(( من داخل القمقم )). الجزء الأول

"العين التي لا تبكي هي العين التي لا تُبصر"

�ليس هناك شيئ يستطيع بناء شخصية الطفل في السنين العشرة الأولى من حياته أكثر من ثنائي الأم والمعلم، وكما يقول الشاعر: "الأمُ مدرسةٌ إذا أعددتَها أعددتَ شعباً طيب الأعراقِ". وللأسف كان العراق وما زال بعيداً بمراحل عن إعداد هذا الثنائي الرائع، ولهذا رأينا تعاقب أجيال من الخيبات والتداعيات لأننا بنينا على رمال وليس على ترسانة كونكريتية كما فعلت بعض الدول المُتحضرة.�

الأم هي الحاضنة والمدرسة الأولى بلا شك، بعدها تأتي المدرسة التقليدية بمراحلها المعروفة والتي هي الأساس الكبير "العلمُ في الصغر كالنقش على الحجر"، وخاصةً في مرحلة المدرسة الأبتدائية.�تأتي المدرسة لتستلم هذا المشروع الكبير المهم (الطالب) من أحضان الأم مباشرةً، فتصقل وتُطوِر وتُشذِب وتُهذِب وتُلمِع وتُنمي وتُوجِه وتُعلِم، ومن آلاف المشاريع المهمة هذه (الطلبة) تتكون طلائع الأمة وترسانة المستقبل، وإذا لم يكن المعلمين -وخاصة في المدارس الأبتدائية- بالمستوى المطلوب، كان مردود المشروع ربما صفراً أحياناً، وكلما إزداد عدد الأصفار، شحب وجه الأمة وتهالك جسدها. وما أكثر الأصفار في بلداننا الشرقية.

�* شاهدتُ في التلفزيون الأميركي قبل سنوات (american teacher award)، برنامج جائزة أحسن معلم/ة في أميركا، حيث تم تقديم مجموعة كبيرة من المعلمين بعد تصفيات كثيرة مسبقة، وتم عرض فلم قصيرعن الطريقة التي إبتدعها كل منهم في التعليم، وتبيان إجتهاداتهم الشخصية وأساليبهم الذكية في سبيل تطوير الطلبة ودفعهم نحو الأحسن، وكلٌ في حقله. �في النهاية فاز بهذا الشرف الرفيع -على عموم أميركا- معلمة في أحدى مدارس المعوقين .

�ولأن الحكمة تقول: "نعثر على المستقبل من خلال الماضي"، فقد أعادني هذا البرنامج في تلك الليلة الى الماضي البعيد، لا مقارناً فقط ، بل متألماً الى درجة الخجل من واقعنا المؤسف. �تذكرتُ المعلمين الجيدين -على قلتهم- الذين بذلوا كل ما في وسعهم لتعليمنا وتهيئتنا وتعبئتنا للمستقبل. كانوا بمستوى المسؤولية تماماً.

�وكما يتواجد الذهب في المناجم وبنسب صغيرة ممزوجة مع الحجر والصخر والتراب، كذلك كانت نسبة المُعلمين الجيدين في مدارس العراق وعلى طول إمتداد القرن العشرين، ولأسباب كثيرة أهمها تفشي الفقر الثقافي وعدم تهيئة وتدريب المعلمين بصورة مدروسة ودقيقة لهذه المهنة الخطيرة التي أعتبرها أهم مهنة في أي مجتمع إنساني متحضر، وأعتقد كذلك أن مدرس الأبتدائية يجب أن يكون حاصلاً على تعليم وخبرة وشهادة وممارسة أكثر من أستاذ الثانوية.�

وكم كان أحوجنا يومذاك الى معلمين محترفين ومتفانين في زمنٍ كانت مداركنا من السذاجة بحيث كنا نعتقد أن طن الحديد أثقل بكثير من طن القطن!، وأن فريد الأطرش هو أطرش ويأتي يومياً من مصر ليغني في دار إذاعة بغداد ومن ثم يعود أدراجه الى مصر!، كذلك كنا نعتقد أن الملك لا يتمرحض !!.�

كان بعض المعلمين السلبيين الجهلة لا يعرفون الراحة النفسية إلا عن طريق التنكيل بالطلبة المساكين الذين كانوا حقلاً لتجاربهم، يفرغون فيهم كل ردود فعلهم ونقمتهم وخيباتهم الحياتية وعقمهم الأجتماعي ومشاكلهم البيتية.�كان من السهولة جداً لأي معلم أن يتحول الى عقدة نفسية مدمرة في وجدان وكيان الطالب، والى كابوس يطارده طوال حياته ربما !!. وهذا حصل في حياتي ولعدة مرات، ولهذا أتذكر أسماء غالبيتهم وشكلهم وعاداتهم وأدق التفاصيل في شخصياتهم الكريهة!.

�وغالباً ما يكون الطالب (الضحية) من عائلة فقيرة الحال، أو بليد أو بدين أو قبيح الوجه أو خجول أو مخنث أو مصاب بعاهة أو لثغة أو من دين أو قومية أو لون مُختلف. ولم يكن يعرف الحقيقة الكبيرة غير قلائل من المعلمين، حقيقة أن هذا النوع من الطلبة كانوا بأمس الحاجة الى المساندة والأهتمام والمساواة والحنان، ولكن ... "لا تسير الرياح كما تشتهي السفن" ..... للأسف.��

* في المدرسة الأبتدائية كان مدير مدرستنا واحداً من أعتى مدراء ذلك الزمن، ومما زاد في شراسته وإستقوائه وعدوانيته هو ضمانه لوظيفته بسبب قرابته لوزير قوي ومتنفذ، كان مُديرنا هذا يحمل نوع الشخصية (البيوقراطية) المتعجرفة التي يتصور صاحبها أنها سلطة منبعثة من الله.

�كانت كنيته بين الطلبة (صِكَرْ) أي صقر!، حيث كان تهديده المفضل لنا ( والله لا أصكُركُم صَكِر ) !.�كان لهذا المدير عصا مغلفة بالجلد الأسود يسميها (الحِجية)، يجلد بها راحة أيدي الطلاب المعاقبين في الأيام الشتائية الباردة أثناء الأصطفاف الصباحي في الساحة المكشوفة للعراء داخل سياج المدرسة، ثم يأمر الطالب المُعاقب بخلع ملابسه (النصف العلوي) ليبقى هكذا مُعاقباً ومرتجفاً برداً وألماً طوال فترة الأصطفاف الصباحي، والتي يتخللها أحياناً تفتيش النظافة والهندام وقص الشعر والأضافر وإلقاء المواعظ الفارغة.

�أما المعلمين الذين كانوا تحت أمرته فقد حذو حذوه وأخذوا عصيهم الى رقاع المحلة الذي غلفها لهم بالجلد الأسود، وكما يقول المثل العربي :" بال حِمارٌ فأستبال أحمرة ".�

كان الأستاذ بهجت يتجول بيننا بغطرسة وعجرفة وعنجهية بالغة كالطاووس؛ أثناء الأصطفاف الصباحي. يديه خلف ظهرهِ، ورأسه مرفوع بطربوشه العثماني الذي كان يحرص على لبسه في الأصطفاف الصباحي فقط، وكان يردد بصوته الحاد النبرات: "أنا إبنُ جلا وطلاع الثنايا ..إذا حملتُ الحجيةَ تعرفوني".�

لحد اليوم لم أشاهد شخصية حياتية تقاربه في الشبه خلقةً وأخلاقاً غير شخصية (مدير السجن) في فلم (سجين الكاتراز) والذي مثل دور السجين فيه الممثل الشهير كلنت إيستود.�

ربما كان الأستاذ بهجت يريد أن يُربي ويُخَرِج جيلاً من المخصيين إجتماعياً ونفسياً حين كان يتفنن في خلق الطرق الخبيثة للحط من قيمة الطلاب وإذلالهم وكسر شموخهم ومعنوياتهم وتدميرهم نفسياً، ولا أشك أبداً أنه نجح مع الكثيرين من هؤلاء المساكين.

أقذر وأحط طرقه تلك كانت رفضه لتوسلاتنا وطلبات أهالينا المكرورة الملحاحة من أجل نزح مراحيض قسم الطلبة الممتلئة الخزان، بينما كان هو يتمتع وهيئة المدرسين وبعض طلبته المدللين بمراحيض خاصة ونظيفة في بناية الأدارة !،�كان يستكثر علينا حتى حقنا في التمرحض، ربما كان يعتبره ترفاً!، لأنه كان يُذكِرنا دائماً بأن الوطن بحاجة الى (زلم خشنة)، على حد تعبيره، وكان يزعق في مسامعنا كل صباح "إخشوشنوا فأن الترف يزيل النِعَم"!، وكأن حبس الغائط في جسد الطلاب سيؤدي بالتالي الى خشونتهم !.

�وكغيره من المسؤولين في طول البلاد وعرضها، كان يحاول تطبيق تعاليم وأحاديث موروثة وبطرق سلبية مغلوطة غرضها التنكيل بالضعيف والتواغد عليه !.�كانت ساعات الدراسة تبدو أطول، وتمر على بعضنا بألم ونحنُ بين حاقنٍ (الذي يحبس بوله) وحاقب (حابس الغائط)!، وأذكر هنا ملاحظة رائعة كنتُ قرأتها في كتاب (مدارات صوفية) للراحل هادي العلوي البغدادي يقول فيها: (أن الإسلام كان قد نهى القضاة عن ممارسة القضاء وهم حاقنون، لأن هذا يُربك أحكامهم ويُعرضها للخطأ)، فكيف بطلاب صغار في الأبتدائية ولعدة ساعات في اليوم !؟، حيث كان ذلك يسبب عرقلة في تفكيرنا وتركيزنا على مادة الدرس، وكثيرٌ منا كان يتبول ويتغوط أينما إتفق و (بالختلة). أحد الطلبة تغوط داخل الصف الدراسي أثناء تواجد بقية الطلبة في ساحة المدرسة أثناء فترة الدقائق العشرة بين حصةٍ وأخرى. البعض الأخر كان يتسلق سياج المدرسة الى الجانب الأخر المهجور ليعملها ويعود بسرعة البرق قبل أن يكتشفوا جريمته المُنكرة!. وقد عوقب الكثير من الطلبة الذين تم القبض عليهم متلبسين بالجرم المشهود!، كذلك تم إرسال الكثيرين الى بيوتهم قبل إنتهاء الدوام الرسمي، يأكلهم خجلهم لأنهم فشلوا في سباق الماراثون لأطول مدة ممكنة لحبس الغائط !، أنا وأخي الكبير نبيل كُنا نمتنع عن تناول وجبة الفطور في البيت كي لا نضطر لأستعمال المراحيض خلال ساعات الدوام المدرسي، وكان الجوع مؤلماً أكثر بكثير.�

كانت كل شكاوي الأهل وتهديداتهم الشفهية والتحريرية لأدارة المدرسة ووزارة المعارف تمر عبر "الى حيث ألقت رحلها أم قشعم".

��* زارنا ذات يوم مفتش وزارة المعارف عبر زيارته التفقدية السنوية لكل مدرسة. وأثناء الأصطفاف الصباحي راح يسألنا عن أحوالنا، ويتفقد راحتنا وإحتياجاتنا، تبرعَ بمستقبله أحد الطلبة (الوكحين)، وكان أكبر منا حجماً وعمراً لأنه من المخضرمين بسبب سقوطه كل سنة في إمتحان البكالوريا للصف السادس المُنتهي، وقال لحضرة المُفتش بأننا جميعاً بخير وعافية وفرحين ولا يعوزنا أي شيئ أبداً (بصاية الله وصاية السيد المدير) والذي سماه (صقر الحق)، ولكننا ياسيدي المفتش لا نمانع لو أصريتم على فتح المراحيض بعد نزحها وتنظيفها، ولا نمانع كذلك في الحصول على الكتب المجانية التي تقررها لنا مجاناً وزارة المعارف كل سنة، وسأعمل جاهداً على منع أي طالب من رفضه للصوبات (مدافئ) النفطية المتنقلة لغرف الدراسة الباردة ، كذلك ومن باب الأدب والأصول سنقبل ما تقرره الوزارة من (لابجينات وطوبة) للفريق الرياضي لكرة القدم، كذلك لن نمانع أبداً لو أحببتم إرسال معلم للغة الأنكليزية للصف الخامس والسادس حيث سيتم إمتحاننا في نهاية السنة باللغة الأنكليزية إن كان عندنا مُدرس لحصتها أم لا !.�

كان المفتش يبتسم بعد أن إلتقط رسالة الطالب المشَفرة، ثم أعقب وبطريقة ساخرة قائلاً بأن حالنا تشبه أحوال عشيرة شمر التي يقول فيها المثل "إنها بخير ولا تعاني إلا من شحة الخام والطعام وقلة الخرجية" !.

�بعد أيام تم فتح المراحيض ونحنُ بين مهلل ومكبر، وقد أحسسنا حقاً بالترف الحقيقي الذي كان يقصده الأستاذ بهجت، وبدأنا أخي الكبير وأنا نستمتع بوجبة الفطور قبل ذهابنا الى المدرسة كل صباح، وقام طلبة الصفين الخامس والسادس بأكتشاف مجاهل وغابات اللغة الأنكليزية بقيادة معلم الرياضة الذي كان يجهل حتى أصول وقواعد اللغة العربية !!. أما بقية طلباتنا فقد نُسِبَت الى قائمة الكماليات والبطر .

الجزء الثاني والأخير من المقال في العدد القادم .

المجدُ للإنسان.

March - 1 - 2017

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 01-03-2017     عدد القراء :  507       عدد التعليقات : 0