الكتابة خارج النسق السردي
بقلم : عزيز التميمي
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

البعدالاول: البعد الفني والإبداعي:

في البدء أود أن أحيّ الشاعرة المبدعة على جرأتها على الخوض في مثل هكذا تجربة خارج قلعة الشعر الذي تعرفه ويعرفها منذ أن خطّت أولى قصائدها، وكما يعلم الكثير أن الخوض في تجربة الكتابة الروائية يمثل تحد كبير لما للرواية من طقوس ومبررات شائكة في عالم السرد وتجلياته، وخصوصاً إذا ما اخذنا بنظر الإعتبار المقابل من الإيغال في النبش الشعري عند دنيا ميخائيل، فاللغة الشعرية التي تعمل لفترة طويلة في تأثيث مفرداتها في الذاكرة تطرح ثمارها في استنبات جمل شعرية ذات سلطات مهيمنة في مخيّلة الشاعر، وتؤسس هذه القوى الذهنية مع الوقت إعتراض ضمني لحالة الخروج عن النسق المعتاد، ومن هذا المنطلق أسمي محاولة الكتابة ضمن بيئة جنس أدبي أخر مغامرة وجرأة أدبية. ربما سائل يسأل: لماذا يطرق الشاعر أبواب السرد ليدون أفكاره؟ في الحقيقة جزء من الإجابة عن هكذا تساؤل يقع على عاتق الشاعر نفسه، والجزء الآخر يذهب لجهة القارئ أو الناقد أو المهتم بالكتابة بشكل عام.

"في سوق السبايا" هو عنوان المنتج الأدبي للشاعرة دنيا ميخائيل، تشكل هذا المنتج المعرفي خارج أبعاد الفضاء الشعري، والكتابة خارج الفضاء الشعري تمثل مكابدة وجودية ضمن تحديد هوية المنتج المعرفي، فلا بد للنص أن يرتكز إلى دعائم تبرر وجوده، واذا سلمنا جدلاً بأن لكل منتج رساله يمكن أن نقبل بتبرير الكتابة خارج سياقات الجنس الأدبي. "في سوق السبايا" عنوان ينحازكثيراً نحو أسوار الرواية وتقنياتها، فالكاتبة تتناول الحدث بعين الشاهد الذي يروم فضح حالة قسرية، أو انتهاك لقيم معينة بطريقة تصويرية دقيقة مستحضراً عنصر الحكاية، الحكاية التي تتناول الحدث ضمن ثيمات سردية متباعدة كالتي تبناّها كلود سيمون في رائعته طريق فلاندرا،  تقترب هذه الثيمات السردية  في ازمنتها رويداً نحو ثيمة الحدث الكلي (سوق السبايا)،  وكما أشرت ولأجل أن يؤدي النص رسالته في مثل هكذا نوع من الكتابة  لابد له من بناء نص نثري مكتوب بلغة متمردة لا تأخذ بنظر الإعتبار الهيكل البنيوي لنسق الجملة السردية.  نلاحظ في هذا النص أنه يقترب من السرد وآلياته ولا يتبنّاه بالمعنى المطلق، إنما يستعير منه مساحة الجملة اللغوية المفتوحة وآلية تشكيل المشهد ،" في سوق السبايا" نص يشيد لغته من أهاب الومض الشعري ممزوجاً بصدأ السرد وغبار تفاصيل المكان، يستحضر الحوار كأداة لرسم الحالة الآنية، يندفع أكثر في تماهيات المكان ويستمد من الصورة التأريخية للمدينة والقرية قوتها التي تساهم بشكل كبير في تشييد مفهوم الرفض لحالة السبي، صورة المكان الحضارية تمثل معادل نفسي معاكس لصورة المكان التي شيّدها داعش فوق خارطة المكان المؤسسة على مفاهيم حياة تحترم إنسانية الفرد. هذا النص يوصلنا إلى مسمى الكتابة التي تؤسس لنوع من الأدب التدويني، الأدب الذي يرسم قيمة إيجابية للإنسان والحياة ويفتح تساؤلاّ مجدياً حول ملامح شكل المنتج الأدبي او الفني: هل الفكرة أو الحدث هي من تقود الكاتب لإختيار المستوى اللغوي والسردي أم قدرة الكاتب هي من تحدد ماهية الشكل النهائي للنص؟ هذا التساؤل ينسحب على مفردات كثيرة في النص منها الحوار، نوع السرد ، توليف الشخصية. ( ثلاث مدارس نقدية تفاوتت في طرح رؤاها حول هذا المفهوم: المدرسة الشكلانية والمدرسة البنيوية، ثم المدرسة التفكيكة)، وبناء على طروحات هذه المدارس اختلف النقاد والدارسون حول تسمية السلطة الفعلية لتوجيه مقدرات النص ولكنهم اتفقوا على أن رسالة النص غاية في الأهمية.

وتبقى حالة التسمية خاضعة لوجهة نظر القارىْ أو المعني بتقنيات الكتابة. فالنص كٌتب هكذا، هكذا أرادة الكاتبة أن تدون تجربتها، مارست حريتها الفكرية في صوغ أفكارها وموقفها من الحدث، عبرت بجملتها فوق المسمى الشعري والأدبي لتدس لنا موضوعتها في تشكيلة فنتازية تجمع بين ومضة الشعر و استهلالية السرد، بين عين العدسة وحرارة الخبر الصحفي، بين الريبورتاج والحكاية المروية بذاكرة قصّخون فطري، بين سخرية تكنلوجيا العقل التي توظف الصورة و المحادثة الإفتراضية وخيبة الغريزة التي تتوسم في جسد الضحية نار متعة منطفئة. "في سوق السبايا"  يمثل لافتة عريضة تفضح إنحطاط مجتمع من خلال قيمه.  وخلاصتي لهذا البعد أن بذور الإبداع تكمن في هذا السهل المرسل الذي يلامس الخلجات والامنيات المقموعة ، براعة تسجل للشاعرة دنيا ميخائيل في فهمها لكيفية التعامل مع الحدث، الكثير من الاحداث تستوفي ماهيتها من خلال مقال صحفي أو نقدي أو تحليلي. القليل من الكتاب يفكرون بطريقة العرض المباشر، أو عملية استنطاق الحدث نفسه، وهذا ما توفقت به الكاتبة، في جعل الشخصية تتحدث بلغة مفتوحة غير خاضعة لبروتوكول سردي معين، أو إخضاعه لتقنية روائية محددة. مع أن هذا الأسلوب ظهر جلياً في كتابات الروائي التركي اورهان باموق، إلا أن ما يميز باقوق هو إخضاعه  للشخصية لتقنياته السردية، إي جعل الشخصية تؤدي دورها في العرض من خلال مجساته هو وسلطته المرجعية. هنا نجد أن الكاتبة ابتعدت كثيراً عن محاصرة الشخصية وأطلقتها في مسرح مفتوح، مستعينة بالفضاء الشعري الذي يؤسس بدرجة كبيرة للسرد البانورامي.

البعد الثاني: البعد الإنساني

يقول بودلير " أنه لقدر عظيم أن يكون الشاعر مرآة ترينا حجم الوجع ، وقدر الشاعر ألا يلاحظ فحسب، بل يصحح كذلك ...أن يتجول في كل مكان رافضاً الظلم.

كما يقول الكاتب الالماني زيغفريد لينتس: في هذا العالم يصبح الكاتب هو الآخر عارفاً بحقائق الأمور- عارفاً بالظلم والجوع والمطاردة والأحلام الخطرة (...) يبدو لي أن عمله لا يمكن أن يستحق القبول إلا عندما يعلن عن معرفته تلك، وعندما يتخطى الصمت الذي يُدان به الآخرون..".

من وجهة نظري الخاصة أرى أن الكاتبة أبدعت في زمن ندان به جميعاً أزاء ما حصل ويحصل في بلاد الرافدين، والإدانة لاتأتي من جهة الموقف لاننا جميعاً نحمل مواقف متشابه من تلك القضية، إنما الإدانة تأتي من جهة التعبير، الكاتبة قدمت في هذا الوثيقة الإنسانية خلاصة جهد ميداني كبير واستطاعت أن تنقل الحدث عن لسان الضحية، وحدث مثل هذا لايمكن أن يترجم من خلال مقال تحليلي يستقرأ حالة المزاج العام ويتنصل عن البعد الاخلاقي من خلال لعبة كلمات مشفوعة بحنكة لغوية. نص دنيا ميخائيل يقدم لنا البعد الاخلاقي والإنساني في توثيق هذا الحدث على أنه بعد فلسفي.

إنحياز الأدب لقضايا الإنسان وماكابداته وتبنّيه وجهة نظر تدعم وتناصر حق الوجود والحياة يُعد من أهم منجزات هذ النص، ربما نتداخل ونتقاطع في تأويل البنية الفنية والشكلية للنص إنطلاقاً من حيوية النص نفسه، لأنه نص متحرّك تحريضي، يتجاسر في ملامسة ضفاف الجدل الادبي في تماهياته بين منحنيات الاجناس الادبية. إنما لا نتقاطع على الإطلاق فيما يخص تجسيد النص للخلاصة الإنسانية للأدب وترسيخه لمفهوم إنسانية الادب. وكم كنا بحاجة لهكذا نصوص شجاعة ونبيلة لتنصف الإنسان العراقي وهو يخوض في مأساته لعقود طويلة خلت حيث كنا نرى وللأسف الكثير من الكتاب والمبدعين يقفون بكل ما يملكون من أدوات فنية وادبية إلى جانب المستبد والجلاّد. انا سعيد جداً وفرِح لاني أقرأ نص تتكامل فيه المقومات ويقتنص لحظة زمنية غاية في الحراجة ليبث رسالة نبيلة للعالم ويتخطى الصمت الذي يدان به الآخرون.

  كتب بتأريخ :  الإثنين 06-03-2017     عدد القراء :  321       عدد التعليقات : 0