط بها.

بعد قصص واقتناصات عن انواع من الخراب عن الإتجار بالمعدات الثقيلة وعن مجاري بغداد المعطلة وغرق البيوت تتفق نهى مع حياة البابلي حول مشروع تصوير بغداد والكثير من الكوارث التي ألمت بالعراقيين في زمن الحرب، يقابلها ما وقف عليه الجد صبحي وما تصوره عن الخراب، مع عرض نهى على قريبتها حياة البابلي ان تطّلع على مذكرات جدها صبحي التي اصابت، في مفصل عودته الى بغداد، عناده ومواصلته ما اهدته له الإستانة ورفاقه في جمعية الاتحاد والترقي من يقين وميول نحو الجديد وتخطي الحدود المرسومة عائليا ومجتمعيا، بل نفيه من قبل ابيه الى بيت من بيوت العائلة المهجورة. تنتقل الكاتبة في ذروة من ذروات عملها في هذا الجانب الى الصراع المعلن. فيدخل نص الكاتبة من باب أوسع بإطلالة على تجربة تطحن نفسها بنفسها لتنتج جديدا أو في أقله اختراقا للتقليد. سنرى!.

ربما نجد ضالتنا في الفنوغراف الذي اقتناه صبحي، الذي اتخذته الكاتبة مبحثا حسياً اساسياً في روايتها كمعادل نفسي لما تسديه الموسيقى من رفعة، وما أسمته الكاتبة بـ «الهيولية» وهي التسمية المعشقة صوريا في تكوين الأشياء في جوهرها، والواثبة كفعل مؤثر في خارجيتها وما تصيبه على نحو يختلف حسب التجربة والحالة، في تباعد ملحوظ بين متعتها، وبين اذاها في حالة التداعي واسقاطها على واقع التجربة. فالأمر يختلف حينما نسمعها كترجمة لمرارة الاحساس، عنها في حالة التمعن بجمالها، رقتها وعذوبتها. وأظن أن الكاتبة آثرت حيازة الموسيقى على جانبيها كمحاكاة وتداعي مع المفقودات، ومفردات للتأمل والمتعة ناهيك عن دهشة التسجيل الصوتي الذي أبهر الجميع.

وفي الجانب العملي الملموس يجنح الجد الى كشف الحقائق والمستور منحازا الى رجب إبن وكيل أملاك الكتبخاني الذي أسرّه بأن إبن الحبشية ليس إبنه وأنما هو إبن أخيه نشأت فرد صبحي: «دع الأمر لي وسوف أتصرف وأكشف الحقيقة في حينها. في وقت تدهش فيه نهى لسلوك الجد من خلال مذكراته بـأنه «حطم بعض قيود التقاليد في زمنه وخرج على طاعة الأب» مع تساؤلات عن المعايير والأحكام التي ستحكم بها تجربته، بما فيها واقع التجربة للعائلة ومآل بعض أفرادها في «تعاونهم مع الإحتلال الذي دمر البلاد...» متسائلة «ماذا ستقول يا جدّنا الكتبخاني؟». فلا يسوؤها الافصاح عن استخلاص تجربة الماضي وجعله حاضرا في مآل سلوكه، ولا نقول إن التجربة تعتمد بكليتها عليه مع مرفق التساؤلات، فلا بد من فعل واقعي جرى التمهيد له على هذا الأساس.

وفي معرض تناولها لقصة بنفشة خاتون من زاوية علاقتها بصبحي، وهي القصة التي وعدنا بتناولها قبل قليل، تكشف الكاتبة فيها عن سردية كلاسيكية انيقة تؤهلها الى دخول عالم الرجال اولاً؛ العالم القاسي المتحدر من سلالة الإمعان بإذلال النساء وما نحن بصدده كون بنفشة صبية اختطفت من قريتها (قلندر) قرب (سمرقند) حتى استقر بها المقام عند الوالي «نامق باشا» الذي عتقها فيما بعد على أثر مصاب ألمّ به.

في هذا المفصل الأساسي من رواية لطفية الدليمي نرنو إلى اقتدار الكاتبة في دخول العالم النفسي للرجال، تقمصته، بل وزعت نفسها على عدد من الأدوار بين سمسار ومغتصب وتاجر وصاحب جاه وعاشق أثير، أنه احتراف متميز أن يوزع الكاتب أصواته، وهو تقريب الصورة بفرط من الإحساس تدهش المتلقي. تبدو قصة بنفشة خاتون للوهلة الأولى أن الدليمي كتبتها على غرار الإمتاع (الألف ليلي) لكنها في واقع الحال هي مصاب زمني مُؤثر- موصل، اختارت كتابة تفاصيلها لدرجة تألقها وعلاقتها بمصدرية العشق الذي عالجته في روايتها، وتمتلك القطعة نشاطا يمنح الكاتب حرية كافية لإنتاج مضمون جديد، فصبحي سيرفض التقليد بل يتحداه ويخترقه ويتزوج من بنفشة المطربة غائبة الأصل والنسب. وأفضل ما اوضح به هذا الجانب هو رواية (الخيميائي) لـ "بولو كييلو" التي أخذ ثيمتها من قصة من محكيات (الف ليلة وليلة) فجعلته في قمة الشهرة والعالمية. ما يهمنا هنا هو آهلية النص لعطاء متقدم لا ينتوي التكرار ولكن يشترط بوجوده قوة دلالية خاصة بعد أن تتنحى المعرفية، بمعناها المباشر، لصالحه، فيصبح آنذاك أثيرا امميا. وهذا واحد من معاني الاتصال بالماضي من دون قطع، ذلك أن استقدام أو إحالة عناصره المختزنة خير من أي فرض علمي/ادبي آخر مكتوب ومصنف على نحو تاريخي.

في معرض تناوله الخطاب كونه واقعة، يذهب المفكر بول ريكوار في نظرية التأويل إلى أن «الخطاب يختفي ويبقى النظام » بمعنى دلالته وقوته. وعلى هذا نحسب أن القصة ادت اشتراطان مهمان هما استمرار المهزلة التاريخية الخارجة عن فضيلتها وانسانيتها، والأخرى الجامحة نحو الحياة بالرغم من الأقدار والمؤثرات، وعابرة «للبعد الزمني» حسب سويسر. وبهذا نكون قد توصلنا إلى احقاق شرط اساسي خاص بالنظام الكتابي بإعتباره خارجا عن الزمن وجعل الرسالة في بيئة التواصل الزمني وخارجة عنه في ذات الوقت.

وماله علاقة بما سبق تندرج حبكة الرواية، بمعنى «التنظيم الفني للأحداث»، كما اسلفنا، في فصولها اللاحقة في سياق التوثيق الروائي السوسيولوجي غير الملزم بتعشيق بين الواقعة التاريخية ومجريات الحياة وتلاقح افعالها وما تفرضه من سلطة على البشر، مع توصيف دقيق للمؤثرات كالعادات والأسواق والحاجات وما إلى ذلك من علاقة بتوضيب الفكرة والاحداث وملازمتها بنيويا مع النظام السردي، فحتى المرايا المذهبة التي جيئ بها من اصطنبول لتزدان بها الغرفة التي سُميت بها (غرفة المرايا) «بدت ذوات شخصيات مستقلة كأنها تعيش لوحدها دون ارتباط بسكان البيت».

وتحت هذا، أي التنظيم الفني للأحداث، تضع الكاتبة سيرة العائلة في بيئة الحلقة الأكبر (الحياة) من خلال مذكرات الجد، فعلى الرغم من قسوة التقاليد المفروضة على العائلة هناك فسحة للتعرف على أشياء أخرى تنتظم بتحديات النساء، تعلقت بنسيج وافر الخيوط فتبدو صورة مضاءة حتى في أشد مفاصلها فصاما ومعاناة ورهبة، خصوصا بعد تأخر حمل وفيقة اخت صبحي فتسللت مع امها وخالتها لزيارة الكنيسة لطلب النذر بعد أن داومت على اخذ الوصفة الشعبية للخالة للمساعدة في التخصيب، وهذا شكل اخر من التوثيق المجتمعي الخاص بالعادات والتقاليد جاء في سياق روائي طريف مع كم من التقاليد وفسحة من المواربة على طب الأعشاب وغيرها من النتف، بما فيه الكذب الأبيض للنساء وتسمية المولود المسمى عيسى منذ نذرها في الكنيسة، فيما تتضح شيئا فشياً بوادر رفض النساء لإرادة الرجال فتركن الاخت ألفت الى العزلة في غرفتها ثم تحاول الإنتحار، فيما تمعن اختها بديعة بتحملها مصدرية الوحشة والآلام، بعد أن تركت خادمة البيت الكبيرة المربية أم نعمان البيت، في وقت ليس فيه غير الإستمرار والتحمل بالنسبة للأم حتى موت الزوج المتغطرس.

تلك الكآبات التي سببتها القسوة أضحت مناخا يميز عتمة الحياة، وهي الحالة التي لم تتغير مع موجبات العيش بعد اكثر من مائة عام تضعها الكاتبة في بيئتها السوسيولوجية كطريقة اسقاط واضحة من حيث تلقيها.

ومن ناحية التحولات السياسية تقوم الكاتبة برسم مشهدي تاريخي - يقوم على الأحداث بعد أن استولت جماعة الاتحاد والترقي على السلطنة في اسطنبول فاستقال الوالي أبو بكر حازم «وتسلم وكالة الولاية ناظم باشا»- مشحونا بأحداث التخريب ببغداد، فيما يواصل صبحي وزوج اخته رأفت العمل في سلك التعليم، يقومان بالتحريض على انفصال بغداد عن السلطنة، ومجتمعيا في تحريض اخته «إعترضي، قولي لا لمن يظلمك». يتضح هنا تعشيق الأحداث بعضها ببعض آخذا معه محمولات النص بجميع تناقضاته وتفاعلاته ومن داخل بيئته. سنأتي عليها اشباعا في تحولاتها السياسية والمجتمعية وقت تنزيلها كأسلوب مُناظر للسرد.

حقيقة كنت أتمنى أن اشهد هذا السرد في القص العراقي لما يمثله اكاديميا من ركن اساس في عملية تطور النص وحمله عدته كعنصر ضخ نجده في الروايات الناجحة، فكان ذروة روائية عاطفية نقلت النص الى خانة تبويبه كرمية كبيرة الى مستوى آخر، وهو شكل من اشكال ثورة النص الداخلية لتجاوز ملله نحو بدايات مكملة أخرى ابتدأ برفض سلطة الأب المطلقة.

التصاعد

بعبارة أثيرة « يا نفسي لا تتوقي إلى المطلق بل استنفذي كل حيز الممكنات» للشاعر الإغريقي "بندار" تبدأ مرحلة وعي النص الملازم للسرد. فماذا نعني بذلك؟. تندرج المفاهيم عموما بصنفين من حيث الفكرة، والشروع، وتصاحب الاثنان التجربة. فمن حيث المتخيل الذي له علاقة بالروحانيات ترى نهى في هيئة استاذ الفيزياء النظرية "نادر" ملامح «رجل الرؤيا... الذي طالما ظهر لها في رؤاها العابرة وأحلامها». فهل يا ترى بإمكاننا مطابقة ذلك في عمل روائي يميل بأشده إلى الواقعية من حيث المعالجة بأقل تقدير؟.

هنا العامل الروحي المزجج من حيث طلائه وغبشه، أشبه بالحلم لكنه ليس حلما، وواقعا لكنه ليس بواقع. فما هو اذن؟ هو الاستعادة البصرية للواقع في ذهنية المتأمل، وفي هذا السياق تندرج علوم الباراسيكولوجي، يرافق ذلك قدرة روحانية حدسية معشقة بصريا. لسنا بصدد علمية المعنى؛ ما يعنينا هو مدى استجابة المفهوم العلمي لواقعة السرد، أو العكس من حيث خصوبتها فتعطي الأكثر مما ننتظره، وعليه تُكسر "هضبية" النص (plateau) نسبة الى الانسيابية، التي ستؤدي بعد قليل الى الملل بعد أن أشبعت في وحدات مختلفة اعتلتها ذروات خاملة، خادمة وناقلة، وهذا ما يحسب في صالح النص. فنحن بانتظار ذروة أعلى تتكاثف فيها ما أسدته الكاتبة لبطلتها نهى كما ذكرنا في البداية، فكل التداعيات والوصفيات بما فيها الأستغراق والتأمل هي نسج بإبرة تخيط هضبية النص وتهيئته الى ارتفاع تختاره الكاتبة باحتراس، فلا تبدو النقلة معزولة او معلقة في فضاء، وهي ليست مفاجئة، ولا مفاجأة نسر لها، بل ترشيح بطيء لعدد لا حصر له من الاحتمالات .

الاستاذ نادر، الذي وصلت له عن طريق خالتها هناء عبر صديقتها منال، سيساعدها في اصلاح ذراع الفونغراف العتيق العائد الى جد ابيها صبحي الكتبخاني لتكمل اكتشاف حياته، فترى بنادر الرجل الذي ادهشها حضوره في اوقات مختلفة وها هي تلتقيه، أو تلقي عليه استعاراتها الصورية تلك. حتى قاربت حقيقة عاطفتها ووجدانها وأفول شذى الحياة من حولها. ترى هل تغيّر الأوصاف المصممة ذهنيا في رأس إمرأة على نحو لا ارادي مجرى العاطفة؟. وبقدر ما ستعطينا الحكاية في سياق منتظم سنقدر حجم استنتاجنا ونضع هذا المعيار، بل نضيفه، إلى ادواتنا لكشف النص.

في الواقع رأينا في قصة حب صبحي وزواجه من بنفشة ذلك الأثر الذي ابتدأت الكاتبة فيه فصلها (ازمنة أخرى) بقول لـ"كازانتزاكي" حول الروح الباسلة «...تلك الشرارة: تلك القوة اللاواعية التي تنطلق من أعماقنا». فيظهر رجلا مكتفيا بالحب، بعدما قرأ عن بنفشة، عن ذوقها وجماها وفنها فرسم حلمه بلقائها. هذه القدحة الانسانية «الباسلة» وضعت صبحي في مقام النجاح الذي بدا لأبيه فشلاً ذريعا فنفاه إلى بيت في احدى بساتينه ولم يلتقيه، في وقت أصر فيه صبحي على التركيز بما يرضيه كمساهمة انسانية في التعليم والإدارة ورفضه شكل ومحتوى السلطنة وحتى انسحابه من جمعية الإتحاد والترقي. في وقت كانت له عينان رائيتان، مُنذرتان لما ستؤول له الأمور من صراع بين دفتي السلطة بعد أن سيطر الاتحاديون على السلطنة في استنبول، «وخلع السلطان عبد الحميد وتعيين أخيه محمد رشاد مكانه»، وما ستؤول اليه الأمور من انعكاسات بدأت فعليا في بغداد تمثلت بنهب المحال والهجوم على دوائر الحكومة، في وقت تدخل علاقة أباه حيّز الاختلاف مع الوالي ناظم باشا بسبب الضرائب «والاستعداد لحرب آتية»، مع امعانه بالمجازفة بـ «تهريبه أطنان من الحنطة إلى البصرة...». كل هذا يحدث في عالم مضطرب مشحونا بالعواطف والتحولات تضعها الكاتبة في اساس الحبكة المتصاعدة مع الأحداث مع ما تضفيه من تبدلات في الحالة المجتمعية المرتقبة وحجم الأسئلة بما فيها مآل سلطة عائلة الكتبخاني والخيامي، اللتان بدأتا تتأثران بمجريات تفاعل الأوضاع في جو الانقلابات في العزل والتعين ونوايا الأنكليز في التنقيب عن النفط. يحدث هذا في ملمح معرفي بين صبحي وابن عمته رأفت الذي يشاطره جوهر الأشياء وفحوها بإطار انسانيتها بالضد من المظالم وإستهتار السلطة والأب الذي لا تهمه سوى تجارته وتقربه من الوالي بما فيها تلفيقه التهم للناس البسطاء.

وفي جانبها تزدهر قصة نهى ونادر في جو المعرفة والبحث عن معنى الأشياء وليس ظاهرها حسب، والمعرفة هنا ما يسعى اليه نادر في تجاربه العملية مع مصاحبة عاطفية توقظ فيه جذوات خاملة لما يحيطه، «أومن أننا بالحب نستطيع إنجاز الكثير». في وقت تُعشّق فيه نهى الأمرين معا وتدفع نادر الى المغامرة «المسألة أنك لاتريد المجازفة... وأعلم أن من يريد أن يغير شيئاً عليه أن يغامر قليلاً ويجازف وإلا تخطته الحوادث».

نشهد هنا للكاتبة بأنها بدأت بتجميع ذروات عملها لتدفع بها قدما، وهنا توجب النظر الى مفهومي الحماس والخبرة التي تنطوي تحث المفهوم الأشمل الذي بدأنا به هذا الفصل حول الفكرة والشروع، فأمام جنينية الفكرة هناك الكثير من المصدات المصابة بالسبات التي يتوجب على العمل الإبداعي تغذية بعضها لتبقى خاملة، ومن جانب آخر يتوجب السعي الى عدم مراضاة compromise الإرادة والحلم فهما غير قابلين للمساومة بنظيرهما الإبداعي المتألق، حتى وان افترضه الكاتب، لأي سبب، والكتاب في ذروة تألقه فأنه يفتت حلم الكتاب ذاته، ذلك أن حلمية النص هي مادة حياة نابضة وليست جميع مفاتيحها يملكها الكاتب، وهذا واحد من أدوات وعي النص. وعليه تندفع نهى، ليس على سبيل تجريبية محضة، نحو نادر وانما خرجت هكذا من بنية شخصيتها وتساؤلاتها وحماساتها بعد أن ضاعفت خبرتها وتجربتها الخاصة وتجارب الآخرين من حولها بما فيها كتابات صبحي الكتبخاني ارادتها بالاستمرار على النحو الذي تشكّل كوعي دافع للاختراق، فإذا ما كان الجد صبحي قد اخترقه و«حطم أصفاد التقاليد» فلماذا لا تستطيع هي ذلك بعد اكثر من مائة عام؟ فـ «الحب لايسعه العيش في المغلقات مثل نبات الظل...»، في وقت يبقى فيه عامل الزمن المقطع الأشد إيلاما في حال تأخر التجارب وانطلاقها نحو الحياة فـ «لاوقت لدينا للإنتحاب وندب حظوظنا وزمننا...» مخاطبة نادر في خيال جامح «...قل إقتربي وسأقول: هيا الى الحياة». وهنا نكون قد اضفنا جوابا آخر على سؤالنا الأول: هل سيختلف الأمر إذا ما تأمل تجربة صبحي الكتبخاني شخص آخر غير نهى؟.

من جانب آخر وهو الأهم الذي يضع المرأة في مقام فكرة الأختراق الحقيقي وتعشيق المتأمل منه مع التجربة المنتظرة. تردم الكاتبة من خلال بطلتها، ركام الحياء وإستجداء العاطفة من الرجل كقيمة حياتية مبادرة ووحيدة فتقول: «فلتبادر هي وليكن الرجل متلقيا وتلميذاً في تجربة الحب...».

نلاحظ في هذه الفصول قوة كبيرة تطلق مكنونات أخرى مصابة بالاكتئاب والضجر والسبات إلى أكثر الآفاق بهجة في تعاملها مع الأشياء كوحدات مشبعة، فلم يعد الطعام غذاء للجسد، ولا تناول الشاي يعقب وجبة، ولا حتى النظر إلى الألوان متعة صرفة انما هي وغيرها الكثير تصبح أدواة لتشغيل العاطفة التي لايعرفها سوى العاشق المحكوم بسلطة الحب الأثيري، ولعل في شواهد الأدب الكثير منها ولسنا في معرض تناولها، في وقت تبقى الفائدة المرجوة من نص الدليمي خلاقة في تميّز التجربة، توحُدها وتحديها، حتى وأن قصمت ظهرها إرادة ظالمة غير متوقعة، فتجربة الجد صبحي وجدت تواصلها بعد أكثر من مائة عام وهو كاف لحد بعيد أن نقول: إن تعشيق الحدث بقرينه اليومي يصبح الوقود المشغّل للقيام بأثر انساني كبير. وعليه ستنطلق حماسة مصحوبة بإرادة اقوى لنهى وستسعى الى تحطيم «أغلال خوفها وخوف نادر، ستفعل، ستفعل...». ولعل بتجاوز ذلك يتم القضاء على عدد من المخاوف ويكون مؤشر النجاح مرهونا بذلك، حتى وأن احتسب كمغامرة، فلا أثر انساني خلاق من دونه، سواء أن كان حبا، أو اكتشافا، علما، فنا أو غيره.

ولعلنا مع منحنيات التصاعد التي قوامها الحركة المجتمعية كناتج حتمي لواقع السياسة والأحداث الكبرى وما تصيبه من أثر على البنية الاجتماعية، يصبح بمقدورنا السؤال: اذا ما كان للرواية دور معرفي او في أقله تصور سيسيولوجي معشق تأريخياً وهل في ذلك اية فائدة من تكرار الأحداث بشكل أو بآخر؟. في جهد الدليمي تتضح معالم تختص بهذا الجانب، فالحكاية مبنية بقسم كبير منها على مذكرات الجد صبحي الكتبخاني الذي عاش واقع الإنقلابات الكبرى. اقتحمت الكاتبة التاريخ من خلال السيرة، واقتحمت نهى السيرة من خلال مفصليها: التاريخ والتحولات، ومن جانب آخر الحب بصفته المنتج الثري للإنسان في كل زمن، وأدت الرواية مهمتها بطريقة تزاوج قلنا عنه قبل هذا كونه غير ملزم، فنحن معنيين بالفكرة أكثر من التاريخ والرقم وحتى الحدث، وما نوهنا عنه سابقا بأن بإمكاننا البحث عن اية معلومة تاريخة سنجدها رقميا متاحة خلال عدد من الثواني. عثرنا عليها هنا، فعلام اذن يتوجب علينا الإصغاء الى التاريخ من خلال رواية؟.

في هذا المبحث الشائك يُعرّض الكاتب تجربته الكتابية الى عدد كبير من عوامل الفشل، وهي برمتها تكون على نحو تحديات. هناك ممر واحد path للنهاية الإيجابية والتفوق، هو ما اطلق عليه بـ تحديث القديم، الذي بموجبه يتم تقبل النص بجانبيه السردي المجتمعي والتاريخي.

معظم الروايات هي عبارة عن ماض خاص بحدث، فقط تاريخه العام، ومختص بتاريخه الخاص جدا. فماذا يحدث لو اجتمع الأمران في نص واحد؛ المعلوماتي والسردي الحكائي؟. بقدر حجم الأسئلة القصيرة المقدرة لا اراديا، بحيث يتجلى حضورها حسب الحبكة ومتطلباتها، يتم تداول المعلومة التاريخية كجزء لا يتجزأ في نظام السرد.

في عملها تنعطف الدليمي نحو آلية خطيرة هي الشخصيات التاريخية والأحداث المحددة والمنتهية كالحرب العالمية الأولى وغيرها، لكن اتقان صناعة النص، التي نشهد بها للدليمي، لا تستوجب نجاحه بالضرورة، فهناك عوامل نجاح أخرى. واذا ما كنا بصدد هذه "الخطورة" فأننا نخاف من جنوح النص الى مدايات محاكية للتاريخ وغير منتجة له أو بتعبير ادق اعادة انتاج نتائجه وليس وقائعه. فهل نستخير بذلك بمسبحتنا او نمعن بضربة حظ، أم نستدل على منهجنا البحثي حسب الوقائع؟. لا وجود لأي نجاح في أي عمل ما لم يمتلك صياغته الخاصة، وافرة العطاء والمعنى، فهو ليس سياحة تاريخية او جمالية بحته، هو تأمين وتكثيف لشخصية النص، هويته، وعليه تكون الدليمي اقتربت من النقطة الحرجة جدا؛ هي (الحافة) the edge بمعنى إما النجاح الكامل أو ذهاب النص الى مصابه المجهول.

في معرض تناولها لمذكرات الجد بما وسمت فصل الرواية بـ «انحراف التاريخ» يتجلى المعنى بأشده في فترة «نشوب الحرب العالمية الأولى وانضمام الدولة العثمانية إلى المانيا»، وما نتج عن ذلك من احداث أليمة تمثلت بالخراب والضحايا واعدام الهاربين من الحرب، والمشانق العلنية، واعلان النفير العام، واعمال النهب، يقابلها السؤال الأثير «هل المحبة درب خلاصنا مما نحن فيه؟»، بعيدا عن «جنون البطولة» ورفض المظالم التي اشتدت، فأصبح النص منتجا لآلية اخرى هي مآل اسئلة صبحي الكتبخاني «ما الذي كنت أرجوه حين انتميت إلى جماعة الإتحاد والترقي؟»، والكثير من الأسئلة عن العائلة التي بدأت بوادر قلقها تحت سلطة الأب الذي سفّر اهل بيته إلى الحلة، وعاد بصفة عائلية حاملا معه إبنا له من إمرأة اخرى ادعى وفاتها لترعاه زوجته أم صبحي، فأصبح هذا الحدث، بالرغم من أهميته، ثانويا قياساً للظروف الجديدة وغموضها. وفي جانبها تأثرت حياة صبحي بازحته عن وظيفته وتأثرت كذلك حياته الهانئة مع زوجته بنفشة وولدهما الوحيد فؤاد فطالهما التهديد فغيرا سكنهما وعرضا بيتهما للبيع بعد أن وُجد حارس البيت مشنوقا على شجرة،.

وقبل ان تتسائل نهى، التي ولدت في زمن الحرب وعايشت ظروفها، «أهكذا تعود دورة التاريخ؟» تكون التساؤلات قد افضت بفعل التسلسل والسرد بمدلولها المقارن عن انتاج الوقائع، وكأن كل تقدم مهما بلغ ذروة يذهب إلى الهباء إن لم يتم تأسيسه على فعل انساني نبيل، ويكون الحب ليس هدفاً بأي معنى، فنستدل على جدوى عبارة أن الحب "يحصل ولا يستهدف"، وحينما نربط الأمر بتجارب الحب البائسة، التي تناولناها سابقا، لأبطال الرواية فتكون الفكرة عنه واقعية صرفة وليست معلقة كنوع من الأمل أو الخيال، فيعود الترابط للجزء المتراخي بخصوص الآمال وطريقة عرضها وتحقيقها. وهكذا تنسحب الصورة على الفونوغراف العتيق كمدخل للحب والطمأنينة، فما فائدة العلوم إن لم تصنع عالما مرفها مشرقا للبشر!. وبهذا يصبح الفونغراف اكثر دلالة من كونه اداة سماع واطراب فنستطيع اسقاط مفهوم الدلالة برمزيتها لبول ريكور عليه بكل يقين انه عامل منتج «بصفته فائض دلالة» بإعتبار «ان الرمز مازال يحتفظ بمزيد من المعنى» . وهكذا ينسحب التأويل على مخاض الحرب ومشتقاتها، وشقاء فواجعها ومصابها الإجتماعي (المبجل) بالنسبة لصانيعها، وحيازة الألم لمن يعيش في كنفها ويكون وقودها.

ونحن في الثلث أو الربع الأخير من رواية الدليمي حيث نجد في فصولها سردية مبنية على تلازم وحدات نصية اشتغلت عليها الكاتبة بطريقة حلزونية تضيق وتضيق، ثم تضيق للحد الذي يشحذ فيه رأس الرمح ليصيب هدفه. فالبنسبة للأب تصيبه التحولات الجديدة بهدوء لم يشهدوه فيه من قبل فيوافق على زواج ابنته بديعة، ويحاول الانتظام مع المتغيرات الجديدة، وهو أمر متوقع بأن يحافظ على مجده أو جزء من بريقه حسب ما رآى صبحي من خلال مذكراته خصوصا بعد خيبته من لقاء المسؤولين الأتراك في حلب ورفض مصطفى كمال باشا لمطالبه فقال له غاضبا «عليك وعلى اهل بغداد أن تواصلوا مقاومة الإنكليز». نرى في ذلك مساومة متوقعة أن يغير اصحاب الجاه مواقفهم مراضاة لطموحهم ومصالحهم، فنلاحظ الانتقالة من موقف الى موقف مرهونة بذلك، «المصالح تقتضي أن تكون كل يوم بلون وكل يوم بصورة» فعين مستشاراً للأمور التجارية في إدارة التجارة والمالية، وهو الأمر الذي عرفه تاريخ العراق عبر تحولاته السياسية، لحد اصابة المجتمع، او بجزء كبير منه، بالعدوى ذاتها فيمكننا اضافته كإسقاط تمثل بإنزياح نقص عن الصفر مقارنة بالعامل الزمني الذي يتيح رؤية بصرية، بأقل تقدير، كعامل ثقافي متحضر نشهده اليوم.

اما في الجانب الأهم وهو دوافع الحب وسلطة انبهاره، توقعاته ولوازمه العديدة بين جنوح وهيام ومحبة، فيظهر مكتفيا بمتعته الخاصة، اليفا ومتوازنا لذات مكسورة تنشد انعتاقها من اشد التجارب مرارة، وعلى ما اعتقد ان الكاتبة وضفت لهذا السبب مداخل صوفية لتنأى عن واقعيته، فجعلت افتراضيته اثيرية صرفة من باب فردانية التجربة.

إن طبيعة الإمساك بتجارب من هذا النوع، تشكل فيما بينها، نمطا سلوكيا كحاجة للإشباع قابلة للتغيير، نرى في ابطالها من خلال رواية الدليمي بأنها تأثرت بثلاثة افعال او مصادر: الوازع الشخصي، واقع التجربة ثم المؤثرات الخارجية. وحال معاينتنا للوجوه الثلاثة نجد في اولهم متغير، والثاني ثابت، وثالثهما جامع بين الاثنين. ومع تلاقح العوامل الثلاثة يتسم الفعل ذاته بالفعل ونقيضه فينتج لا إراديا تحديا يخترق ذهنية صاحبه وباحث عن بديل. ومن حيث التطبيق اتسمت التجارب الثلاث لنهى ونادر وحياة البابلي ابنة أخت الشيخ المتعفف قيدار بمصدر واحد للحب اطلق عليه "الحبيب الُموحى"، فجميعهم يبحث في ذهنه عن معنى، عن صورة محبوبه بذات الصفة الصوفية التي اعتمدها الكاتبة كمداخل لعدد من فصول الرواية، وهو انسجام موفق ومعادل واقعي للأفعال الثلاثة اعلاه:

إن ما يخبرنا الفؤاد به هو (شخصي)، ومع الآخرين هو (تجربة) وفي الحياة، كفكرة شمولية، هو (مؤثر خارجي).. وبذلك تكون الفرصة والمغامرة والبحث الدائم عنهما بمثابة الأسئلة المتجددة في ذهن العاشق، ولا يهم أن تكون بصفتها الواقعية انما بصيغتها المخملية هذه المرة، تعلن عن نفسها بإصرار فلا يسعها الانتظار. وهذا الجانب هو الذي اشتغلت عليه الدليمي كواحد من اشتغالات الحب الأثيري ذي المرمى النفسي المتخيل فلا يبدو تكرارا للحب النمطي انما بالتعلق الخفي لهيئة الحبيب الخفي أيضاً، فيحيل صاحبه اوصافه، اذا ما اراد، إلى أي جسد يريد، ويبقيه هائما كما في الاستماع للموسيقى والغناء اللذان لا يشترطان بالمرة وجود التجربة ذاتها واقعيا انما تكمن قوتها بفكرة غيابها. تقول حياة: «...لا تسأليني كيف ومتى وجدنا بعضنا، أخالنا هبطنا من كوكب ساخن تخلّق تواً»ص428-، وتقول نهى«الحب ساحر جميل، إنه المخيلة منسوجة بالرغبة والأمل، وعندما نكون في أوج حالة العشق تسندنا المخيلة في ترنُحنا بين الحرمان والشهوة الخلاقة». وعلى نفس النهج سبقهم صبحي في هذا المنحى المرير فتمرد وتجاوز الحد حتى ظفر بمشتهاه وتزوج ببنفشة بعد أن عشقت مخيلته صفاتها. وربما لنا استطراد آخر هنا نضعه بصيغة سؤال: لماذا تدور ارواحنا كما الرحى في نشوة اليفة مصابة بالفرح والحزن مشحونة بالعواطف مع سماع الغناء والشعر والموسيقى؟. ومن خلال الإجابة فرديا في أي ذهن سنصل إلى حقيقة الافتراض الذي وضعته الكاتبة واصدقته وغذته على مدار الرواية بأن العشق بلوازمه الكثيرة حاصل لا محال في أية ذات شغوفة بمعشوق أو حتى من دونه، لا تثنيه التجارب أو الحياة اذا ما اعترضته، ولا حتى امتداد العمر مهما بلغ طوله، وهذا انتظام آخر للنص يختص بمداخل فصول الرواية بنصوص من بيئة المناخ الصوفي.

وبذلك وسمت فصلها "اختفاء الأثر" بالأثر ذاته، ممعنة هذه المرة بسلطة الغياب فأجرت تحويرا طفيفا بنظام سردها فجعلته يمر من خلال المشاق التي اضحت رائدة باكتمالها بعد غياب بنفشة واختفاء أثرها، وهو تغيير بالسرد من حيث الاختيار أو خيار الاختيار لنهاية القصة، في وقت تبتر فيه ساق الأب إسماعيل لتأثرها بمرض السكر.

اصبح غياب بنفشة بوصلة الحياة بالنسبة لصبحي، وهذا ما أمنتّه الكاتبة بأن الحياة لا تستقيم من دون عدول وأولها الحب المفتاح الأثيري لكل ما دونه، فاصبح المقاس لحركية النص وعليه انطوى النظر للأشياء والرغبات حتى اصبحت الموسيقى الوازع الوحيد لمعادلة الغياب بجزء منه، وبدرجة من الإنصاف نستطيع مقارنتها بأي فكرة عنه مهما علت درجة المبالغة فيه. حتى أمر البحث عن بنفشة أوجز بمقطع غنائي من البيئة ذاتها «ابحث أنت عن نفسك وستلتقي بها، إنها تنتظرك في الطريق».

وعطفا على تحويرات السرد اصبح فؤاد، الابن الوحيد لصبحي من بنفشة، في عهدة عمته، فيما صارت أخته ألفت أماً بديلة لبهجت الأخ غير الشيق، وحمدي ابن نشأت من الخادمة نمنم بعد أن اعترفت العائلة به واعادوه الى كنفها. وفي جانب متعلقاته العملية يصرخ النص بوجه التحولات الجديدة، ليست لأنها أفضل أو اسوأ من سابقتها ولكنها كنوع من سلب ارادة مجتمعية تنحو نحو الاستقلال بشخصيتها اسوة ببقية المجتمعات « فقام الانكليز بنفي الكثيرين إلى جزيرة هنجام ومنهم كُتاب وأصحاب صحف». في وقت قلصت الكاتبة فيه الانزياح السردي فعشقت الأحداث في فصل الـ« مصائر »، «والحب والجحيم» الى ابعد حد، يقول نادر:«لوثني خزي الحرب وقذارتها وشوه رعبها أعماق نفسي وخلخل وجودي...» بإشارة الى تردده وتيهانه الذي سيستمر بالرغم من حسم موقفه وتعلقه بنهى. وتتابع مصير المهاجرين وليد وسمير أميس وابنهم نمير يساعدهم اناس من اقارب سمير إميس، من المسيحيين في الموصل، ممن دفع على ما يبدو ثمن الإرهاب المعاصر، وسط دهشة الكرم والحفاوة وارادة نادرة بقول وليد في رسالته الى أهله «نحن نسعى للرحيل وهم يتشبثون بالأرض والرائحة والحجارة وأعشاب البراري». حتى ينتهي بهم المطاف في بلدة مديات التركية بانتظار مفوضية الأمم المتحدة بحسم طلب لجوئهم. فيما قلصت الكاتبة في فصولها اللاحقة فواصل الزمن بخصوص ما يتعلق بالمذكرات بعد أن اوشكت الحبكة بتتابعها على النهايات ولم يتبق سوى انتظار ما ستؤول اليه من نتائج ترضي فضول القارئ، وبعض من اسرار العائلة، في وقت يبقى الاندهاش ماتعا في سردية موفقة ومجدية تمثلت بتكثيف الإسقاطات الذهنية التي تأصلت في ذهنية القارئ على مدار الرواية، وفي جانبها المعاصر يبدو موت الأب جابر بأزمة قلبية لم تمهله، نهايةً لميراثه لأحزان الاجيال السابقة، في وقت يبقى إرث العائلة ذاته كما مشبك الورق معلقا في جسد الأجيال لا تعرف ما تفعل به، هما ثقيلا وتاريخا لم يتمناه الأبناء سليلو العائلتين وخصوصا الكتبخاني التي اختارت، التمرد وفضلته على السلطة والمال، فتبدو الأم ميادة والدة نهى قاطعة بقراراتها لأول مرة بعد رحيل زوجها فتطرد فهمي ابن عم نهى، الذي جاء معزيا ومعاتبا لانهم لم يعلموه ليقيم عزاء (مشرفا) لعمه. تقول: «لأنكم آل الكتبخاني والخيامي شغلكم حب السلطة وتنمية الثروة، وما عدتم تسألون عن أحد. بماذا تفتخر عائلتكم اليوم، إجبني؟». وهو الوريث الشرعي لانتهازية العائلة فصار نائبا في البرلمان على خطى الأجداد المتلونين في كل زمان. فيما يستمر نشأت الاخ الشقيق لصبحي بتجارته التي «اتسعت مع دخول الانكليز...».

هنا لابد من ملاحظة أن الكاتبة لم تف بحضور عائلة الخيامي كما فعلت بالنسبة لعائلة الكتبخاني فبدى دورها ثانويا ينقصه الفعل فلا يتناسب مع السرد من حيث الدور والأهمية أو في القصص، واذ نقول هذا لكننا لا نجازف بتشجيع الكاتبة على سبر قصص أخرى ربما تضعف السياق الأساس لبنية القص. وعموما كنا نجد صياغات سردية تعلمنا كبرقيات بدور عائلة الخيامي وانتهازيتهم عدا رأفت الذي رافق الجد صبحي وشاركه همومه ومصابه حتى النهاية .

وعموما ماتبقى من مذكرات صبحي الكتبخاني اشارات بمعرضين: الأول: وهو الأهم مصير نساء العائلة من الحرمان الذي تتناوله الكاتبة بحرية ملفتة، «ألفت التي أصابها الاحتصار فأحرقت نفسها» وهي ترنو لرجل، أي رجل، لحاجة انسانية فـ «تنظر إلى الحارس بشهوة أنثى فاغرة الرغبات، تحدق إلى رجب، ترنو الى نعمان، تنظر لي أيضا وتفيض من روحها الحسرة» تلك هي شهادة صبحي فائقة المعنى ومتعدية تتطلب جوابا. حتى نجد للحرمان معنى في صورة المرأة في حاضرها المقرون بشتى العذابات ومدموجا برغابات معلقة في كل زمن. تلك هي الصورة الكئيبة التي هي تعبير عن اشتقاق لعلم الدلالة معرفيا ككلام مباشر موشى بإيحاء ضمني يطابق الحادثة، بل يزيدها قوة. فلو ارادت الكاتبة أن تجعل من هذه الفكرة رواية كاملة لفعلت كما قام د. هـ لورنس في عشيق الليدي تشاترلي، او في اي منتج يُحضر القارئ، من زاوية مدنية معشقة بالرغبة وليس الحرمان، بمعنى أن التجربة حاصلة لا محال، أما في حالة اخضاع الحرمان لشروط قسوة المجتمع يكون التأثير كمتوالية رياضية يفوق التصور، كـ "بديعة" التي عشقت عازف العود في الكنيسة، «فارغموها على زواج لم تسعد به وأغلب ظني أنها لبثت تحلم بعازف العود وهي تنام في أحضان زوجها... ». واذا ما ضفنا لذلك تجربة صبحي نفسه وهروب بنفشة، لأسباب سوف يُعلن عنها في نهاية الكتاب، يكون نص الدليمي قطعة من الأوجاع التي تبقينا في تساؤل مرير: لماذا يحدث كل هذا؟. حتى انتهت الكاتبة الى تساؤلات صرفة بصدد ما تبقى من نساء عائلة الكتبخاني نهى وأمها ميادة وخالتها هناء عن حالهن وحيدات بالرغم من هامش الحرية الذي تركته لهن من دون ان يعرفن التصرف به بعد التجارب المريرة التي غيبت حضورهن في واقعة الحياة من جانب، وجدل الإجابة بأنفسهن على اسئلتهن الكثيرة، اخترن من بين الحلول تقديم «مساعدات للنازحين في المخيمات القريبة من بغداد» .

أما الثاني: فهو الجدل الذي يعنى بما اسميه بـ "زمن القارئ" وهو الزمن الثالث بين زمنين اختارتهما الكاتبة بين قديم وحديث فيُحدث التغيير في نظام الوعي الجمعي للحقائق، وخصوصا الرواية كونها منتجا استعاديا لحركة المجتمع، احداثه وصياغاته كتاريخ كتبت الكاتبة مصادره في نهاية الكتاب. وهذا الشكل من التعشيق لابد أن يفضي إلى الشك بكل ما كتب ويكتب كمادة غير حيوية تُعنى فقط بالتسلسل الزمني، أما هنا فالمصاب المجتمعي، على نحو الدلالة، يكون الأوفر حظا لتقديم الأسئلة التي تصرخ بحاجتها للأجوبة والريادة نحو الأفضل. ومن خلال ذلك عالجت الكاتبة عددا ليس يسيرا من المتغيرات السياسية التي لابد من ربطها بالمصالح والتوافقات الدولية أثناء وبعد الحرب والمعارك بين القديم والجديد، لم تظهر ساطعة في فترتها الأولى، أي في عهدها العثماني، لكنها كانت كبيرة في عهدها وقت الاحتلال البريطاني، أو هكذا يبدو. فلا ننفي حجم التأثير الجديد ايجابيا حتى وأن جرت مناهضته بصورة الشيوعيين والمتنورين. فهل بذلك رسالة أخرى يا ترى؟، لكنه يبقى سؤلاً كبيرا عن واقع اعادة النظر بالمنتهيات التي وصلتنا عبر كتب التاريخ، أو حتى من خلال فهم المجتمع بالضد المطلق كمنتج ايماني صرف. وفي كل الأحوال تبقى مجتمعاتنا قاصرة لأن طفولتها عُقدت وصباها طُوق بطوق حديد من صلب الإمعان بتخلف تعاليمها ومواريثها أياً كانت. ومن جانب آخر نرى، وعودة لنظام السرد الذي تحدثنا عنه في البداية، أن النص يضع محموله هنا، بأثقاله، بأناءة على اعتاب التساؤلات فينشد قراءة مختلفة من القارئ، وأغلب الظن فعلها النص وساهم على قدر كبير بسؤال آخر: هل علي قراءة الكتاب بنظرة تساؤلية مع الإمتاع أم استمر به كحكايا تمتعني حسب؟. وهذا بالذات احدى موجبات الكتابة وامتلاك الكاتب لعناصرها من باب المساهمة الواعية التي تدخل في حقل الاجتماع وتساهم بالتغيير. والسؤال الآن: هل استطيع ذلك ام علي أن اختار ذلك؟.

اكمال السيرة

ربما يكون اكمال السيرة الكتابية/الحكائية واجبا مهنيا تفرضه الواقعة لكنه يمتد إلى اخر بدء في ذهنية الكاتب كشريط يربط بينه وبين خياله الذاهب إلى أي مدى. من جانب آخر تختلف النصوص في معالجاتها، وبذلك تختلف الحبكة، كتتابع، من نظام إلى آخر حسب النوع المختار من حيث جوهر المادة وطريقة العرض والمعالجة. وتنحو نحو ذلك اشكال القراءة والنقد معا، الأول مبني على مقدار الإثارة، والثاني على اظهار التوظيفات بمعانيها وافكارها وتحليل النص، بما فيه محاكاة صبر الكاتب على نصه من اجل ناتج اهم. ولا نخفي قلقنا هنا من زحمة النهايات التي تؤدي في احيان كثيرة إلى فوضى في بعض الكتابات، ولكننا سنتابعها هنا بذات الروية التي كتبت فيها الكاتبة روايتها. ومن المهم أن نذكر أن عقد النهايات هي من اصعب العقد الذي يواجهها الكاتب الاحترافي وعليها ينطوي الكثير من حسم النجاح كما في سباق رياضي يدخل مرحلته الأخيرة، فالكثير من الكتاب يكتبون عدة نهايات لقصصهم، فهنا يظهر (التناغم) الذي رافق الجري تحسبا وامعانا في النجاح، وعلى اساسه سننظم ايضا ايقاعنا المتسارع قليلاً لينسجم مع النهايات، وهو الأمر الذي تعرضنا له في تناولنا لماراثونية النص.

وبقدر ما يتعلق الأمر بجهد الكاتبة الدليمي في الرواية التي بحثنا فيها وتابعنا عطاءها حسب نظامها، فأننا نرى في السرد والوصفيات واللغويات والاشارات والاحالات، كوقائع، وحدات يتدبرها الكاتب فنجده مسترخيا، متعبا ومتوترا، وكل ذلك من اجل الحفاظ على (سلوكية) النص ونعني به انضباطه واجتهاده Discipline and Diligence بما فيه التزاوج بين فسحتي الروي والرأي وبين المادة التاريخية والمخيال، فيظر التعشيق integrating لنورد مثلا: يقوم الشاعر بكتابة نص شعري، والموسيقي يقوم بوظيفته من خلال ابتداعه الموسيقى وما بينهما كتعشيق يظهر الغناء، لكنه من دون صوت مناسب لا غناء صادح. أما إذا ما ذهب الكاتب إلى الخيال المحض فلا وجود بعده لأي تعشيق يذكر، فنحن نركن لنص الدليمي بإعتباره نصا منضبطا معشقا بالخيال وليس بالنظر للواقعة التاريخية ذاتها وانما ما تُحدثه حرفية المؤلف ومخيلته من خدوش، حتى النزف، بذلك الواقع. وعلى ذلك واظبت الكاتبة على الاستمرار بجعل نهاية لكل حدث، حتى وان علقته كما في مآل البطلة نهى وعلاقتها بحبيبها فأبقت على التأويل «بربطه بانطلوجية الخطاب الناتجة عن فعلية الواقعة مقابل افتراضية النظام» حسب بول ريكوار، مع الإبقاء على التمني الذي ربما لا تقدح شرارته. سنختم بهذا بعد قليل متوخين صبر القارئ على اطالتنا التي نعتقد انها مهمة لطريقة قراءة منضبطة لكلا الطرفين قارئ النص وناقده .

وبهذا الدخول نكون كمن أمن مسارا آمنا لمتابعة ما تبقى من سيرة الكتبخاني والخيامي بشقيه الماضي والمعاصر.

أمّنت بنفشة على سرها لدى رأفت الخيامي فأودعه أوراق إبن خاله وصديقه زوجها صبحي الكتبخاني. يشي السر بتركيب معقد وجدناه في الآداب القديمة كما في اوديب وفي حكايات الف ليلة وليلة التي تقبلته الحكاية من جانب استمرارية الحياة بكل صنوفها وتعقيداتها ومؤثراتها وكفعل اعراضي، فيما يكون أمر معالجته مختلفا عند سوفوكليس في أوديب بشكل لا يفي حتى العقاب الذاتي معه. أما بما نحن بصدده مع حكاية بنفشة، زوجة صبحي، فهي زوجة ابيه سابقا وانجبت له اخاه بهجت، وبذلك يصبح بجهت عم ابنه فؤاد وبنفس الوقت اخوه من أمه، وتكون بنفشة زوجة لصبحي وزوجة أو محظية سابقة لأبيه، وهذا ما اكتشفته نهى صوتيا من خلال تشغيل اسطوانة الفونغراف العتيق، بعد تصليحه، بصوت جدتها بنفشة وهي تروي تلك الحادثة. ومع اكتشافها السر مصادفة بتعرفها على شخصية التاجر اسماعيل الكتبخاني من خلال جريدة نشرت صورته مع الجنرال "مود" بصحبة «وجهاء بغداد وأثريائها»، تتخذ بنفشة قرارها بالرحيل الى قريتها في سمرقند -اينما اختطفت ثم بيعت كجارية في بغداد- بمساعدة نشأت الخيامي ابن عمة صبحي وصديقه القريب الذي حفظ السر، حتى تكشفه الحفيدة نهى محفوظا في ملف ورقي بين المذكرات ومطبوعا على نحو كلام مسجل على صفيح اسطوانة الفونغراف بصوت بنفشة. ترى ما الغريب في الأمر؟ قصة متخيلة ام واقعية لم يسع أي من ابطالها اليها وانما حصلت هكذا.

إن ما تشير اليه الحكاية هو حجم المظالم المركبة؛ لاحظ سمرقند-بغداد. ثم لاحظ الثقافة المشمولة جغرافيا بتقبل الغلط الذي اصبح مقياس الاستقامة في عهد من العهود، واذا ما اضفنا الى ذلك مركبات النص الذي اخترق الحالة المجتمعية انذاك بكل تفاصيلها نكون قد وصلنا الى الصورة التالية: جميع غير الممكنات ممكنة، وجميع الممكنات مستحيلة، كما وأن التوجيه ينتظر الأمر من مكان ما. فما هو ذلك المكان؟ نقول وعلى واقع فهمنا لمنهج الدليمي بأن العصر ينتج ضحالة عصر سبقه مشفوعا بأشد التعاليم والقيم ضراوة وقلقا، بل مسورة بسور يستحيل معه حتى فكرة محاولة الإختراق كما بالنسبة لصبحي الكتبخاني وإبنه فؤاد ومن ثم حفيده جابر والد نهى الذي مات بنوبة قلبية ثانية، وحتى نهى وحبيبها نادر الشابان الذليلان للعشق والمصدومان بتجربة عمرها اكثر من مئة عام واقعيا والف وخمسمائة عام افتراضيا ظهرت على نحو استعادات آمن بمنطقيتها المجتمع بل صار يطاوع فشله في كل حال من الأحوال، بما فيها التحولات السياسية ابان الاحتلال البريطاني الملغّمة من حيث طابعها التقدمي وقمعها للتنور فأغلقت السلطات الصحف المعارضة (المفيد والرافدان) ومكاتب الأحزاب. وإذ استنتج واكتب هذا في ضوء المنهج ذاته، لا أشك أن من دونه سيفضي بالقارئ الى وجوده الافتراضي داخل حلقة النار الملتهبة فيفكر: كيف الخلاص من كل هذا!.

قابل صبحي محاولة ابن عمته رأفت بالتقريب بينه وبين أخته وداد ليخفف من وحدته وتجاوز شدته التي فرضها غياب بنفشه، بالغضب والاعتكاف، تابعته الكاتبة كذلك من خلال علاقته بأبنه فؤاد الذي يظهر قدرا كبيرا من المحاججة والإقناع لكنه لم يكن كافيا لنقلة جديدة في السيرة أو في واقع اباه صبحي، سوى أنه كرس حياته، من جانب آخر، للاهتمام بأبنه فيبعثه مع ابن أخته عيسى لطلب العلم. ونرى في تواصل المنهج سببا في تشكّل وحدات الرفض التي تمظهرت في سلوك عائلة الكتبخاني بشقها المتنور فترفض هناء خالة نهى، الجريئة والمتمردة على السلوكيات والمتأملة بواقعية النظرة، عرض سلوان ابن عمها، التاجر، بالزواج منها. وهذا الأمر نضعه في تناول شق عائلة الكتبخاني الآخر الذي توسعت فيه الكاتبة بشكل متأخر بعض الشيء فهو لم يدخل في بنية الرواية من البداية الا من حيث الإشارات الخادمة للسيرة، ولعل لهذا التأخير سببا أوضحته الدليمي في ربطها وتناولها واقع البلاد الراهن بفوضاه وسلوكيته الفاضحة باقتطافات عن الحرب وما أنتجته، والمآلات التي يبدو فيها «...أن العنف ستتسع نيرانه والعتمة ستكون أطول من عصر الطوفان» حسب الخالة هناء ص526. فجعلت الكاتبة من نشاط العائلة بشقها المتلون جزءًا من النهايات فوفقت الى حد كبير في مراضاة النص من حيث شموليته ورقعته التي استهدفتها، إنما بأثر التحولات الصادمة والصارخة بوجه آنية الحاضر. وعموما نجد في اتسام عائلة الكتبخاني ببعض أسمائها، التي مازالت أسماء فاسدة مهمة كـ سلوان وفهمي في وقتها الحاضر، بالمصلحة والذاتية والتلون في كل الأزمنة لوحة مصطفاة لصورة البلد ذاته بعد كثير من العقود، ملحقا بما قبلها حيث جشع نشأت اخو صبحي واستيلاؤه على ارث العائلة، ومن ثم نزوع رأفت ابن عمته المفاجئ، حسب مذكرات فؤاد، نحو الجشع وتغيير مواقفه وبسبب جشعه المفاجئ لجني الأموال»،

وما زلنا مع إكمال السيرة والنهايات التي تتسم بالرفض، فتكتشف نهى في المجلد الأخير للمذكرات جدها فؤاد شخصية «لا تتقبل الوقائع كما هي» كذلك ابوه صبحي المكسور الذي «هده الهم وقهره الفقدان» فكان يكتب في (جريدة العرب) في وقت كانت محررتها "المس بيل" «تلميحات بارعة عن أحلامه المنكسرة وعن توقه لرؤية بلده في أحسن حال»، ويحاول الخروج من عزلته التي فرضها غياب بنفشة، وناصحا ولده فؤاد بزيادة العلم «اريدك لزمن مختلف وأن تحتضن أحلامك، لا تفرط بها كما فعلت»، ومن اجل معالجة مجتمع جاهل محكوم بـ «بعقليات عتيقة وقبلية متزمتة».

نلاحظ هنا اتساع رقعة النقد في النص الروائي مقرونا بعدها بنظرة استعادية مُقارنة للجد فؤاد في حضوره تجمع اقامته الجمعية الفابية في لندن ابان دراسته، محدثا اسقاطا لا يستهان به لجمهور حيوي يناقش الصغيرة والكبيرة، وبين «شعب تشكل الأمية أكثر من تسعين بالمئة من تعداد سكانه ولم يحظ بالتعليم فيه سوى أبناء العوائل الموسرة». يبقى فؤاد مسكونا بالأسئلة ذاتها بعد عودته الى بغداد «كيف نسعى لتأسيس المدارس في بلد فقير يتقاسم ثروته المكتشفة حديثاً الإنكليز وساسة البلاد؟»، وُضع ذلك كخلاصة لسيرة العائلة انذاك وما زال في عنفوانه في سيرتها الحالية. ومما نشهد له انه لم يأت افتراضيا او مجانيا بل صاحب السيرة بكاملها حدثيا.

ومن بين الهزائم التي غالبا ما تقابل النوايا الطيبة يكون مآل فؤاد آخر اجداد نهى له ما يشابه مصير أبيه صبحي بتعرفه واقترانه في لندن وقت دراسته الاقتصاد بـ "جايا" المؤمنة بتعاليم قديمة وهندسة المشاعر والأحاسيس من جانب تعلقها بالأماني ففسرت له غياب أمه بنفشة على ذلك.

انجبت جايا من فؤاد "جابر" الذي سيكون اباً لنهى، وبعدها أنجبت منه "جايا بنفشة"، ومع اسقاط الاسم (جايا) تكون الكاتبة كمن يفك لغزا ما بصفة جينية لما رددته في بداية الرواية من ذكر (جايا) الشخص الذي تقابله في القطار وهي في طريق عودتها الى بلدها العراق، وبهذا الربط بين الواقع والمتصور يصبح للمتخيل مكانة حسية مرموقة يدخل، الباراسايكولوجي كما اسلفنا في البداية، عنصرا ذا أهمية في رواية الدليمي، وهو من الإحداثيات المهمة المشبعة في تناولها في فصول الرواية، معشقة مع جانبها الصوفي الذي انصفت الكاتبة هزيمته كفكر مقاوم من حيث الواقع، حيث لا نستطيع احالته سوى إلى معادل روحاني spiritual فخلعت عليه حلة الموسيقى التي يلجأ اليها ابطال الرواية لأي سبب من الأسباب، لكنه كبير بتأثيره العاطفي والنفسي أو على اقل تقدير يبقي على الأسئلة دورانها.

يقول نادر«أنا واثق من بزوخ قوس قزح الحياة فوق رأسينا غدا ليكللنا بالأمل» وتستمع نهى لوصايا جدتها بنفشة في جو انثيالاتها العاطفية المتخيلة «تخلّي عن كل فكرة سوى الحب... وعاندي كل منطق وحساب»، وهذه السيرة الوحيدة التي آثرت الدليمي أن تبقيها في جو عنفوانها باعتبارها الثيمة الأساس في روايتها. فحتى لو انتهت معظم قصص الرواية إلى نهايات كما منال الشخصية الخادمة في الرواية، وهي اخت نادر، التي تحزم امرها وتقبل الزواج، والأخريات بالانطواء أو الانتحار أو الارتضاء بالبقاء الهامشي للتجربة، لكن الكاتبة تبقي على أثيرية الحب كصرة معقودة مضاءة تنتظر من يفكها، حتى وأن شُلت اليد التي جازفت بذلك على مر العصور، فأن وهجها سيصيب كل عاص ومتذمر بل كل مغامر متحدي. وهذا ما اختارته الكاتبة كنهاية بعبارة لـ "كازانتزاكي" «عندما أفكر فيك يكاد يخنقني الحنو»، فجعلت نهى «تتأمل الأشجار وحياتها وحُب نادر الذي جعلها ترنو إلى المستقبل بعد أن سلبت كوارث حياتها قدرتها على الحلم» معشقة بذلك بداية رحلتها وما انتهت اليه ومازال موشحا بالانتظار وهيبته المُذلة، عندما تغدق المحبة بعنفوانها ويوغل العالم بقسوته وشروره نحو البشر. ومع هذه المعادلة العنيفة والمعقدة المصاغة على نحو ملايين من الأسئلة، لا يهم ان كانت من بنية الأدب اليومي الشفاهي أو التجارب ومعالجتها صوفيا، تعففا أو تأمليا، أم واقعيا صرفا في ضوء النتائج، التي من السخف ان يرفضها جشع العالم بكل مستويات تحضره وتمدنه، ولكن يبقى النزوع الى يومية اجندة الشقاء الإنساني بحاجة الى جدوى الحب وحده بكل معنى. وبقدر ما يتعلق الأمر بنهاية قصة نهى ذاتها، فأنها أصبحت في مقام الوجود الإنساني وتحرره من الأنانية، «لماذا عليها أن تدفع كل تلك الأثمان المريعة لتفوز برضى بائس يتوّجونها به ابنة بارّة»، ولا يهم ان تزوجت أم لم تتزوج، فالزواج من عدمه ليس نهاية القلق العاطفي، وهو ليس الترجمة الحرفية للأحاسيس، وسؤالنا: هل ينتج الحب معانيه على هذا الأساس؟ نعم! نقولها بكل ثقة، فما دام للحياة ملامح متجددة، حباً أم نقضاً، كان هناك نصيبا مرموقاً لتجدد الفكرة ذاتها وهي مرهونة بأشد الشذرات عاطفية لدى كل مخلوق وهبته الحياة حسيتها، العاقلة وغير العاقلة. وعلى اساسها تتوسع الترجمة الحسية كما شهدناه في رواية الدليمي الأثيرة. فنكون كمن ابحر في مجاهل باهرة باكتشافاتها، صياغاتها، صورها ومعرفتها.

فهل نختم بعبارة «وعلى الأرض السلام»؟ أرى ذلك فالسلام هو الحب بعينه.

نقول أخيرا ان رواية الدليمي "عشاق وفونوغراف وأزمنة" عمل ذا صناعة متقنة تنتظم فيها مفاهيم كثيرة، تعرفنا من خلالها عن علاقة الأدب بالعلوم الانسانية والسيسيولوجيا على وجه الخصوص من زاوية علاقاتها البينية مع صغائر الأشياء التي لا يُعنى بها المنهج التاريخي، نضعها في مقام الرواية الحديثة التي تساهم بتشكيل وعي جديد يختلف عن الموروث، بل يخترقه بأكثر من مكان. وتطرح الأسئلة الخفية الخليقة بزمن صعب ولا تفتعل أو تدعي الإجابة بأي حال من الأحوال.

  كتب بتأريخ :  السبت 17-12-2016     عدد القراء :  981       عدد التعليقات : 1

 
   
 

صفاء الأسدي

السيد الكاتب كان بامكانك تصغير المقال وتلخيصه لhنه كان يحتمل التكثيف حتى لا تتكرر الافكار بصيغ مختلفة وفي الواقع هل انا وحدي لم افهم مصطلحات وبعض جمل المقال ومعانيها أم غيري كذلك كنت كانني اقرا للجعفري و لا اعرف هل يحتاج تحليل نص كل هذه التعشيقات والانزياحات