كِتاب (( في سوق السبايا )) للكاتبة والشاعرة دنيا ميخائيل

“في أفلام العنف، يُشعلون الحرائق، تتحطم الجدران بلحظة، تتصادم الأكون، تطيرُ العصافيرُ بعيداً

عن أشجارها. لكننا لم نكن في الفلم حين رأينا كل ذلك، كُنا في الحقيقة.” دنيا ميخائيل

***************************************************

في مساء يوم الجمعة الماضي ( 24 شباط 2017 ) حضرتُ مع مجموعة من أصدقائي اُمسية رائعة بعنوان (شارع المتنبي يبدأ هنا)، والتي أقامها في ولايتنا -مشيكان- منتدى الرافدين للثقافة والفنون تزامناً مع الحملة العالمية لدعم شارع المتنبي في الذكرى العاشرة للإعتداء الإرهابي على الثقافة العراقية يوم تم حرق ذلك الشارع التأريخي.

كذلك خُصِصت الأمسية للإحتفاء بالشاعرة والكاتبة العراقية (دنيا ميخائيل)، من سكنة مشيكان، بمناسبة صدور كتابها الأكثر من رائع ( في سوق السبايا )، المُخصص لحكايات حقيقية عن سبايا عراقيات أيزيديات هربنَ من داعش. وهو أول كتاب غير شعري للكاتبة.

تقول دنيا ميخائيل في مقدمة كتابها: “شكراً للناجيات من أيدي داعش، لقبولهن التحدث عن تفاصيل معاناتهن، بالرغم من أن الجروح العميقة لا تُحكى، هي تُحَسَُ فقط.

شكراً للجرحى الذين قُتلوا، ولم يموتوا، عادوا ليحكوا لنا قُصصهم.

شكراً للناس في المخيمات، لقلوبهم المفتوحة في العراء، كخيمهم.

شكراً لعبد الله، بطل من أبطال هذا الزمان.”

من خلال هذه المقدمة وعنوان الكتاب نستشفُ ماذا ستكون مواد الكتاب التوثيقي هذا. والذي إعتبرتُه شخصياً أحد أهم الكتب التي تحمل كميةً وحجماً من النزاهة والمصداقية في نقل الأحداث، حيثُ لم تلجأ الكاتبة إلى الرتوش والتزويقات والمبالغات التي يُضفيها عادةً غالبية الكُتاب على أحداث ومادة كتبهم، حتى حين يتحدثون عن وقائع ومضامين حقيقية حدثت فعلاً! ومن خلال قرائتي للكتاب توضح لي أن الكاتبة لم تحاول -حتى ولو لمرة واحدة- إثارة عواطف القاريء وإستدرار عطفه ودموعه بصورة رخيصة كما يغعل البعض.

كذلك أعجبني جداً أن الكاتبة لم تُعطِ رأيها الشخصي في أمور السياسة والدين، حتى حين توفرت الفرصة لنقد الدين كما على صفحة 44 حين يقول عبد الله للكاتبة وبمناسبة كلامه عن الطفلة نازك -9 سنوات- والتي هربت لوحدها من الدواعش:

- داعش يتزوجون البنات حتى بعمر تسع سنوات، هل تعرفين ذلك ؟. تُجيبهُ دنيا: نعم أعرف.

كان يُمكنها وبسهولة طرح رأيها، لكنها أحجمت، بكل مرونة وذكاء يُحسب لها وتُشكر عليه، حيث كان ذلك سيُقلل الكثير جداً من القيمة الإنسانية والتنويرية للكِتاب المُكرس لعرض الواقع المأساوي المُخجِل لكارثة داعش، وليس لنقد وتشريح الدين.

وجدتُ صعوبة في إيجاد مدخل للكلام عن الكِتاب ومضامينه التي تبدو كضرب من الخيال! حيثُ في ليلة الإحتفال بعرض الكتاب تكلم عبر الميكرفون بعض الأخوة، ولم يدعوا شيئاً لم يقولوه ويُحللوه ويُفسروه حول الكِتاب!، لِذا فكرتُ في تلخيص الكتاب للقاريء، ولكن كيف اُلخصهُ وكل فصل وصفحة فيه تبدو لي أهم من التي سبقتها!؟

مع هذا سأحاول التركيز على ما أعتقدهُ يستفزُ إنسانية كل من لا زال يحمل بوصلة حق تُنير ضميره. ما سأسجله ليس نقداً، أو حتى تثميناً، حيثُ كلمة ( تثمين ) تبدو لي كسيحة، ناقصة، قليلة وغير مُنصفة بحق هذا الكِتاب وصاحبته ( دنيا ميخائيل )، التي بذلت الكثير جداً جداً من الوقت والمال والجهد وسهر الليالي وركوب المخاطرالحقيقية في سبيل تجميع هذا الكم والنوع المُذهل من المعلومات كجزء من قنبلة الحقيقة التي إنفجرت شمال الوطن العراقي والسوري وكانت النتائج أمور مُشينة يخجل منها حتى الخجل!.

كذلك لستُ أُحاول الترويج للكتاب من أجل بيعه، بل من أجل نشر الحقيقة التي لم يكن أغلبنا يعرف عُشرها قبل قراءة هذا الكتاب!، والتي تُصَوِرُ (بعض) ما صدر من الدواعش تجاه ضحاياهم من ممارسات زنخة تأنف من سفالتها حتى الضباع والمسوخ!، وكل ذلك كان بإسم الله ومن أجله وله وبأوامره كما يدعون.

نقرأ عبر عذابات الضحايا: “سعر (نادية) حسب قائمة أسعار السبايا لدى داعش هو ما يُعادل 85 دولاراً أمريكياً، وذلك حسب عمرها (28) عاماً. ويُمكن أن "تُهدى" مجاناً إلى أمير من أمرائهم "تقديراً لجهاده". تتطرق نادية في كلامها إلى أنهم بعد أن قتلوا الرجال والنساء الكبيرات بالعمر أو “غير المناسبات للنكاح” وأخذوا الصبيان والمراهقين بغية زجهم في صفوف المتدربين الجهاديين، “أنزلونا في الموصل، فَصَلوا البنات العذراوات عن المتزوجات، وأبقوا معنا الأطفال تحت سن 12 سنة، ثم أخذونا إلى مدرسة في تلعفر حيث بقينا هناك لمدة 18 يوماً نتعلم القرآن، أرغمونا على ترديد الآيات في ذلك المكان الوسخ، ونحنُ في قمة الجوع والعطش. قالوا لنا بأننا يجب أن نتزوج على طريقتهم، وإننا كافرات، ولا بد أن نعتنق الإسلام، لإنه الدين الصحيح. ثم نقلونا إلى منطقة الرقة في سوريا، وهناك وضعونا في مزاد للبيع… الرجل الذي إشتراني قال بأني أصبحتُ زوجته. قلتُ له: "أليس الزواج بالمتزوجات حرام؟!، فردَّ: ليس إذا كُنَ آيزيديات".

وتستأنف نادية (التي كان معها في الأسر أطفالها بعمر ستة، خمسة، وسنة): “كان يغتصبني أمامهم. وأحياناً كان وأصدقاؤه يُبادلوننا كالهدايا بينهم، بموجب إتفاق مؤقت ليوم أو يومين، يُسمونه "إيجار". بعضهم كانوا يتكلمون بلغات أجنبية… وكُنا أثناء النهار، نقوم بصنع الصواريخ لهم، أنا وأطفالي، كُنا نشتغل لهم 12 ساعة في اليوم. وكان من الممكن جداً أن تنفجر علينا تلك الصواريخ.”

تنجو نادية وأطفالها فيما بعد على يد قريبها (عبد الله)، وهو البطل الأكبر في غالبية هذه القصص والمسؤول الأول عن هرب ونجاة عشرات النساء والأطفال من الدواعش.

في بستانه الكبير في سنجار، كان عبد الله يربي النحل ويراقب الخلايا ونظامها الدقيق المتجانس مع الطبيعة: “حركة ملكة النحل وطيرانها في الأعالي وتفوقها في الطيران على الذكور جعلني أعجب بالأنثى بشكل أكبر، وأقدِرُ وجودها في حياتي، وخاصةً الأنثى الأم، ففقدانها يُربك المملكة تماماً. في النهاية الإناث يُحاصرون الذكور، ويطردونهم من المملكة، لإنهم لا يفعلون شيئاً سوى التلقيح.”

وفي مقطعٍ آخر، يصف عبد الله مشاعره وهو يستقبل الناجيات، ولحظة لقائهن بأهلهن، “نبكي معاً، ويغمرنا شعورٌ مزيج من فرح وغضب… عَمَلُنا في تهريب الأسيرات وتخليصهن لا يخلو من مخاطر كثيرة، لقد أعدم الدواعش قبل أيام أحد سواقنا المهربين بطريقة بشعة. لحد الآن فقدنا 12 مُهرباً…”

عبد الله فقدَ أخاه وأخته و 56 شخصاً من عائلته وأقاربه، “مع ذلك، كل يوم أنقذها حينما أنقذ مُختطَفَة، كل يوم أستقبلها حينما أستقبل ناجية.” يقول.

في الكثير من الصفحات نقرأ عن مسلمين طيبين لم يرتضوا بأعمال داعش لكنهم كانوا بلا حول ولا قوة، وحين يحدث إن يلتجأ لهم الآيزيديون الهاربون من إرهاب داعش، أو الذين ضلوا طريقهم، أو الجرحى النازفون الذين نجوا بإعجوبة من القتل الجماعي في الحفر المهيأة لرمي وقتل الرجال وكل من لا رغبة لداعش في بقائهم أحياء، نجد أن بعض هؤلاء المسلمين قاموا بأدوار بطولية وإنسانية شريفة وبلا مقابل في سبيل إنقاذ كل من لجأ لهم ولبيوتهم ومروئتهم، وعلى عكس ذلك نجد مسلمين عراقيين وسوريين يُسَلِمون من لجأ لهم من الهاربين، ويُعيدونهم لداعش، أو يطلبون مبالغ تصل لآلاف الدولارات من أجل تسليمهم لأهاليهم أو لمن يحاول إنقاذهم كعبد الله مثلاً، او كانوا يقمعونهم ويستغلونهم ويغتصبونهم وبطرق أكثر وحشية وخسةً من داعش!. وهذا يُعيد إلى ألأذهان ما حدث لقوافل الأرمن من النساء والأطفال الذين ساروا من تركيا إلى العراق وسوريا بينما الأتراك وبعض ألأكراد يُزيدونهم تجريحاً وموتاً وخطفاً وسبياً وتعذيباً وفتكاً كما الذئاب التي كانت تفتك بهم على طول خط سير قوافلهم المنكوبة.

كذلك نقرأ في بعض الصفحات عن مُسلمين من السنة هربوا بكامل عوائلهم مع المسيحيين الهاربين من الموصل خوفاً على بناتهم من دناءة داعش.

في الفصل الذي عنوانه “خمس حيل لتجنّب داعش”، تلجأ بديعة، 19 سنة من قرية كوجو، إلى مختلف الحيل لتتجنب الاغتصاب من ذلك مثلاً عدم الاستحمام لأن “رائحة النظافة خطرة”، كما تقول. وكذلك ادعاؤها بأنها حامل. ولكن بالرغم من حيلها البريئة، تتعرض بديعة إلى الفظائع التي تتعرض لها الأخريات فيُقتلُ أبوها وأمها وأخوتها الخمسة من قبل أشخاص من بينهم ممن كانوا يعيشون على مقربة من مسكنها في القرية، فانقلبوا من جيران إلى دواعش.

بعد أن أخذوها إلى تلعفر ودسّوها في قاعة مدرسة أزاهير البنات، تلتقي بديعة بعوائل من قريتها، تقول “كُنا هناك كلنا ننام على الأرض، ولم يكن عندنا ماء، وكانوا يجلبون القليل من الخبز فقط خلال اليوم. كنتُ أقتسم مع إبن أخي صمونة واحدة في اليوم. بعض النساء والأطفال ماتوا من العطش. عندذاك جاء رجل وجلب حاوية ماء. لكن، قبل أن نأخذ من الماء، جلب حفاظة طفل وسخة، ورماها في الماء.” شربوا من ذلك الماء، لا أحد يريد أن يموت عطشاً.

في منطقة الرقة السورية وجدت بديعة بين المختطفات أخواتها وبعض صديقاتها. وبعد 13 يوماً باعوهم بالجملة، كل عشرة نساء لرجل واحد!. وطوال الوقت كان إبن أخيها الطفل معها. الرجل الذي إشترى بديعة مع تسعة نساء أخريات كان أمريكياً داعشياً برتبة "أمير"، أخذهم إلى بيته في حلب حيث كان لديه عدة حراس لخدمته. وكانت أولى أوامره لهن أن يستحمن وإلا. بعدها قال بأنه سيختار واحدة فقط ويبيع الأخريات كل رأس بمبلغ 500 دولار، ووقع إختياره على بديعة ربما لأنها أصغرهن عمراً. وفعلاً باع ثمانية منهن والتاسعة ( ندى) رفضها المشتري فعادت مع الأمير الأمريكي.

حين أراد أن ينام مع بديعة إدعت بأنها حامل، لكنه جلب في اليوم التالي العدة التي تكشف أن المرأة حامل أو لا، وفرح حين عرف بأنها لم تكن حامل. وفي الليل أقفل باب غرفته وبدأ يلمس جسدها فمانعته وقاومتهُ، لكنه ربط يديها وقدميَها وإغتصبها. تفاجأ حين عرف بأنها عذراء. هددها بتسليم الطفل الذي معها ولكنه بعد حين تراجع بشرط واحد وهو أن تحبهُ! هذا جزء من حوارهما:

“-أريد أن أردّ لك فضل إبقائك الطفل معي، ولكنْ؛ هل الحبّ بالأوامر؟ أين مكان الحبّ في قلب مليء بالحزن؟ لقد قتلوا أمّي وإخواني في يوم واحد، ولا أعرف أين أخواتي. أنت أمريكي، ولا تعرف معنى أن أفقد عذريتي.

أنا كنتُ كافراً مثلكِ، ولكنْ؛ تغيّرتْ حياتي عندما صرتُ مسلماً، وعرفتُ معنى الله.

لماذا تلمسني إذا كنتُ كافرة؟

بلمسي لكِ تنظفين، وتدخلين الجنّة. لمسي لك صلاة. كان من الممكن أن يحدث شيء أسوأ لكِ، كأن تفقدي الطفل، أو تُقتَلي بسبب كذباتكِ.”

بعد تفاصيل يومية في بيت الأمير الأمريكي، نقرأ أن بديعة وندى والطفل الصغير ينجحون في الهرب، وتجد بديعة أن أخاها الأصغر لم يمت بعد أن أطلقوا الرصاص عليه في واحدة من الحفر المخصصة للدفن الجماعي رغم إصابته بعدة رصاصات في جسده. كذلك تجد زوجة أخيها وتعيد لها طفلها. ثم تُسافر بديعة مع عدة ناجيات أخريات إلى المانيا بغية العلاج النفسي وربما البقاء هناك.

تقول كاتبتنا دنيا ميخائيل لعبد الله الذي كرس حياته وماله لتخليص الآيزيديات الأسيرات من عند الدواعش:

“-هل يُمكنني أن اُساعد بأي شكل من الأشكال؟. أشعر بالعار ألا أفعل شيئاً. يُجيبها الرجل:

-أحسن مساعدة تُقدميها لنا هي أن تكتبي عن معاناتنا. ثم يُضيف: [ أنا كنتُ تاجراً بين العراق وسوريا، ولكن منذ أن حلت علينا كارثة داعش، تحولتُ إلى إنقاذ بناتنا الأسيرات. بعض رجال داعش يبيعونهم لي، البارحة أنقذتُ عائلة، واليوم أنقذنا إمرأة أخرى، ولكن المشكلة أنها حامل من الشخص الذي إغتصبها، نحنُ عائلات مُحافظة، وهذه مشكلة كبيرة حين تذهب الفتاة عذراء وترجع حاملاً، لا أحد يُرحب بأبناء الإرهابيين. لكن شيخنا الروحاني ( بابا شيخ ) أصدر بياناً قال فيه أن فتياتنا الهاربات من داعش لا حول لهن ولا قوة، وكُن شجاعات في مقاومة الإرهاب، لذلك لا يُمكن الإنتقاص من شرفهن حتى لو فقدن غشاء البكارة.”

وتتساءل دنيا ميخائيل في سرها عبر منلوج داخلي: "هل ستتخلص الناجية الحامل من طفلها؟. ولو أبقتهُ، هل يُمكن أن تراه جميلاً في عينها مثل بقية الأطفال في عيون أمهاتهم؟. أم ستراه كذكرى أليمة ستكبر معها؟. هل كان أبوه طفلاً بريئاً ذات يوم، ثم إنكسر، وسال منه السم؟. كيف تعلم أن يُصلي وفي نفس الوقت يقطع الرؤوس، ويسبي البنات؟.

في مقطع آخر تطرح الكاتبة هذا السؤال لعبد الله:

“- هل تتصور بأن نَشري لهذه القصص قد يؤثر على حياتك، أو على مسار عملك، أو على حياة اللواتي أنقذتَ، أو ستُنقذ؟

- لا أعتقد ذلك. بالعكس، يهمّني جداً أن تنشري هذه القصص، بل أتمنّى أن تصبح فيلماً حتّى يعرف الناسُ حقيقة ما يحدث لنا، ولو أني فقدتُ الأمل بأن تفعل أمريكا وباقي الدول شيئاً في هذه الأزمة. كلنا نعرف بأن داعش لا شرف لهم، ولكنْ؛ أليس هناك شرف في باقي العالم؟”

هناك فصل بعنوان ( في معسكر داعش ) يحكي عن معاناة أم وإستماتتها ورفضها للحياة حين يتعرض أولادها للخطر.

الأم (كامي) كانت عند الدواعش، أخذوا بناتها الثلاثة ( 18 ،20 ،22 ) بعد أن قتلوا زوجها الياس وإبنها حسن وأخذوا أولادها الصبيان (راغب 14 سنة، ورافع 10 سنوات) لمعسكرات خاصة لتدريبهم وجعلهم دواعش عن طريق غسل أدمغتهم اليافعة. يدربونهم أربع ساعات في اليوم على القتل، بضمنها كيفية قطع الرؤوس. ويعلمونهم القرآن ساعتين في اليوم، والفقه ساعة في اليوم. كانوا يُلقنونهم كيفية غسل اليدين، الجنس، النجاسة، لمس الحيوان أو عدم لمسه، الوراثة، وفي النهاية يُعلمونهم ويُقنعونهم بضرورة قتل أنفسهم من أجل الله الذي سيكافئهم بأن يُدخلهم الجنة، بل ذهبوا لدرجة إعطائهم بطاقات خاصة لدخول الجنة.

كامي رفضت الهرب رغم توفر الفرصة لعدة مرات، إلى أن وافق أولادها الصبيان ( راغب ورافع ) على الهرب معها بعد أن كانوا قد رفضوا ذلك في البداية بسبب ترسخ تعاليم داعش في رؤوسهم في عمليات غسل الأدمغة من خِلال الترغيب والترهيب.

هناك فصلان متواليان مطرزان بأشعار رقيقة حزينة حالمة، ( الخروج ) و ( قبر جدتي)، هما سِفران عن حياة الكاتبة كواحدة من بنات بلاد ما بين النهرين، وذكرياتها عن آثار الرافدين التي حطمها حقد وحسد الدواعش، عن والدها الراحل وجدتها وبغداد وقرية تلكيف مسقط رأس والديها، وكيف دمر الدواعش قبر جدتها والكثير من الناس في تلك القرية الآمنة المسالمة، عن كتبها التي تركتها في العراق، وعن أمور كثيرة أخرى تكشف عن الماضي الذي ظل معها في الزمن الحاضر.

في نهاية أحد الفصول بعنوان ( زقزقة)، نقرأ قصة عن إمرأة إسمها ( مها )، كانت حاملاً يوم أخذوها من قرية كوجو مع زوجها وأطفالها الأربعة ( بنتين وولدين )، كان زوجها من بين الذين مددوهم في الأحواض الزراعية ورموهم بالرصاص. ثم إقتادوا النساء إلى معهد تمريض في منطقة صولاخ، هناك فصلوا النساء عن الأمهات والجدات المسنات. وقفت 67 جدة على جنب وقد إلتصق بهن بعض الأحفاد الصغار الخائفين، ثم قام الدواعش بإلقاء الجدات والأطفال معاً في حفرة كبيرة وهالوا فوقهم التراب حتى ماتوا جميعاً.

بعدها جمعوا حوالي 600 من الأمهات والشابات والأطفال وباعوهم جميعاً بالجملة لتاجر سوري بمبلغ 150 دولاراً للرأس الواحد. ثم قام ذلك التاجر ببيعهم بالمفرد وبأسعار مُختلفة. إشترى أحدهم وإسمه (خالد) الأم (مها) الحامل مع أولادها الصغار. واخّذهم معه إلى منطقة منبج في حلب. كان خالد مديراً ( لمستشفى عائشة ) هناك!

بعد أن ولدت مها طفلها الذكر قام خالد ببيع إبنتيها ( 12 و 14 ) سنة، جن جنون الأم مها فقامت بالهرب مع إبنتها الصبية المتبقية وأولادها الذكور بأعمار ( 3 أشهر، 18 شهراً، 3 سنوات )، وحين حاولوا إستعمال الهاتف في محل تجاري للإتصال بأقاربهم، قام صاحب المحل بالإخبار عنهم وتم إعادتهم إلى خالد الذي ضربها وإبنتها بشدة وقام بتسميم أولادها الثلاثة ثم دفنهم في حديقة الدار!

سيدة طيبة من جيران خالد قامت بمساعدة مها وإبنتها الصبية حين سمحت لهم بإستعمال تلفونها والإتصال بعبد الله الذي رتب لهم طريقة هرب أوصلتهم لناسهم ولكن … بعد أن فقدوا غالبية العائلة، تقول مها من خلال دموعها: ما فائدة هربي؟، ليتني متُ هناك معهم، ليتهم دفنوني مع صغاري في تلك الحديقة.

من فصل آخر إجتزأتُ مقاطع تتكلم عن الجنس بالنسبة لحياة الداعشي الذي لم يصبح داعشياً -برأيي- إلا من أجل الجنس.

تحكي واحدة من الناجيات عن بعض ما حدث لها: “مضتْ عليَّ سنة، وأنا مع أسيرات أخريات في مواجهة الوحوش في بيت في منطقة دير الزور في سورية. تعرّضنا إلى الاغتصاب والضرب إضافة إلى إجبارنا على خدمتهم في الطبخ والتنظيف وغسل ملابسهم. في النهار، يأخذون أسلحتهم، ويخرجون، وفي الليل يعودون، ويعملون مجالس لتعاطي المخدرات وتلاوة التراتيل الدينية، وحين يذكرون بأن حان درس القرآن، نعرف بأن موعد اغتصابنا اقترب؛ لأنهم - عادة - يفعلون ذلك بعد ترديد الصلاة مباشرة. كانوا يصوّروننا عاريات بموبايلاتهم، وقبل أن يبدؤوا “الدرس” يستعرض كل منهم سبيّته للآخرين، لعلّه يستبدلها مع غيرها.”

في مقطع آخر: ”يا الله، قم، يا مسلم، في الجنة حورية. تلك هي بداية الأنشودة التي كان يُرددها أبو ناصر كل ليلة على مسمعي قبل أن يغتصبني. كان يتعاطى المُخدرات، ويتماهى تماماً مع تلك الأنشودة… مرة سألتهُ عن معنى كلام هذه الأنشودة !؟. أجابني: "أنتِ آيزيدية كافرة، وهذا ليس ذنبك؛ لأنك ولدت هكذا، ولذلك حين تموتين ستصبحين حورية لإمتاعنا نحنُ المسلمين”. قلتُ له: "أليس معنى هذا أن عليكم أن تنتظروا حتى نموت قبل أن تفعلوا بِنا ما فعلتم ونحنُ أحياء؟". أجاب: "أنا إشتريتك، فأصبحتِ مُلكي وجهاد النكاح واجب.”

كان أبو ناصر وحين يحتاج للنقود يمنح “سبيته” لأحدهم مؤقتاً عبر ما يُسمونه "إيجار" ثم يسترجعها.

بعد أن قرأتُ هذا في الكتاب تسائلتُ في داخلي: هل يعلم الرجل الداعشي بأنه إنما يُمارس مهنة القواد من خلال هذه الممارسات المُشينة!؟

من خلال فصل بعنوان ( نرجس نرجس )، تقول الكاتبة عن قرية أجدادها تلكيف: “الآن، بعد 23 سنة على تلك الزيارة، رُفِعَت راية الدولة الإسلامية فوق بوابة تلكيف، وأنزِلَ الصليب من فوق كنيستها، فخرجت عائلة خالتي كلها دون كلام، تاركين البيت كما هو، بتنوره، وغرف حيواناته، وغرف ناسه المُطلة على التل.”

ثم تُضيف في مقطع آخر وعن لسان إبنة خالتها: “ماذا أقول لكِ عن الوضع في الموصل؟. الغوا المناهج المدرسية، وجلبوا أقراصاً للطلاب لتعليمهم أساليب العنف والجريمة، أطفال مشوشون، نساء لا يظهر منهن سوى عيون بنظراتٍ خائفة، مُقاتلون ملثمون يجوبون الشوارع، ويُعطون أوامر غريبة عبر مُكبرات الصوت، على الكل أن يأتي ليوقع على بطاقة التوبة، وإلا يتعرض للإعدام، السجائر ممنوعة، حبوب منع الحمل ممنوعة، الموسيقى ممنوعة…”

هناك مقطع عن التكنلوجيا، يعلّق فيه عبد الله:

“الدواعش متفوقون جداً بالتكنلوجيا،ويستخدمون أحدث الوسائل لإختراق الآخر. وهُم في الحقيقة يكسبون إلى جانبهم عناصر ذكية في المناورات وفي الحصول على المعلومات المُفيدة وتوظيفها لصالحهم.”

وفي مكان آخر من الكِتاب، نقرأ كيف أن الزبون في سوق النخاسة والسبايا يُرجع البضاعة البشرية (السبية) للبائع حين تكون مريضة مثلاً! بالضبط كما نُعيد السلعة الفاسدة أو المكسورة المعطوبة للمحل والبائع الذي إشتريناها منه: “بعد العديد من التحاليل الطبية قرروا بأن نضال تُعاني من جفاف شديد، فعالجوها بالسوائل والأدوية. لكن؛ ما إن وصلت إلى الرقة مع مالِكها حتى أُغمي عليها مرة أخرى. هذه المرة أرجعها الرجل إلى السوق المُسمى (مركز قاقا)، وأبدلها بأخرى. قال: هذه مريضة، لا تصلح لي.”

في أحد الفصول، ومن خلال قصة داخل قصة، تقول كلوديا (المرأة المسيحية التي ذبح الدواعش زوجها العسكري خلال اليوم الأول لإحتلالهم للموصل وعانت أيضاً من الأسر والإغتصاب): “بعد ثلاثة أيام في ذلك المكان، رأيتُ بنتاً في العاشرة من عمرها في منتهى الجمال، اسمها لالش. كانت ضفيرتها ما تزال مثلما ضفرتْها لها أمّها. أخذوها في الليل، ولم يُرجعوها إلى الصباح. كانت تمشي بصعوبة عندما رجعتْ، والدم يابس على قدميها، تمشي، وتسقط على الأرض. كانت عارية، ورموا قطع ملابسها عليها، وأنا ألبستُها لها. في الليل، تمرّضتْ، وصارتْ عندها حمّى شديدة. فكّرتُ “ربّما لن يطلع الصبح عليها، وهي بهذه الحال.” حضنتُها، وعملتُ لها كمّادات. تعلّقتُ بها؛ لأنها كانت بعمر ابني هوار. كانت كل دقيقة تقول “أوي داي” (يعني آه أمّي). ظلّت تتأوّه بذلك طوال شهرين كاملين.”

كلوديا عانت الكثير الكثير أثناء أسرها عند داعش، لكنها صمدت من أجل أن ترى يوماً إبنها الصبي هوار وإبنتها الصغيرة مريم. في النهاية تم إنقاذها، لكنها فقدت إبنها هوار أثناء هروبهم مع قافلة كبيرة تجاه كركوك، وهم جياع لم يأكلوا طعاماً لمدة ثلاثة أيام، وسط الظلام وإطلاقات نارية تجاههم لا يعرفون من أين أتت.

قصتها الطويلة تشبه في تفاصيلها الموجعة بعض قصص المأسي التراجيدية في أفلام هاليوود، لكنها تختلف بكونها قصة حدثت في عالم الواقع. تقول كلوديا في نهاية قصتها بأنها حين إتصلت بمن هربها وهو داعشي ( إبن الجيران ) وسألته عن مصير الطفلة (لالش) وبقية النساء، قال لها بأنه تم بيعهن جميعاً إلى السعودية، بعضهن لإغراض الخدمة والجنس، والبقية لبيع أعضائهم البشرية!

في الصفحات الأخيرة، تُسجل لنا الكاتبة إحصائية موثقة بتأريخ 15 أيار 2016، من مكتب شؤون المُختطفين، تقول وبالأرقام:

كان هناك 6386 شخصاً مفقوداً أو مُختطفاً.

3527 منهم أناث.

عاد منهم لحد الآن 2587 .

وهُم تحديداً 934 إمرأة، 325 رجلاً، 658 طفلة، 670 طفلاً .

أي أن 3799 لا يزالون بيد داعش.

يقول عبد الله: “نتأمل أن تتحرر المنطقة بالكامل، ونعود، ولكن؛ هناك شيء ما تغير فينا إلى الأبد، والناس، بعض الناس لن يعودوا أبداً.”

تضيف دنيا بعض المقاطع الشعرية (وتميّزها بالخط المائل) بين الوقائع الرهيبة ربما لتخفف من حدتها أو لتضيف صوتاً ولو هامساً خلف الأحداث، فيما يشبه الموسقى التصويرية المصاحبة للأفلام. في القول السابق لعبد الله مثلاً، تضيف:

“لو عدنا إلى القرية،هل سيكون لنا مزاج لنزرع؟!

ماذا سنزرع في الأرض التي ملأتها العظام والجماجم؟

ماالذي سيورق؟

كم من الدم سيسري في عروق الأشجار؟!”

بعد أن أنهيتُ قراءة الكِتاب كنتُ أُفكر لنفسي: الآيزيديون كما المسيحيين، تعرضوا دائماً خلال التأريخ إلى مذابح وعمليات إستئصال عرقي وديني كثيرة وبشعة غير قابلة للحصر، ولا أعتقد أن هناك من يستطيع أن يضمن لهم عدم حدوث مجازر مستقبلية جديدة بحقهم، لإن الشرائع التي أمرت بتبديدهم لا زالت قائمة، لذلك كله ستستمر العصافير في هجرتها!

شكراً ( دنيا ميخائيل ) على هذا الجهد المُثمر. اُبشرك بأن كل كلمة كتبتِها لنصرة أهل الحق ستُثمرُ يوماً عبر شجرة كبيرة وارفة الظلال. وكما فعل جدك كلكامش، فقد خَلدتِ إسمك من خلال العمل الطيب الذي يخدم البشر.

المجدُ للإنسان.

٤- آذار- ٢٠١٧

  كتب بتأريخ :  الإثنين 06-03-2017     عدد القراء :  411       عدد التعليقات : 0