عبد الحليم المدني، سيرة في سيرة السيد عبد الكريم المدني
بقلم : هاشم مطر
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

امسك الحاسبة الإلكترونية وبعدها الورقة والقلم ليحصي دقات قلبه فكانت ملياران وستمائة وتسعة وأربعون مليونا وأربعة وعشرون الف دقة!. هكذا يصف عبد الحليم المدني تحولات السنين منذ ولادته وحتى العام 2016، ومن المدهش انه وضعها في سياق الفصل الخاص بالتحولات السياسية وهو يتابع سيرة والده السيد عبد الكريم المدني متخفيا في جلبابه لسرد سيرة ابيه وسيرة مدينته التي أسرته بكل مفاصلها. ترى هل يفعل العشق فعلته لينتج تداعيا ثرا يقع في كتاب قارب من ستمائة صفحة من الحجم المتوسط صدر مؤخرا عن دار سطور للنشر والتوزيع/بغداد تحت اسم “الطريق الى بعقوبا” لمؤلفه عبد الحليم المدني؟

كتقديم اولي، اقول اننا اعتمدنا منهجا غير مبوب في تناولنا الكتاب، ذلك لظننا عدم احداث خلل في طبيعة السيرة التي كتبها المدني بروحية وطريقة متداخلة بحيث يكون الحدث هو الذي يصرخ بالكتابة، وهو في هذا الجانب كتاب غير منهجي، انما يقوم على فكرة التشابك والتفاعل ما بين الأحداث فيضيف تسهيلاً بالمتابعة ومتعة بالقراءة لكتاب من هذا النوع. من جانب اخر ادخلنا رأينا كذلك حسب الحاجة في تلك المفاصل التي اخذنا اهمها لحيازتها صفة العمومية وتأثيرها كمادة مفيدة تعيد خلق الأسئلة، فنرجو ان نكون قد وفقنا بذلك.

رب سائل يسأل: ما السبب الذي اخذ بالناقد الأدبي العلماني الذي يجهر بمادية افكاره ويدافع عنها، الى تعرضه لكتاب يختص بسيرة رجل دين؟. اجيب على التساؤل المفترض ان من واجب الناقد الباحث ان يرى بالجهد الجاد والمنضبط والمتنور نافذة على مناقشة الأفكار بصراحة ومسؤولية بالرغم من مساحة الاختلاف، الذي يتوجب ان ينحصر فكريا وليس كمادة للتسيس والكسب، ناهيك عما يحدث اليوم بما يوصف بالابتسار والرفض المعاكس لتأسيس سلسلة من الممنوعات التي تقوم على الجهل والماورائية الصرفة.

بسرد مفعم بالحركة والاحداث مشفوعا بأرث يشبه الغناء وكأن الحكايات ترقيم لسيرة مجتمع حتى النهاية، فلا يستكين جرح فؤاده الا بشعر إبن الخطيب «في ليال كتمت ّ سر الهوى... بالدجى لولا شموس الغرر ... وطر ما فيه من عيب سوى... انه مر كلمح البصر. فتدمع عيونه لأية ذكرى حبا وشوقا او اشتياقا على الأرجح، فالكلام كاشف الوجد وعلة العاشق. فآثر وضعها في ربع الكتاب الأثير وكأنه اراد لشغفه وهيامه ان يكون دافعا من الم رائع لتسجيل الحكايات.

ليس المهم ما كان، فالحياة زائلة كما يقال، وانما ما حكي وتناقل وما كتب كعلامات مضيئة وهابّة تعطي بوهجها حياة إثر حياة، هذا ان اردنا جعل ثراثنا وتاريخنا حاضرا يرافق حياتنا المعاصرة وليس العكس بالتضاد والتنافر. فلم تستطع كل الشواخص الطينية والحجرية في بلاد ما بين النهرين من مداناة ليلة واحدة من "الف ليلة وليلة" فيصبح جهد عبد الحليم المدني مؤثرا بتفاصيله وهو يشق ورع اوراق الاشجار ويحاكي امواج نهر لفحت شمسه وجوه اجيال لهم رجاء واحد هو بقاء الظلال الذي احدثته اشجار النخيل التي تعطرت سعفاته بعبيق القداح ومن ثم رائحة البرتقال. فأي نوع من الحب هذا الذي حشر تلك الاجيال التي صب المدني قوالبها المفعمة بالرضا فكانت سببا في تعايش اديان وطوائف وملل طرزت تاريخ مدينته الاثيرة، حبيبته بعقوبة، وكأن المدن الأخرى، حتى وان كانت مقدسة، لم تنشأ الا لخدمة سيرة السيدة الأليفة.

اجزم ان عبد الحليم المدني لم يكتب كتابه الا ليضع عنوانا للمحبة والتآخي كذلك الذي خطه والده في يوم من الأيام في حواشي الكتب والكراريس التي الفها، وان كانت دينية، لكن روحانيتها هي نكهتها وانسانيتها، هي طقوسها وما تقاسمه ابناء المدينة على المحبة في كل زمن. فـ «...منذ البداية نهج (السيد) نهجا مختلفا عن بقية المجتهدين… فلم يعر بالاً لطبع رسالته العلمية رغم الحاح أصحابه وزملائه ومحبيه ومريديه وعارفي فضله. كان يجيبهم بابتسامته الابوية ويقول لهم: لم يحن الوقت بعد…». رحل السيد ولم يطبعها، انما طبع في ذاكرة المدينة اثره الثر في فسحة التعامل والمساواة. فما احقه السيد في سلوكه وجده العلماني في تعاليمه، وما كافح من اجله الشيوعي احقه السيد في منهجه في السلوك على هذه الرقعة، الأرض، التي نعيش.

بهذا المدخل يلج المدني عبد الحليم عالم الانسانية النبيل وكأن والده يأخذه بيده المرتجفة مع افول العمر ويريه حق الحياة التي مهما اختلفنا بتفسير اسرارها فأنها تشع على الجميع بشمس واحدة تطبع البشر بأثر واحد هو المحبة والعدل والحق للجميع.

أما فكرة المساواة وهي التي تبتعد بالكثير عن (التسامح) باعتبار وجوبها على التفضيل للديانة او القومية الكبيرة السائدة فقد استلهمها السيد المدني من الفكر الإنساني للإمام علي، أو المنسوب اليه، « في وثيقة العهد التي عهدها إلى القائد مالك بن الاشتر النخعي حين جعله واليا على مصر حين قال: (الناس صنفان… اما أخ لك في الدين… واما نظير لك في الخلق… ) دون النظر إلى الفروقات الفكرية أو العرقية أو العقائدية». فكان مجلسه في أية مناسبة يعج بأعداد كبيرة من مختلف الأديان والقوميات، ناهيك عن مساعدة المعوزين منهم على حد سواء مع الآخرين من المسلمين من دون اية اشارة او تمييز. وفيما لو قارنا نهجه آنذاك بيومنا هذا لخجلنا من ذواتنا، بل لأطرق اي شريف رأسه ارضاً الى ما آل له الوضع في عصر كان يرتجى منه اعلاء فكرة المساواة، «فكيف تستعبدون الناس وقد خلقهم الله أحرار» حسب الامام نفسه. بل راحت مجاميع الإرهاب بكل صنوفها ترتكب الجرائم على الهوية، واذا ما اضفنا لها جرائم "دولة الخلافة الإسلامية داعش"، التي تستقي احكامها من ظاهر النص القرآني والسنة، نكون قد ايقنا بأننا وضعنا رأس المسمار الأخير في نعش الأمة التي تلهج بنفسها بأنها تتقدم ثقافة الشعوب او انها (خير امة آخرجت للناس ). ولنا في مقالنا هذا مقاطع واشارات نستدل بها على ميراث كبير لمجتهد كبير ليس دينيا بالقطع انما انسانيا صرفا.

يتسائل الابن «إن الناس دائما كانوا يتنافسون… بل يتقاتلون لبلوغ اعلى المواقع الدينية والدنيوية...»، فما بال الاب السيد لا يعير اهتماما لذلك؟ خصوصا ونحن نقرأ لاحقا في متن الكتاب صراعا على اكبر مرجعيات الشيعة، فينأى عنها السيدالمدني بإبتسامة تخيف الشخص الملثم الذي دخل عليه في بيته مهددا اياه بالابتعاد عن المنافسة، وخاطب (السيد) قائلا: «سمعنا انك تريد ان تصلي جماعة في مكان الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء… وانا احذرك… فإذا حاولت الصلاة هناك… فانك ستدفع الثمن غاليا!!». كان السيد وقتها قد اتخذ له مساحة «في مقبرة العلامة المجاهد الشاعر الكبير السيد محمد سعيد الحبوبي رحمه الله الواقعة داخل الصحن المقدس...». وعرض عليه المكان الشاغر للشيخ الراحل كاشف الغطاء، الا انه كان قد اتخذ قراره من البداية بعدم المنافسة بقوله « اتخذت قراري بعدم الصلاة في مكان الامام كاشف الغطاء».

في هذا المبحث المهم نركن للحيرة، حيرة التساؤل والاستنتاج، فلمَ يا ترى يبتعد السيد المدني عن المنافسة؟. يحمل الكتاب في ثناياه الاجوبة الحسية المتواضعة التي جعلت السيد عبد الكريم المدني ليس مرجعا شيعيا صرفا او حتى اسلامياً وانما مرجعا انسانيا باقتدار، فأصحابه من كل الطوائف والاديان ينصفهم جميعا ويقدم مال الخمس لهم وكأنه متجاوز على احكام طائفته، لكن صفاءه وسلامة فكره جعلته غير منحاز، وما قوله في مدينة الخالص، التي سنأتي عليها، الا تتويجا لفكره بقوله «والله انا شيعي والله انا سني». وكأنه يلقم فم المتشددين بحجر لا يخطئ هدفه وكلاما لا يساء فهمه، فهو ابن الحياة، والحياة لها متناقضاتها الكبيرة، وعليه يتوجب النظر الى الأفكار بطريقة العارف المجادل وليس الذي يكفّر العلماء والفلاسفة والبشر ممن اختلف مع الدين بنظرته للخلق والوجود، اؤلاك الماديين الذين زينوا حياة الأرض بكل منتج بشري يسهل حياة الإنسان ويضمن سعادته. وانا شخصيا شاهد على فترة في ذلك الزمن فكانت المواكب الحسينية يدار قسما منها من قبل ابناء طوائف غير شيعية وبمساهمة غير مسلمة، ناهيك عن حضور الشيوعيين في جدلهم المثير في الوسط الاجتماعي المتدين فلم يكفرهم احد، بل اعتلوا المنابر الحسينية بقصائد سياسية ما زلت احتفظ ببعضها مسجلة بصوت الشيوعي اخي علي مطر، الذي انصفه الكتاب في عدة مواقع، فكانت تطرق القلوب والمسامع وتلهب الوجدان وتثقب الوعي. كان ذلك في آواخر ستينيات وبداية سبعينايات القرن الماضي، الزمن الملاحق أمنيا فيعتقل العشرات من معتلي المنابر حتى اتذكر ان السيد المدني الغى بواحدة من السنين مراسيم العاشر من عاشوراء احتجاجا على الاعتقالات وعلى رأسهم خادم المنبر علي مطر. ومن بين الحوادث التي اوردها المدني في كتابه هي زوال الفروق بين المذاهب فيورد مثال احدهم وهو من أهل السنة بقوله: «...ولشدة تعلق الحاج محمد علي البدري (بالسيد) وفكره ومنهجه التوحيدي… ذهب يوما إلى المحكمة الشرعية في بعقوبة… واوقف دار سكناه الوحيدة ...»، كذلك ما دأب عليه الجميع كحالة معاكسة بقوله: «وكان الناس على اختلاف مذاهبهم يصلون في جامع الشابندر… وهو أحد جوامع بعقوبة».

أما بالنسبة لأهم مرتكز شيعي حتى يومنا هذا وهو (الحسين بن علي) وواقعة الطف فقد لخص الكاتب رؤية السيد المدني لها بقوله: «كان شعار (السيد) ان الحسين عليه السلام للمسلمين جميعا… بل للإنسانية جمعاء…لأنه ألهم البشرية بنهضته الثورة على الظلم والانحراف والفساد والطغيان». ومن هذا ولكل ما سبق نستدل بقوة بأن السيد المدني له ما يميزه، بل، والكلام بشموليته، له مشروعه الذي ينطوي على مفردات هي على درجة من الأهمية بحيث تصطدم بشكل وآخر مع الاستخدامات الشائعة لشكلانية المُثل؛ تلك المُثل التي جرى الاعتناء بها من قبل مؤسسي المذهب الجعفري، والتي تمثلت بخصائل امامهم علي ابن ابي طالب وابنه الحسين كذلك الائمة الآخرين، والتي فقدت مصداقيتها حينما تعرضت للواقع حينما تم اخضاعها للسياسة على يد المستفيدين من شيوع المذهب ذاته في العراق، فهي لم تقدم الأنموذج المتوقع عدا الاستهلاك الكلامي الصرف، أما من حيث الجوهر فهي سليلة الموروث المجتمعي المتخلف، بل ابقاؤه على صفة ابتسارية لا تنتظم مع السيرة البديلة كنسخة او كصورة كادت ترتقي بثورة اصلاحية مهمة تُلبس المجتمع لباساً يليق به من منظور التطور والمواكبة العصرية.

هذه السوية المجتمعية التي جهد عبد الحليم المدني من خلالها لانصاف حقبة مهمة، كانت الفسحة التي كان لها من المفترض ان تتسع للمصالحة المجتمعية بتحويل الخلاف الى منتج محرك لمجتمع يبحث عن مستقبل واعد لأجياله وليس اختصار التعاليم بالحرام والحلال والكفر والإلحاد التي سنأتي عليها ونحن نتابع ما كتبه الاستاذ عبد الحليم المدني عن مرجعيات اخرى، بجرأة اهنئه عليها، ومنصفا الشيوعيين والعلمانيين وهو ابن المرجع الكبير السيد عبد الكريم المدني، فكيف نمر على تجارب من هذا النوع مرور الكرام من دون تحية وانصاف؟. وفي هذا المبحث لابد من اشارة: ان الدين بغض النظر عن ايماني المطلق فيه اراه وسيلة قيادية معرفية تطلق بالتعاليم افضل ما فيها وتركن باقيها لعدم انسجامها مع واقع الحياة، سيما وان تداخله مع الموروث المتخلف، العشائري والبداوة والانحياز الطائفي وفيما بعد الاسلام السياسي، اصبح من الصعب الفصل بينهما، وهذا ما عكف المدني في كتابه لإظهاره، بل الدعوة له، وما سيرة السيد الا استحقاق لجعله في مصاف الريادة من حيث الافكار المنيرة التي تلتقي مع ما يسعى اليه العلماني والشيوعي واللاديني، ترى الى اي مدى استطاع الكتاب بث رسالته؟.

البدايات

يتخذ المدني الأبن من البدايات درجات سلّم بانزياح مريح، الى المكان الذي سيجبره على عشق الكثير من الأشياء وهي تتوقد تباعا في ذاكرته بالوصف والتفاصيل. المكان الذي يتملكه "الحسينة/البيت-البيت/الحسينية"، المقام التي انفتح على عوالم المدينة، أهلها وعيشهم الهادئ، سلمهم الأهلي الذي سيغذيه السيد والده ليصبح فيما بعد الأب الروحي لأهل المدينة بكافة طيوفهم، وهي الخاصية التي طبعت المدينة لزمن طويل، وكأن جمال المدينة بأنهارها وبساتينها بلباسها الناعم المرهف كان برقع حرير شفاف لساكنيها يتسع ليشمل كامل (اللواء) على وقع خطى السيد المتسامحة. فلا تجد فرصة للإعلان عن هوية ما، سواء ان كانت بذرة دين او ملّة او عشيرة، او حتى سياسة. وهذا الأمر أدى في وقت لاحق، اثر التقلبات السياسية في العراق، الى استجلاب الأغراب ليشغلوا المراكز المهمة في الدولة نكاية بأهل المدينة المتسامحين المتطامنين الرحيمين. كثير منهم تخلق بأخلاق المدينة واصبح صديقا لهم ورفيقا للسيد المدني. اما الباقي منهم فلم يلق الا الاستهجان والرفض من قبل الجميع فمدينتهم لا تقبل القسمة على أي رقم يخالف تقالديدهم وثقافتهم.

عندما احتار عبد الحليم المدني بوضع اسم لمؤلفه ابتسم له "كازانتزاكيس" الذي قرأه في ريعان شبابه «...واشار إلى طريقه الذي سلكه نحو شجرته… شجرة اللوز». فكان "الطريق الى بعقوبا" نحو شجرة النخل، او البرتقال التي أسلم لها السيد المدني كل هواجسه، بل كل عاطفته، ومنحها الكاتب اسماً شاعريا تستحقه فأسماها (شجرة اللوز).

هناك في سرداب البيت العتيق في بعقوبة حيث أن «افعى قد ظهر فيه في يوم من الايام» يبدأ عبد الحليم المدني سرد حكاياته المشوقة، الحكايا الرشيقة الدافئة التي احتلت عقل وقلب الطفل مستذكرا أباه وأمه، ليس وصفا، وانما احداثاً سكنت مخيلته، اما وصفيات المكان ذاته فكانت الاحجار التي سترشده لذكرى ما او حدث اضافه للسيرة. هناك حيث (اللقلق) المهاجر حيث يصطحب زوجته من كل عام الى عش ألفه في مكان اعلى الدار/الحسينية كانت البدايات. هذه الطيور التي الفت المكان ماتت في زمن آخر بعد ان جفت المياه ومات الشجر، وتحجرت قلوب الناس فصاروا يصطادون تلك الطيور ويأكلونها. لم تكن المسطحات المائية محميات بفعل القانون الدولي انذاك، انما محميات في قلوب الناس وشدة شغفهم بعالمهم وبطبيعتهم الأثيرة. عكف على وصف سفرات السيد المدني الى النجف ليلقي دروسه في الحوزة بكثير من الاسترسال وبتلقائية التجربة لطفل يرافق اباه في سيارة تغطس بالرمل او تهيم في الصحراء، منصفاً المرافقين من اهل المدينة، بل طفحت محبته لهم للحد الذي كانت اسماؤهم الوتر الصافي الذي ساعده بإكمال انشودته عن محبة المدينة وأهلها. ترى هل فشل السيد في رسالته فكانت تحولات البلاد اشد سطوة فبلّدت العقول والنفوس على حد سواء. فإن كان الجواب بـ (نعم) فتلك هي المرارة، وان كان (لا) سيكذب الكاتب على نفسه فلا يُصدقه الآخرون قولا. واذا ما اضفنا ما كافح السيد من اجل ارسائه وهو العدل والمساواة، حيث كان يجرب ويختبر ريشته ومداده بقول اثير «تجربة القلم… لعن الله من ظلم... تجربة المداد… لعن الله من نشر الفساد» نجد انفسنا في قلب الظلام السحيق. يقول المدني عن تلك الحياة الأليفة في كتابه «أيمكن ان تكون الايام بهذا الجمال والعظمة؟؟ وأتحسر على أنها ذهبت وزالت… ولم يبق منها إلا عبقها… يسري في الاوردة والشرايين ». فعلى اي شيء يتحسر الكاتب؟. اظن انه تحسر على التجربة قبل الطبيعة التي ازيلت بفعل الضغائن والجشع وتحويل البساتين الى صحراء بواسطة الجرافات.. تحسر على ذهاب المساواة التي شهدها، وضمان الحقوق التي اكلها استشراء الفساد في يومنا هذا. فالسيد كان يستقبل ضيوفه من كل انحاء العراق ويساعد كل ذو حاجة وعوز «فلا يغادره أحد الا وفي جيبه (ظرف) فيه المساعدة المادية التي تقل أو تكثر حسب حالته أو حسب الحالة التي يمر بها (بيت مال المسلمين) واقصد به الحقوق الشرعية من زكاة وخمس وصدقات وهبات وخيرات وغيرها من الموارد… على الرغم من الظروف المالية العسيرة الصعبة آنذاك…». ناهيك عن رسالته الاجتماعية التي اشترطها على نفسه، «فان الجزء الذي يخص بعقوبة هو جزء بناء المجتمع وتوحيده على الأسس التي ارساها...»، وهذا ما عكف السيد على وضع لبنات له كحكمة منتقاة فاقت تدينه وانتماءه للمذهب حسب تقديري.

يروي المدني في كتابه مقاطع كثيرة عن الألفة المجتمعية في بعقوبة، كذلك عن علاقته بالاجهزة الرسمية للدولة والحكومة التي تعفف السيد المدني بالدخول اليها، فقد كان المسؤولون الحكوميون هم من كانوا يزورنه ويحضرون المناسبات ويستشيرونه بكل ما يهم المدينة، بما فيها توزيع الأراضي على المحتاجين والفقراء، ونأى بنفسه ان يخص لعائلته، وهي لا تملك، قطعة ارض او احتساب ما. وعندما طلب اليه ابنه تخصيص ارض سكنية للعائلة اسوة ببقية المحتاجين قال له بعد تبصر ولحظة ألم «...هل يدور في خلدك يوما انني يمكن ان اطلب لنا شيئا من الدولة؟ هل سمعت ان احدا من ائمة اهل البيت قد طلب لنفسه شيئا من حكام زمانه؟ الذين لو طلب إليهم أحد الائمة شيئا لملأ ركابه ذهبا وفضة...»، الحقها بعتابه الشهير «...لماذا يا ولدي تريد ان يطول وقوفي بين يدي الله يوم الحساب…!!». لكن السيد طلب فعلا قطعة ارض من المتصرف لتشيد عليها (حسينية بعقوبة الجديدة)…

وعلى صعيد الصلح المجتمعي العام يورد الكاتب قصة كتاب (الزهراء) للكاتب محمد كاظم الكفائي الذي «...اشتط شططا كبيرا في بعض ما طرحه في ذلك الكتاب من أفكار… استدعى اثارة جدل واسع بين مكونات المجتمع العراقي… واستنكارا كبيرا لما ورد فيه من أفكار متطرفة بما يؤدي إلى فتنة كبيرة في البلاد». اعتقل الكاتب على أثر اصداره الكتاب فعالجها السيد بحكمته، برسالة للمرجع الخالصي الذي اتخذها اساسا لإنهاء المشكلة، حيث ختمها السيد بقوله «الكتاب يحرق، والكفائي يطلق» فانهاها بفعله، واضعا حدا للتطرف وشيوع الأفكار المنقولة وغياب عقلها واستشراء جمودها.

من جانب آخر يزخر كتاب المدني بشهادات كان السيد يقدم من خلال احداثها، مثالا رائعا يدلل على انسجام منهجه واقرانه فعليا بوقائع الحياة وما تفرزه من خلافات فيعالجها بذهنية متفتحة يقرب بعضها الى الإستحالة في زمن آخر. منها حالات الطلاق المتسرعة التي استدعت احدهم بعد ندمه الى رغبته لتغيير مذهبه الحنفي الى الشيعي ليتخلص من الزام نفسه بالطلاق (ثلاث)ا والتي لا رجوع عنها حسب الامام ابي حنيفة النعمان. فأوصى السيد هذا الشخص على عدم تغيير مذهبه، وكتب «... رسالة بهذا الخصوص إلى مفتي الديار العراقية آنذاك الشيخ امجد الزهاوي رحمه الله يشرح له الواقعة ويطلب منه حلها على وفق مذهب ابي حنيفة». وحادثة اخرى تعلقت بخلاف بين وجهاء بلدة "بلد روز"، وهم من أهل السنة، مع الشيخ صفاء الدين المدرس امام وخطيب جامع بعقوبة الكبير الذي منعهم من دخول المسجد. فأرسل وفدا الى الشيخ يطلب منه حل الاشكال، مع دعوتهم الى الرجوع الى شيخهم والبقاء على مذهبهم. بل حتى اذا ما «اراد الاستشهاد بمرجع أو مصدر ليختتم فانه يقدم مصادر ومراجع المذاهب الإسلامية الاخرى على مذهب اهل البيت». هذا المنهج الذي اعتمده السيد كأساس سلوكي يعد واحدا من النقلات الاجتهادية الكبيرة ادت حسب قول الكاتب «إلى ان يكون هناك الكثير من اهلنا اهل السنة والجماعة ممن يتأمون (بالسيد) في صلاته… لإيمانهم به وثقتهم بمنهجه…» وهذا لا غبار عليه بأي حال من الأحوال.

وهكذا عشرات الاحداث التي تؤشر الى ارساء بنية مجتمعية غير معنية بالعصاب المذهبي والديني عموما، حيث تعامل السيد المدني مع غير المسلمين بنفس الروحية وعلى ذات المنهج فكانوا ممن يحضرون مجالسه بل يستشيرونه بأمورهم ويسرونه بأسرارهم، بما في ذلك عوائلهم التي كانت نساؤها في علاقة وثيقة جدا مع الأخريات وعلى وجه التحديد مع عائلة السيد خصوصا في الأعياد والمناسبات، فيفرد لها الكاتب احيازا مرموقة بالغة الدلالة، كجزء لا يتجزأ من ثقافة المجتمع البعقوبي، فيكون السيد وبيته المثل والمعين والناصح، بل يمكنني القول بأنه أول من نادى بالمساواة على درجة من التطبيق والممارسة. ولا اخفي هنا ان المجتمع البعقوبي كان مهيئا الى حد كبير لفعل من هذا النوع، وربما يرجع ذلك الى عوامل التنوع الموجودة اصلاً فيه، فضلاً على طبيعة (اللواء) المزدانة بالشجر والماء والمنظر الجميل هذه العوامل التي تتمدد بصفاء والفة تجعل النفوس مهيئة لاستقبال ما يماثلها قولا، على خلاف البيئات الأخرى التي تتطلب البحث عن الصورة ونحتها. يتناول المدني في هذا المبحث العلاقة التبادلية التأثرية بين السيد وبعقوبة، فـ «لم يكن الامر سهلا على (السيد) في وصوله إلى قلوب الناس ومشاعرهم وأفكارهم… ومحبتهم وتقديرهم واحترامهم…» ثم يقول «...وكان معروفا عن البعقوبيين دقة ملاحظاتهم وشدة تبصرهم وتعمقهم بالمشاهد والاعمال والافعال». حتى يخلص اعتمادا على صفاء سيرة السيد المدني ونبل اهل المدينة الى نجاح (السيد) « في امتحان المجتمع له نجاحا باهرا وبامتياز جعل قلوب البعقوبيين تلتف حوله وتأوي إلى كنفه بغض النظر عن المذهب أو الدين أو الفكر أو المعتقد».

فأين هذا من ذاك بعد أقل قرن من الزمن. اجزم ان الدين الذي اتبعه السيد المدني هو غير الدين الآن، والطائفة التي خدم رؤيتها للعالم بصفة (إمام العدل نسبة لعلي بن ابي طالب) هي غير الطائفة التي سرقت البلاد الآن، فما ابشع الدين حينما يتحول الى سمسرة وطريقة حياة بلا حياء!. اقول هذا لا لكي اكتب منشورا سياسيا بل لأترك القارئ يتداعى بين زمنين، وللأجيال التي لم تشهد حياة هانئة ان تطالب بحقوقها، بل تكافح ضد المتدينين الفاسدين. وما كتاب المدني الا مفتاحا بأسنان متحركة يفتح ابوابا موصدة مقفلة كانت عصية على الفتح لفترات طويلة متلبّسة بلباس التدين الزائف. ولا أقوّل الكاتب، ولكنني ارى ذلك بأكثر من وضوح لعل الكلام يجزي كل ذي ضمير.

يقول الكاتب «كانت محاضرات (السيد) ودروسه متنوعة في تلك الفترة التي اسميها فترة بناء المجتمع البعقوبي… كان اغلبها في الاخلاق علما وسلوكا...» وهو يوجه خطبته الى عامة الناس، ترى الى اين كان يتجه المجتمع آنذاك، وكيف انقلب في ازمنة جاحدة اخرى رأسا على عقب، اصبح واحد من اركانها رجل دين فاسد، او بالأصح مدعي التدين والحرمات. ترى لماذا قدم السيد أولوياته بالنصح والارشاد والمعايشة والمساعدة، التي أتى الكتاب على شواهد كثيرة منها، على شروط التدين والمذهب الذي يدين به؟. يفضي باطن كتاب المدني الى شروحات مبسطة من بيئة الحياة اوردها بتلقائية ومن دون اجهاد للنص وخالي من الافتعال، سيما وان المدني الإبن المعايش لتجربة الأب كان بوسعه ان يتمدد بنصه الى اكثر من ذلك بكثير لكننا نجد كوابحه بائنة فلم يزد بشيء على اكثر المفاصل أهمية. ولعلني افلسف ذلك فأقول: إن في دمث الأخلاق ما يمنع ويسد باب المديح، سيما وأن السيرة تنتج نفسها بنفسها فهي ليست بحاجة الى اي اكثار أو تأويل، سلوكها مستقيم، هدفها واضح، ولغتها ميسّرة وخالية من أي تعقيد فالسيد «تبسّط في كلامه إلى الاسلوب السهل اليسير المفهوم». ويورد المدني في كتابه عددا من اللطائف الخاصة بشرح المفردات باسلوب ماتع، ناهيك عن كرمه في مخالطة الناس في افراحهم واتراحهم، وتأمينه حقوق المرأة في الزواج فلا يعقد صيغته حتى يرى التسجيل الحكومي للعقد أولا خلافا للعادة السارية لمعظم المشايخ والمراجع حتى يومنا هذا. كذلك الحال بتأمين حياتها بالذهاب للتعليم والمدرسة فهو خير قدوة فبناته من المتعلمات الفاضلات، كذلك زوجة السيد التي يقول عنها ابنها الكاتب «كانت والدتي رحمها الله مثقفة ثقافة راقية… قراءة وكتابة… وعلما وحكمة. وإذا ما سالت نفسي الآن: أين تلقت السيدة الوالدة دراستها وتعليمها؟ لا اجد جوابا لذلك».

هذه السيرة التي نضعها في اطارها المتحرر من عقد الدين والمجتمع بالنسبة الى مرجع كفء غير منافس، فيدعمها بقوله عندما حاول بعض العلماء وابناؤهم احراجه بأن ولده عبد الحليم لم ينحى منهج والده حوزويا وكأنه يحاول احراجه او تسجيل نقطة عليه، فكان جوابه بعد ان «ابتسم تلك الابتسامة الواثقة وقال: سأتكلم ولا ادري ان كان ولدي موجودا أم لا… ولكنني اقول لك بصدق وقناعة… ان ولدي وهو على وضعه الحالي اكثر فائدة واعظم نفعا من ارتدائه الملابس الدينية… وسلوكه الدراسة الحوزوية…». وفي مكان آخر من السيرة يروي الكاتب تنقلاته الدراسية وخياراته الشخصية وخيارات الأب فيقول: «...لكن عظمة (السيد) وفكره المتنور لم يكن يفرض علي ّما لا ارغب فيه...».

اما ما نراه في سياق الكتاب عن سيرة السيد المدني فأنه كان يؤديها كجانب تربوي وتوعوي وكشكل اجتماعي جامع مشفوعا بالدروس من جانب اخلاقي بنّاء يعمر النفوس ويلهمها المبادئ الانسانية في الرضا والمساواة والمحبة، «فكان خطابه توجيهيا اخلاقيا عباديا توحيديا بامتياز…».

وفي واحدة من أثيرات المواقف والمشاركة المجتمعية قرر السيد العودة السريعة الى بعقوبة وقطع دروسه في الحوزة في النجف عندما تعرض حوض نهر ديالى الى فيضانات عارمة في العام 1954، فقد آثر المجازفة بالعودة مصطحبا جميع افراد عائلته غير مباليا بخطورة العودة التي كادت تؤدي بكارثة، متخذا خارطة طريق معقدة تصل غرب البلاد بشرقه، فالفيضانات شملت نهر دجلة وقطّعت السبل فقطعه السيد مع عائلته وابنائه بـ (البلم)، لأجل مشاركة اهل المدينة مصابهم، بل مدينته بقوله: «لابد لي من العودة ولو اضطررت إلى السير على الارجل». ترى ما الذي دفع بالسيد المدني الى مغامرة مع اسرته اليها، يرويها الأبن الشاهد بمشهد درامي اجزم ان قلمه ارتعش لها بعد مرور اكثر من ستين عاما عليها. فالسيد في هذا الجانب مشارك فعلي في المناسبات السعيدة والملمات، وهذا ما خلق توازناً يفتقده الكثير من العلماء بين العاطفة والحس، بين التأثر والفعل، بين الأسى والمساهمة، فكان يدخل حياة البعقوبيين من قلوبهم وحسيتهم بل من فكرهم وميلهم للمشاركة، يعطي مالديه وما وسع علمه ولم يبخل بمعرفته على احد.

وهذا ما يحيلنا الى مفهوم او فكرة (الكرم) فهي ليست صفة للأكل والشراب حسب، انما ما يمنحه العالِم من ثراء العلم والمعرفة بفعله الى البشر، وهي ميزة اختصرها تراثنا للأسف بصفة (حاتمية) وكأننا جياع بطون ولسنا جياع عقول وعمل تحتاج الى غذاء لتساير الشعوب تقدمها وانتاج ثراء لخدمة الإنسانية. وما تبديد الأموال في المناسبات الدينية الكثيرة، بل المتزايدة، خير دليل على ذلك. وهنا اود ان استذكر ما كتبه احد الكتاب الكبار، لا يحضرني اسمه للأسف، بخصوص المنتج الذهني الذي يجب ان يستهدف المساهمة مبينا شروطه بتجاوز الحد وعوامل الخوف. فهل كان علماؤنا على هذا النحو؟. قسم يسير منهم بكل تأكيد والسيد المدني واحد منهم، بل اولهم الذي اخترق المألوف، فأجزم أنه لم يكن مرحبا به من قبل اصولي التجربة التي ما زالت في صراع دائم منذ قرون بين عقلها ونقلها. وهنا نجيب على السؤال لماذا لم يعكف السيد على طباعة مؤلفاته؟ لسببين: اولهما شدة تناقضها مع السائد والثاني الأهم لعدم قناعته شخصياً بمآل تجربته شخصيا فهي لم تكتمل لديه حتى وفاته فأوجز جوابه «...لم يحن الوقت بعد»، اما عاطفيا فكان كمن يُنشد وحده خارج السرب، فأصابه ذلك مقتلاً. وهو الباحث في ثنايا التجارب عن اجوبة تليق بدينه ومذهبه، كالتي اوردها المدني عبد الحليم في كتابه، عن التي شاع عنها بأن الإمام علي «…. اطلق هذه الرخامة من البصرة فوصلت الكوفة ونبتت في ذلك المكان» (النجف)، واشيع عنها ان من تلتقي يديه حولها دخل الجنة. ثم يفسر المدني واقعها بقوله: «وقد عرفت فيما بعد… من (السيد) ان هذه الرخامة هي ساعة لتحديد مواقيت الصلاة عن طريق مراقبة ظلها الذي تطلق الشمس اشعتها عليه…»، والكثير من الشواهد في متن الكتاب التي تؤكد على صلاح التفسير لدى السيد المدني بواقعية خادمة وبعيدة عن الخرافة او التهويل، كما مقتل الحسين الذي يبدأه بتوازن برواية اهل السنة أولاِ بعيدا عن التهويل مفضلًا اثر المصيبة بمغزاها ومثالها كعلامة انسانية من اجل الحق والانصاف وضد الظلم والفساد، مفضلا الخطباء المنتدبين الذي يبتعدون «... عن مخاطبة العامة من الناس…» بما الفوه في سماعهم «...وصولا إلى مخاطبة النخب المثقفة بأسلوب حداثوي يدخل القلوب والعقول...» كذكرى، يقول الكاتب عنها، تستلهم محاربة «...الظلم والفساد والجور والاستبداد...»، فيما يؤكد في مكان آخر على نقد المألوف بهذا الخصوص بقوله « فقد ابتعد بها (اي السيد) عن المبالغات والحركات الاستعراضية التي يقوم بها البعض … والتي ظهر بعضها على وسائل التواصل الاجتماعي في يوم الناس هذا… مما لا يليق بتلك المجالس… ويبعث على السخرية...»، كأن يرمي احدهم عمامته ارضاً فيقول: هل يقبل الحسين ان تنتخبوا العلمانيين الكفار!، والعديد مما يظهر ويجن له العقل ويندى له الجبين على وسائل الاتصال الاجتماعي.

وقبل هذا اوردنا ضمانه حقوق المرأة في الزواج الرسمي مقدما عقده في المحكمة اولاً، بما في ذلك استبداله النص المتعارف (انكحتك نفسي) بـ (زوجتك نفسي) وهو تطبيق لم يجرؤ عليه العلماء حتى وقتنا هذا ويعد واحدا من اساسيات قانون الاحوال المدني. هذا بالإضافة الى طريقته في الطلاق، اي في القضايا التي كانت تحال له من قبل المحكمة الشرعية لكي يتم الطلاق فيها على وفق المذهب الجعفري فيسُمع الطرفين «.. بانه سيجري صيغة الطلاق الشرعي (بطلقة واحدة) وهذه تتيح للزوج مراجعة نفسه اثناء عدة الطلاق واعادة الزوجة…». وبالرغم من اعتراض بعضهم على هذه الصيغة غير انه بقي ملتزما بها طيلة حياته. وربما انقذت هذه الطريقة الكثير من الزيجات من طلاقات محتمة، وتفتيت عوائل بسبب عصاب ما.

لا يخلو كتاب المدني من مسح تاريخي لعقب متعددة لعل ابرزها هي ذيول الحرب العالمية الأولى وانكسار الجيش التركي وانتصار الحلفاء وسقوط العراق بيد القوات البريطانية، ومن ثم خضوعه للانتداب. آثر المدني على صفة توثيقية لهذه الفترة بين الضد والانحياز والتفاهم مع الانكليز مبعدا وجهة نظر شخصية محددة، ولعله محق بذلك. فما زالت هذه المنعطفات المهمة مثار اختلاف وسجال وتفحص واجتهاد من قبل علماء التاريخ والاجتماع. غير انه يضعها في السياق العام لكتابه كأحداث رافقت سيرة السيد المدني. لكن الكاتب وضع تلك المتغيرات من تاريخ العراق كفاتحة لثقافة شعبية جديدة تطالب بالاستقلال والحرية بشكل عام، الحقها بالتفتح الديني لعلماء النجف في فتح تلك المطالبات والكفاح من اجلها. ونحن هنا لا نرى في ذلك ضيرا، حتى وان اختلفنا مع الكاتب او مع مؤرخي تلك الحقبة، بالاستنتاج الذي نميل له كون مناصرة الحكم التركي بصفة جيوشه المقاتلة للإنكليز يعتبر خطوة رجعية فيما لو ابعدت عن السياق التحرري العام.

وبالوقت الذي نؤمن فيه بأن نتف القول تشكل التاريخ الوهمي بسبب اتصاله بالتراث المنتقى، فلا نشك بمسعى الكاتب بأن يضعه في مكانة مناسبة، واحيانا، بل والحال بأكثره، يغيب رأي الكاتب فيه، ربما تعارضا، او لكي لا يفسد مآل الكتاب وهدفه بجعله حكاية مسّيرة عن سيرة العائلة وتوصيفا لحياة واحداث عايشها المدني فوثقها. ومن الملفت ان يقول الكاتب عن ذلك «افترض أيضاً ان هذه الاحداث قد اثرت تأثيرا كبيرا في فكره الوطني وبلورت نهجه التوحيدي الذي سيتبناه طيلة حياته». حيث وضع عبارته من دون موقف محدد بل جعل تأثيرها وطنيا صرفا، بل شفعها بقول لاحق عن فتوى المرجع الشيرازي آنذاك «بلزوم استعمال القوة الدفاعية في حال رفض الانكليز منح العراقيين حقوقهم الوطنية والسياسية». وهذه الفتوى لا يمكن سحبها بأي حال من الأحوال على كونها مناصرة للجيوش العثمانية المتقهقرة، انما هي استفادة من واقع الأمر على الأغلب. وعلى ما يبدو في نهاية المطاف وبعد توافقات «اسدل الستار على المعارك كلها… فعاد المجاهدون إلى اماكن سكناهم...».

وفي جانب آخر نرى في ثنيات الكتاب مواقف أخرى للسيد على صعد اخرى من اهمها اعتراف الشاه بإسرائيل عام 1960 ورفض السيد المدني القاطع لاقامة أية علاقات مع اسرائيل، بل عزز موقفه انذاك في ثلاثة اتجاهات هي مخاطبته الحكومة الإيرانية، وجامعة الدول العربية، والمرجعية الشيعية في النجف التي اتخذت نفس الموقف. ورفض كل محاولات السفارة الايرانية في بغداد بالاتصال به «...مؤكدا لمن اتصل به استعداده لاستقبال أي مسؤول ايراني إذا كان يحمل معه قرار الشاه بإلغاء الاعتراف بالكيان الصهيوني». ومن الملفت انه «...لم يقم بزيارة ايران طيلة حياته مع توقه الشديد الذي كان يصرح به دوما لزيارة ثامن ائمة اهل البيت الامام علي بن موسى الرضا...».

وفي جانب علاقته بأنظمة الحكم التي نأى عنها في حياته، فقد كانت حياته وسيرته المرتكزة على اهتمامه بعامة الناس وتلبية احتياجاتهم مثار اهتمام السلطات بأعلى رؤوسها ابتداء بالزعيم عبد الكريم قاسم والبكر وصدام حسين. فالأول الذي قابله عند مشارف مدينة الثورة مصادفة وهو في طريق عودته الى مدينته اوعز لمتصرف لواء بعقوبة ان يكون السيد اول من ينظم قسائم المحتاجين لقطع سكنية تباع لهم بثمن رمزي، فأحسن السيد توزيعا، والثاني الذي كان على علاقة معه فترتين وخصه بمبلغ من المال انفقه السيد لفرش الحسينية ولم يمسسه بيده. ومن المهم ان نذكر هنا ان جميع الهدايا المالية التي قُدمت للسيد المدني جرى صرفها على اعادة بناء حسينية بعقوبة ومشاريع خيرية، بعد استئذان مقدميها بأنها ستحول لهذا الغرض، بما فيها الهدايا المشروطة ذات الخصوصية الشديدة، وفي واحدة منها قال السيد مخاطبا ابنه كاتب الكتاب: «يا ولدي ان أحد اصحابنا المؤمنين قد قدم لي هدية شخصية مقدارها أربعمائة دينار مشترطا صرف هذه الهدية لزواج ولدي الاكبر… وانا ارجوك الآن ان تسمح لي ان اصرف هذا المبلغ لبناء مأذنة للحسينية.

اما صدام الذي زاره ببيته فقد اطلق سراح عدد من المحتجزين المناوئين لنظام حكمه من آل بحر العلوم وغيرهم الذين ذكر الكاتب اسماء بعضهم، من بينهم اربعون سيدة. نضيف هنا حدسنا على أن صدام ونظامه حاول ارضاء السيد او استمالته، بل أن يكون حياديا، فسارع السيد الى حتفه في حزيران 1991 قبل ان تتمكن منه الضغوط، وهذا حسب رأينا وتأويلنا لنص المدني الخاص بهذا الجانب، حيث يقول المدني في كتابه عن اللقاء «...لا اريد ان ادخل في تفاصيله الدقيقة… لكنني اصفه الآن فأقول انه كان حديثا صريحا بل في غاية الصراحة».

تناول كتاب المدني على نحو واسع المراجع الدينية واهتماماتها ومهماتها بما فيها مساعدة المعوزين وبناء المدارس والمستشفيات، وتوقف كثيرا عند فكرة الاجتهاد والمجتهد الذي يتوجب عليه ان يأتي بشيء جديد. ومن ثم المرجعية العليا ومواصفات المرجع. ولعل لنا توقف قصير هنا فالخلاف الاصولي والعقلي ظاهر لحد بعيد ويبنى على اساس التفكُر وتفسير النص تماشيا مع الزمن، في وقت ترجع بعض فروع اهل السنة الى اصول النص والتمسك به، وهذا ما جرى الاعتماد عليه لاحقا في الرؤية الاصولية التي انتجت التشدد والعنف ومن ثم الارهاب في زمننا الحالي، وهو الامر الذي يعارضه علماء الشيعة بالاعتماد الكامل على النص الأساس بما فيها مذاهب اهل السنة غير المتشددة التي تتماثل مع هذا التطبيق اي بالتفسير المتزامن مع ما تنتجه حركة المجتمع من اسئلة فلا بد من تفسير النص عقليا من جديد. هذه الرؤية غير منحازة بحيث لا ننفي اعتماد بعض اقترانات الاسلام السياسي الشيعي على مستوى واحد في الاتفاق بالنظرة الاصولية الخالية من الاجتهاد والتجديد، بل الاعتماد على النص في حالة اختصار مطلق، وهنا تمحى مساحات الاختلاف من كلا الجانبين، بل يصار الى قراءة قرآنية سطحية بحيث «ترفض كل المراحل التاريخية المتعاقبة» حسب الأستاذ فضل شلق في كتاب (الاستشراق والتراث). فما كان من السيد المدني الا ان يستأثر بالنأي عن المرجعية والتقليد على مدار حياته، ايمانا منه بطقوسية الدين وليس تسيسه، وهو منهج ائمتهم وأولهم علي بن أبي طالب. أما تفسير الكاتب المدني لهذا بـ «انه لم يحل بينه وبين هذه المنزلة الرفيعة غير تواضعه وعظيم زهده وشدة خشيته من الله». ويؤكد المدني في كتابه في موقع آخر عن الموضوع ذاته بقول السيد عن عدم طبعه لرسالته «...بانه فعل ذلك احتراما للمراجع العليا… كل في زمنه… فان طبع الرسالة العلمية يوحي بان مؤلفها له رغبة في التصدي لموقع المرجعية العليا... ويريد ان يسد الباب على من قد يفكر هذا التفكير لأنه يزهد عن هذا الموضوع تماما مع اهليته له واستحقاقه لذلك». غيرأننا نختلف معه بهذا القدر او ذاك، على الرغم من تشابه الإحالة، فعلى الأغلب ان السيد هو الأدرى بواقع الصراع على المرجعية كهدف نهائي للمراجع.

من جانب آخر ارى في هذا النأي مؤاخذة خصوصا بمقدار تعلقها بالعدل لحين ظهور امامهم الغائب المهدي كضرورة غائبة ظهرت عيوبها في الاسلام السياسي الشيعي في كل من ايران والعراق بعد 2003، حتى ذهب الأمر بالرئيس الايراني الأسبق احمدي نجاتي بالغلو بأن أمريكا تحارب ايران لكي تؤخر ظهور المهدي. ولعل اختلاف المراجع الشيعية وفقائهم في صلاة الجمعة، وجوبها وعدم وجوبها، لها منحى سياسي واضح، حيث يلقي الكتاب الضوء عليها بشيء من التفصيل مبتعدا عن اي رأي شخصي. يقول الكاتب في كتابه «...وإذا كانت المذاهب الإسلامية الأربعة قد حكمت بوجوب صلاة الجمعة بتفاصيلها وشرائطها الخاصة والعامة… فان علماء مذهب اهل البيت قد مضوا على استحباب صلاة الجمعة في زمن الغيبة ووضعوا شروطا لوجوبها. وبقي جمهور علماء مذهب اهل البيت على هذا السياق… عدا ما ظهر من الامام الشيخ محمد الخالصي الكاظمي رحمه الله… إذ كان يرى وجوب صلاة الجمعة…». ثم يعرج الكاتب في هذا السياق الى أهم المفاصل التي رافقت الإفتاء بوجوبها بدءًا من المرجع السيد محمد صادق الصدر الذي كان له الريادة في ذلك، والحديث لنا، حيث نعتبرها اداة مناهضة للسياسي المألوف وليس نهجا طقوسيا عباديا حسب ظننا، وما سيرة المرجع ومقتله على يد النظام الصدامي خير دليل على ما نقول. اما في اوقات متأخرة اي ما بعد التغيير او الاحتلال في 2003 فأن المراجع الشيعية اجمعت على وجوبها، لكن فسحة من الخلاف ما زالت بائنة في فهم (ولاية الفقيه)، لكننا وفي كل الأحوال نرى في وجوبها حاليا، وكما، اسلفنا استحقاقا سياسيا اكثر مما هو طقوسيا عباديا، وينطوي على درجة كبيرة من خطورة الاستخدام للوعي الجمعي وتوجيهه باتجاه محدد، وللأسف في جانب كبير منه يتقصد تعمية الوعي بل تكريس التخلف المجتمعي من جانب ارضائي طائفي ممعن بخلق العدو الايدلوجي المتمثل بالعلماني او المادي وخلط المفاهيم بعضها ببعض، بالإضافة الى تحويل كل مساهمة ارضية الى احالة سماوية خالصة، وكأن استمرار انقطاع الكهرباء مثلا لمدة ثلاثة عشر عاما أمرا الهيا خاصا بالرغم من هدر مليارات الدولارات في استخدام مفسد من اجل اعادتها. وعندما نضيف تحولات المجتمع المتراجعة بعد التغيير على ايدي الطائفة الشيعية، بصفة الحكام، مدعومة بأهل السنة ممن قبضوا على آلة الايمان بصفة رديكالية وبمباركة اقليمية ودولية نكون قد وصلنا الى استنتاج عن القيمة المادية الواقعية لاستغلال المفهموم الديني بصفة العامة والسيطرة على عقولهم وتوجيهها حسب الأهواء للأسف، ومن ثم جعل المادة التراثية المنقولة والمبتدعة بمثابة مقياس التجربة، بل المرجع الأساس في كل هذا، فاصبح العنصر الأساس الذي جعل الدين، واقولها من دون تردد، كتلة من النفاق. ووقت الحاقها بالنص المقدس والسيرة المنقولة حسب الأهواء مقرونة بعدوان جامح على قيم العلم والحداثة والتطور، وكأن الخالق ارسل كتابا لم تنسخ اياته ولم تفسر الا ظاهريا، يصبح المجتمع من الرداءة بحيث لا يمكن اصلاحه فتكون آنذاك قد حفرت الثقافة اخاديدها الرهيبة المميتة. وبهذا انهي استرسالي كي لا اؤثر على متابعتي مفاصل كتاب المدني الشيق.

يشتمل كتاب المدني على عشرات الطرائف التي تشكلت منها سيرته شخصيا في طفولته وشبابه، وسيعثر عليها القارئ بسهولة وسيستأنس لها، فيما نخفف نحن هنا متابعتها. ولعلنا نجد في تلك الطرائف وشقاوات الطفولة لمحة طيبة جَهَدَ المدني من خلالها الى تخفيف النص، فهو يتحدث عن سيرة عالم مهم من العلماء، فما دخل هذا بذاك؟. اقول ان النشاط السردي المعقد لا بد من اشتماله على مرفق كأن يكون جماليا أو حسياً او حتى حكائيا مبثوثا بتأني، بحيث لا يؤثر على مسار النص. وضع المدني تلك الطرائف والحكايات لسببين الاول: كشف سيرته الذاتية كأنسان كامل المواصفات العادية، فلم يتأخر بالقول حتى وان اشّرت الى شقاوته. اما السبب الأهم فهي استراحات نصية يعرفها الكاتب المحترف، بحيث يستشعر ضرورة وجودها وانتهائها معا. لذلك يمكننا القول ان نص المدني كان اقرب الى الحكاية منه الى التوثيق الجامد المليء بالمعرفة والجفاف ككتاب بحثي. فأضاف ذلك روحا ثالثة للكتاب بعد السيرة والتوثيق وهي الطرفة والدعابة التي ساعدت القارئ على الاسترسال بالقراءة الماتعة وغير المملة كي ينهي زهاء ستمائة صفحة بيسر ومتعة. فلا يسعنا هنا الا ان نهنئ المدني على منهجية مبسطة مفعمة بالحياة يساهم فيها القارئ على قدر كبير من الرغبة وشعوره بالامتنان.

في معرض تناولنا لكتاب المدني لاحظنا اعتماده منهجية سردية تلقائية غير مبوبة حسب احداثها زمنيا لحد ما، فقد اعتمد الكاتب سيرة الأب والعائلة والمجتمع البعقوبي من زوايا أخرى قدمها على الحدث التاريخي اصلا. وهذا ما يحسب في صالح الكتاب، فمهمته هي في الواقع تنمو باتجاهين هما سيرة الابن المرافق، وسيرة المدينة، مجموعتان معشقتان في سيرة وشخصية السيد المدني، وعليها تقوم عددا من الذكريات والاحداث والكثير من الاختلافات اذا ما امعنا النظر في سلوكية النص. ولعل من ابرزها، أو ما يفيد زمننا الذي نعيش، هو منحى السيد المدني بجعل الدين طقسا عباديا صرفا غير معني بالسياسة بالمعنى الدقيق للمحاولة، وقد جاءت استشهادات الكاتب في هذا المضمون او توزعت على فصول واحداث كثيرة. اما في جانبه المحرض فأنه يكمن في الاداء النهضوي العام في مقاومة الظلم والظالمين واعتماد المساواة كمبدأ انساني نبيل. يشير الكاتب المدني الى ذلك بوضوح مدهش ويكاد يقول (كان السيد علمانيا ) بل قالها من دون ان يقلها ككلمة: «لقد تجلت آراؤه (اي السيد) وبعد نظره في عدم تسييس الدين أولا… ثم جعل السياسة في خدمة الدين وليس العكس ثانيا. وقد حافظ على هذه النظرية طيلة حياته إلى آخر يوم فيها… لم يحد عنها حتى مع تبدل الحكومات وتغيرها منذ العهد الملكي حتى رحيله...».

ثم في معرض تناوله للأحداث التي شكلت اهم المنعطفات في توجيه العراق واهمها (14تموز ) وما رافقها من صراعات دموية، فلم تحظ (الثورة) على برقية تأييد من السيد بل نأى بمنزلته الدينية عن السياسي القائم وكأنه يرسل رسالة قوية لكل المراجع الا تحشر نفسها في جو الانقباضات، فمع كل الضغوط «...كانت قرارات (السيد) واضحة جلية… لا تدخّل لمرجعيته الدينية في الامور السياسية وخاصة الخلافية منها التي تؤيد جانبا على جانب آخر...». ثم يتابع الكاتب الحاحه في هذا الجانب في فصول اخرى، فيقول: «أن (السيد) كان واضحا جدا. فهو لا يوافق على تسييس الدين… ولا يقحم الدين في المواقف السياسية الا في الجانب الذي يحافظ على وحدة المجتمع وتماسكه وعدم تشتته بفعل تلك المواقف».

ولعل من عيون المواقف الوطنية للسيد هو رفضه، بل مقاومته، «...اشد الضغوط التي مورست عليه محاولة الكثيرين وطلبهم إليه اصدار فتوى (تكفير الشيوعية)»، وحسب معلوماتي التي سمعتها من الأهل والمعاصرين لتلك الفترة ان السيد المدني كان يمر بمقاه وتجمعات الشيوعيين، يستقبلهم ويتحدث اليهم بمودة، وقد اكد هذا الكاتب المدني في كتابه. ولم يفت الكاتب ذكر فتوى عبد المحسن الحكيم آنذاك (الشيوعية كفر والحاد)، بقوله: «فقد اصدر المرجع الاعلى الامام السيد محسن الحكيم (..) فتوى نصت على: (ان الشيوعية كفر وإلحاد)… وبالتالي فان على من يؤيد المبادئ الشيوعية ان يتوب إلى الله وان يتبرّأ من الشيوعية. وقد حفلت الصحف الصادرة في ذلك الوقت بمئات من اعلانات البراءة من الشيوعية… (التي اطلق البعض عليها مصطلح المبادئ الهدامة… ومن مؤيديها. وتبع ذلك انحسار كبير لتلك الاحزاب ومؤيديها الذين كان يزخر بهم الشارع والمجتمع العراقي».

تلك الفتوى التي ذبحت اعداد غير قليلة من اخيار المجتمع. وهنا نحن امام نقيضان، الأول: مرجع انساني يتخذ من المساواة مبداً للرشاد، والثاني: مرجع بوليسي يضع الدين في خدمة السياسة، وعلى هذا نضع نهج السيد المدني في موضع العدالة الاجتماعية، بل في خانة تأسيس المجتمع العلماني المتحضر، فيما كان الآخر في منزلة سيلاحق التاريخ شخصه ومذهبه بسببها الى الأبد حتى يتم الاعتذار عنها، ولعل ما نشهده اليوم من رثاء لجسم البلاد وما آل له العراق من خراب، هو امتداد لعقلية فرع التدين الشيعي المتخلف المتمثل بالاسلام الشيعي الرديكالي الذي ابتعد اصلا عن فكر الامامية التوحيدي واولهم امامهم علي بن ابي طالب، فما بالك في استهتارهم بقيم المجتمع الدولي الخاصة بالعدالة والمساواة وحقوق الإنسان، سيما ان بعض المنابر الأممية اتخذت من بعض العبارات لـ علي ابن ابي طالب شعارات انسانية صافية ترجمتها الى جميع اللغات واجلستها مكانتها التي تستحق. ويمكننا القول وبناء على ما تناقل عن سيرة السيد المدني وما كتبه الابن، ان السيد عبد الكريم المدني كان صمام الأمان كذلك في حماية ابناء اتباع الديانات الأخرى من الاقليات الدينية، حيث يروي الكاتب عددا منها وهي على مستوى من الأهمية تعكس تصديه للأفكار التي بدأت تظهر مع التشدد القومي والديني على اختلافه في تلك الحقبة، منها مواجهته للتحريض على الصابئة من قبل بعض المحرضين، فبعد موجة غضب شديد قال «ان (الصابئة) هم اقرب الناس لنا… ولم يصدر منهم طيلة تاريخهم ما يسيء إلى أي أحد… وان من آذاهم فكأنما قد آذاه شخصيا». ولعل الحادثة التي تطرقنا لها سابقا كمظهر وواجب توحيدي تلك التي تعلقت بمقولته الأثيرة في قضاء الخالص «فو الله انا شيعي… ووالله انا سني»، كانت تقف بشموخ غير مسبوق في تصديه لدرء الفتن والفرقة المجتمعية على اساس مذهبي او طائفي. نلحق بذلك مبدأ المساواة والعدالة لدى السيد بقوله للزعيم عبد الكريم قاسم حينما التقاه صدفة في طريق عودته الى بعقوبة «... ونامل منك العدل فهو أساس صلاح المجتمعات والدول..». وطالما تعلق الأمر بالدولة فالعدل بمنطق السيد هو واجب مدني صرف معشقا بجانبه القانوني، ومن ثم بتقدم المجتمعات، وهذه اشارة اخرى تدل على رؤية علمانية سديدة لمرجع ديني له منهجه الخاص.

من جانب آخر ينصف كتاب المدني بعض العلماء والمراجع في تلك الفترات ممن «تبنوا الحركة الوطنية» والتي كان الشيوعيون مثالها آنذاك «فكل المعارضين للحكومة كان يطلق عليهم مصطلح شيوعيين» ثم يقول: «ولعل ابرز تلك الاسماء من المراجع العظام الذين تبنوا الحركة الوطنية وساندوها بشكل واضح وجلي هو الامام المصلح الديني الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء...». وهنا نضيف فرعا ثالثا من المرجعيات، وهو الذي ساهم الى حد بعيد في تأسيس رؤية وطنية لأتباع المذهب الجعفري وابقائه في مكانة رفض السلطة ومظالمها، وبهذا يكون كتاب المدني قد غطى هذا الجانب واحسنه على اكمل وجه.

في جانبه الثقافي، فبالاضافة الى دوره، اي السيد، في الوعظ والنصح والاخلاق، عكف ان تكون الثقافة العامة الهادفة جزءًا لا يتجزأ من رسالته الإنسانية فشرع بتأسيس مكتبة جامعة تحدث عنها الكاتب بقوله: «وكان الصرف مفتوحا من قبله على تزويد المكتبة بالموسوعات والدورات والدوريات والمصادر والمراجع والكتب العامة في كل العلوم والآداب والثقافات في كل جوانب الحياة الدينية والعلمية والاجتماعية والمعرفية… حتى غدت في التسعينيات من القرن الماضي اهم المؤسسات العلمية التي استفادت منها اجيال من طلبة العلم في بعقوبة وديالى على كافة المستويات والصعد الدراسية والمعرفية والثقافية».

ومن جانبي كشاهد على هذا اقول: انني اطلعت على تلك المكتبة في صباي حيث كان اخي المرحوم عدنان مطر يقوم بتجليدها واخراج كتبها بهيئة جميلة لتصطف بانسجام وانتظام على الرفوف، وكنت اساعد اخي بتجليدها في بيتنا فكانت تصل الوجبات اسبوعياً، واشهد ان تلك الكتب كان اكثر من نصفها ليس دينيا وقد تعلمت منها الكثير، فأنها احتوت على كتب السيرة والملاحم والتاريخ والادب والعلم والترجمة والمجلات العلمية التي كانت تجلد حسب فصولها.

وما زلنا في الجانب الثقافي حيث يؤكد الكاتب مرة اخرى وهو في معرض انصافه للعقد الستيني، وهذا في فصل وموقع آخر من كتابه، فكما ذكرنا فأن السيرة متداخلة ومتأثرة بالاحداث فيقول «بل كان امر (السيد) واضحا في نشر المعارف والثقافة والفنون والآداب وسائر العلوم دون النظر إلى الاختلاف في المذهب أو الدين أو العقيدة أو الايديولوجيا الفكرية...» ثم يكمل على درجة من الافصاح والجرأة، بل المسؤولية، فيقول: «ومن هنا كانت عظمة (السيد) في فكره المنفتح المتجدد ونظرته للمستقبل التي تفوقت على نظر الكثيرين من العلماء ومراجع الدين». واذا ننظر الى هذه المسألة في جانبها التقدمي فأننا في واقع الأمر نقوم ليس بالثناء او اظهار الإعجاب بالسيرة وانما بالانبهار الذي طالما انتظره العلمانيون من رجل دين؛ اذ يضعنا المؤلف بعد حين في سياقات معرفية جديدة في التعاطي والتأثير وبالرد على تساؤلات مجتمعية «...وخيارات فكرية وايديولوجية متعددة تتفاوت بين الفكر الماركسي والاشتراكي والقومي والإسلام السياسي وحتى التيار الالحادي..».

في هذا المبحث (الثقافي) الذي توزع على مساحة النص يؤشر الى سلوكية منضبطة ذات هدف واضح، بعيدة عن المجاملات المجتمعية والسياسية، لكنها تدخل في سياق المؤسسة التي هو، (اي السيد المدني) بصدد رقيها لتنال مشروعيتها الاجتماعية الجامعة وتختص بالطقوسية والارشادية كوسيلة لخدمة البشر، يقول الكاتب المدني على هذا الانفتاح بقوله: «...دون تحديد لنوعية السائلين من حيث العمر والثقافة والفكر والمذهب والدين...». ومن الطريف ان يذكر الكاتب ان تلك المراسلات بين عامة الناس وبين السيد جرى تصنيفها مناطقياً وليس بحسب نوعها، ولربما كان ذلك بسبب مقياس النزوع المجتمعي من حيث الأسئلة او مستويات التفكير او الانشغالات الجامعة، «...وكان (السيد) يسميها بأسماء الاماكن التي وردت منها. فكانت هناك الرسالة الهويدرية والرسالة الخرناباتية والرسالة الخالصية...».فيمكنني القول لإثبات استنتاجي الشخصي ان عددا من القرى والنواحي في ديالى كانت تطبع بطابع عام مثال ذلك قرية او ناحية بهرز التي كانت تدعى في ذلك الزمن بـ"موسكو الصغرى".

نلحق بهذا المبحث الجو المناسباتي الاحتفالي للمناسبات الدينية والتي ارتأى السيد المدني ان تنال مأثرتها الرمزية قبل كل شيء والتي وسمت بـ (هيئة المشاريع الخيرية في حسينية بعقوبة) والتي جرى تطوير فكرتها لتكون مرتكزا ثقافياً عاماً، «...بعد التطور الاجتماعي والتنوع الثقافي والمعرفي...» في حقبة الستينيات فطورت الفعاليات «..تبعا لتطور المجتمع »، فكانت الاحتفالات الدينية، وانا اتذكرها شخصيا، تتسم بجمالية وزينة البيوت والمحال والشوارع، ومن جانبها اخذت الهيئة باستضافة «الاسماء البارزة من العلماء والادباء والمثقفين لإحياء تلك المناسبات...». ولعل ابرز الأمثلة، كما اورد الكاتب ونحن معه، عن ولادة امام الشيعة الأول (علي بن ابي طالب) بقوله : ان المناسبة مناسبة تعلو على المذاهب والاديان. فعلي ابن ابي طالب هو رجل الانسانية جمعاء… مرددا مقولة المفكر اللبناني المسيحي جرج جرداق ان عليّا هو (صوت العدالة الانسانية). فنستدل من خلال ما تقدم على مؤشرات ذات ارتدادات قيمية تعكس فعليا تطور القيم المعرفية والإجتماعية الجامعة في مدينة متنوعة الاثنيات والأديان والطوائف، وعلى الأغلب بل من المؤكد ان السيد المدني ادرك تنوعها باكرا فأعتمد منهجا لا اصفه (بالتسامح) ولكن بالمساواة والاعتدال والمدنية.

والآن يمكننا العودة الى جانب مهم يتعلق بالأموال الخاصة بالزكاة والخمس. حيث ذهب المؤلف، وبضوء عدد من الحكايات الى توضيح اوجه جمعها وصرفها على مدار النص، ولا نخفي هنا انطباعنا واعجابنا باسترسال الكاتب بالوصول الى غايته في تبيان انضباط السيد المدني والتزامه الصارم بمنهجية الصرف كونها تخص الفقراء والمعوزين ومن ثم المشاريع الخيرية وغيرها من الأمور ذات الفائدة المجتمعية كالمستشفيات والمدارس ونحوها. من جانب آخر، وهو ما نحن بصدده الآن، انصرافه عن استخدامها لحاجته الشخصية بالرغم من حاجة العائلة الماسة لمواصلة عيشها المتواضع، فعلى ما يبدو ان للسيد حسابات دقيقة تحدد حقوقه الشرعية منها. وهنا نتوقف عند حادثة مفصلية ذكرها الكاتب كشفت الى حد بعيد تورط المرجعيات وسماحهم لأنفسهم في تحليل اوجه صرفها كمنافع شخصية بحته. كان ذلك على اثر حاجة عائلة السيد لسكن مناسب، فبعد الحديث والتباحث على شراء بيت وتعلق الأمر بمبلغ (الف وأربعمائة دينار)… فالسيد قال كلمته التي تماشت مع سيرته المنضبطة التي سنذكرها بعد سطور. واذا اعتبرنا موقفه متوقعا ولا غرابة فيه، فأننا نصاب بالغثيان عندما يقارن الكاتب ضمنيا هذا الموقف بمواقف بعض المرجعيات، واظنها المرجعيات المهمة والتي مازالت على رأس الفصائل الشيعية التي تحولت في وقتنا هذا الى احزاب حاكمة او مساهمة، بأنها كانت تستخدم الاموال لأغراضها ومنفعتها فيقول: ابتدأ (السيد) بالجواب ذاكرا ان الاموال التي لديه ليست لشراء الدور… وليس من مواردها شراء دار له. وكان هذا رايه الذي التزم به طوال حياته المباركة مع ان غيره من المراجع العظام والعلماء الاعلام لم يكن يرى ذلك… بل كانت فتاواهم تبين انه ينبغي شراء مسكن يليق بالمرجع… ليس ذلك فحسب بل ان بعضا من المراجع يرى توفير بيوت لأبنائهم بما يعزز مركز المرجعية وهيبتها وشأنيتها... ولكن أين ذلك من رأي وفتاوى السيد؟؟.

لا تعليق لدينا بطبيعة الحال فالكاتب قال ما عرفه بوضوح مؤلم، ولكن التساؤل الذي يقدح في الذهن: ترى الى أي مدى تصرفت ذات المرجعيات بموارد العراق بعد ان امتكلت أمر التصرف بها بعد 2003. بل ماهي مصداقيتها في صراخها على الحفاظ على اموال العراق واجياله والقضاء على الفساد بعد ثلاثة عشر عاما؟.. بل ذهبت الى توفير مناخ مستدام لإنتاج الأزمات واستمرارها، تلك الاستدامة التي تأسست على الإبقاء على جوهر الانحطاط والتخلف وحاجة الناس ففاقت ما قام به صدام بجعلها (مكارم) ادت الى اضمحلال الشخصية العراقية وتفعيل عوامل ضعفها واعتدادها وانفتها، وإن ذكرنا أمثلة فلا يسعها مقالنا هذا، انما نترك لقارئنا أمر قدحها بذهنه كما الكهرباء التي لم تقدح منذ ذاك! او كما يعطى للإنسان البسيط ساعة او بطانية مقابل صوته مع حلفان بأحد الائمة!!.

في جانب آخر يورد في كتاب المدني الكثير من اللمحات التي تمتاز بصفة الوطنية والمواقف القومية. فكما ذكرنا حياديته في الفترة القاسمية، وميله للمظلومين بعد انقلاب شباط عام ٦٣ ورفضه اصدار فتوى ضد الشيوعيين، نجد ما يسبقها وما يليها على وفق المنهجية ذاتها. «وكم وقف بشخصه دريئة في وجه فتن سياسية واجتماعية وطائفية عاتية يعالجها بحكمته وشجاعته وبعد نظره. فجنّب بعقوبة احداثا دامية كادت تعصف بها كما عصفت بغيرها من مدن العراق ونواحيه وقراه في عام 1959م وعام 1963 وعام 1968م ».

واشرنا في معرض تناولنا لفترة التحول في عشرينيات القرن الماضي، والآن بصدد فترة 56 ابان العدوان الثلاثي على مصر، ومن ثم حرب الـ 67 وبعدها حرب الـ 73 فنجد جامعها المشترك في ذهنية وغيرة وطنية في سيرة السيد المدني فقال عن الاولى «ان ما اصاب المسلمين من تأخر وخذلان لا يرجع أو يعز لغير سوء الراي والتدبير وعدم التشاور والتعاون…». ومن ثم قوله «...تطهير الارض من الصهيونية… تلك الجرثومة الخبيثة والعضو الفاسد الذي لا علاج الا بقطعه ولا عذر لنا الا بمحوه…». ولم يقل اليهودية كما يرطن القوميون المتشددون الذين تاجروا بالشعارات والهتافات التي لم تجلب الا وبالاً على الشعوب. وبالقدر الذي نحمّل فيه النزوع المتشدد للمرجعيات الدينية ضد قوى التحرر والديمقراطية الا اننا نجد في سيرة السيد المدني خيطا يوصل منهجه ببعضه فلا يشذ بموقف او فتوة، يقول الكاتب عنها «...هذا يضاف إلى ما حمله (السيد) من هموم الوطن العراقي وهموم الإسلام والمسلمين. فما زلت اشعر بحرقته وهو يعيش هزيمة الانظمة العربية في حرب حزيران التي سطرها بدمه على الورق...». ومن المهم ان نذكر هنا فتوته الشهيرة عن الصيام بقوله «ان كان الصوم يشكل عائقا امام قيامهم بواجبهم القتالي… فلا مانع من أن يفطروا… ويقضوا تلك الايام فيما بعد». وهو الكلام الذي افتى به الى المقاتلين العراقيين على الجبهة السورية في عام 73، يقول الكاتب عن ذلك « واكاد اجزم ان تلك الفتوى كانت الوحيدة التي صدرت عن أي مرجع ديني من مراجع الشيعة والسنة على حد علمي». وبما انها صادرة من مرجع ديني معروف «...فمن الطبيعي انها كانت تشمل كل المقاتلين على جبهات القتال مع العدو الصهيوني..».

ومن بين ما بحثه الكاتب هو الوضع العام ابان الحرب العراقية الإيرانية وما انطوت عليه من مآس، وضغوط على المراجع اولهم المرجع الخوئي والسيد المدني الذي جابهها بحكمة اغاضت السلطات، فلم تستطع بكل جبروتها ان تجعله منحازا للحرب، كان ذلك «...بطلب مباشر من السيد خالد طبرة امين سر الحزب والسيد حسين الحارثي محافظ ديالى...» باصدار فتوى مكتوبة بدعم الحرب وبكلمة يلقيها على الملأ، «...فان هناك واجبا على علماء الدين بالحث على القتال والدفاع عن البلد ومؤازرة الدولة وحث المجتمع على ذلك». وهذا ما لم يجداه في جواب (السيد) الذي اختص الابن عبد الحليم بالنيابة عنه بالقاء الكلمة التي امتعض منها المسؤولون لانها لم تتجاوز الحدود التي رسمها له السيد وقالها للمسؤولين مباشرة في لقائه معهما في بيته «...بان يجنب العراق وبلاد المسلمين ويلات الفتن والحروب داعيا إلى التوحد بدل التفرق وحل المشاكل بالطريقة التي دعا إليها الله تعالى في محكم كتابه المجيد بالحكمة والموعظة الحسنة... ». حتى تم استدعاء الابن من قبل المحافظ الذي قال له «...ان هذه الكلمة ليست هي المطلوبة… وان المطلوب هو تأييد موقف السلطة بشكل واضح وصريح...».

وهذا ما كان له اثرا في عقاب العائلة وبالاخص ابناء السيد من فرص الايفاد الى الخارج او اكمال تحصيلهم العالي في العراق انذاك، حيث يروي الكاتب تفصيلات مثيرة تعكس دناءة المسؤولين الحكوميين وتلاعبهم بمقدرات العلم والمعرفة. يقول عنها الكاتب «وقد علمت بعدئذ ان الذين يقبلون هم من كانوا حاصلين على عضوية الحزب الحاكم». وتحت طائل هذه الإجراءات التعسفية تم غدر الكثير من الطاقات والمتفوقين اصلا لهذا السبب لا غير. فيمكننا بسهولة متابعة كرونولوجيا التعليم وتدني مستوياته خلال سنوات حكم البعث الذي انتج ثقافة الخنوع والانحطاط بما فيه ما نشهده واقعاً مستمراً بعد التغيير او الاحتلال.

اما بقدر ما يتعلق الأمر برأينا فأننا ننظر لفكرة الوطن والمواطنة على درجة سامية من جميع الأخريات، واذ نقدّر اننا بصدد عالم ورجل دين فلا يسعنا الا ان نضع، حتى ميله للدين الى ما شاغله على نحو اشد وهو بناء الانسان ومساواته بأخيه الانسان كمخلوق جاء ليعيش على الأرض بغض النظر عن اي تأويل روحاني او مادي. يقول الكاتب «لقد زرع هذا المنهج الفكري ما كان يبتغيه (السيد) من الوئام والتلاحم.. » فيبقي على مسافة واحدة من الجميع ان لم نقل كان له التأثير الكبير في ارساء ثقافة التآخي والسلم المجتمعي من باب جعل الممارسة الميدانية كواقع حال. ونحن بذلك لا نستزيد على السيرة ولا نكبر حجم تأثيرها فهي تبقى في سياق التدين وروحانيتها من اوجه محدثة يقتدى بها.

سرديات اخرى

آثر الكاتب ان يجعل كتابه سيرة متعشقة بعضها ببعض من عدة نواحي، ولها غرضان الاول ما عرضنا اليه بصفة السيد المدني، وثانيهما سيرة الكاتب ذاته ومع عائلته والتي جاءت على نحو ذكريات وتداعيات ورغبات واستعادات وطرائف.. وكل ما له من صلة بإنسان عاشق ورث المحبة عن المحبة ذاتها، اسرته المدينة، طبيعتها، اهلها، رفاقه، كل شيء فيها، فلم يكن له رجاء سوى الاسترخاء واطلاق العنان لذاكرة اسعدت الوجوه التي قابلتهم، وارخت النسيم على زمن تفتح على الجمال والرضا، على الصبا والمغامرة، على الشقاوة والفتوة، على الرجولة والموقف، على ما ضاع ولم يضع فتلقفته القلوب فتعطرت باجمل الذكريات.

ونحن اذ نكتفي بوقوفنا على اهم مرتكزات الكتاب نتناول كذلك ميزة السرد لدى المدني، واولها حركيته وتنقلاتها المغامرة، حيث امتاز كتابه، الذي اعتمد على الذاكرة كليا، عدا بعض المرسلات والمنقولات فلا نطرق لها باعتبارها وثائق داعمة لجهده، كذلك سيرة العائلة بشخوصها الكثيرة، وهي بمثابة انوار هادية لتأخذ الحبكة وجودها المناسب فاختلفت من دون صناعة مرهقة، وكانت وافرة المتعة ببينيتها ودلالاتها بما فيها الطرائف والحكايات الماتعة، وبعمومها تؤشر الى رغبة الكاتب لجعل ما كان بصدده شفافا بغير رتوش، تضحك معه احيانا وتندهش بنفس دهشته. هذه التلقائية مكنت المادة الكتابية، أو وثقت، علاقتها بالقارئ الذي تفاجأ اكثر من مرة بسلاسة نصية غالبا ما تغيب في نصوص مماثلة. أما التراكيب اللغوية فتدل بساطتها على مكنة واحترافية الكاتب المدني فتقرب كتابته للسيرة من الرواية بالكثير ولو اراد ذلك لفعل من دون اي مشاق. وهذه الصفة السردية التي اعانته على انتاج كتاب ضخم يقرب من ستمائة صفحة تدعوني ان اقول للكاتب: اكتب الرواية ايها المدني فأنت قادر عليها، اقول ذلك كقارئ وناقد مسؤول عن نظام وسياقات غير مجاملة. ومن هنا اخرج دعوتي لمن يكتب السيرة ان يكتبها بليونة كما فعل المدني بحيث يبعد نصه عن اي جمود، وتحضرني كتابات كارل ماركس الفلسفية والفكرية التي كتبها بجمالية وعذوبة فاقت المنتج الادبي السردي معاصره آنذاك.

اما في مفصل كتابه الأخير وهو الخاص بأمرين مهمين الأول هو رحيل السيد عبد الكريم المدني في زمن الحصار، ومن ثم الاحتلال وسقوط بغداد على يد التحالف بزعامة الامريكان، فيسعى الكاتب من خلال رحيله، متأثرا بجلطة في الدماغ، الى ايجاز مشواره او رحلته الانسانية المشتركة مع اهل بعقوبة التي امتدت زهاء نصف قرن عايشه فيها اهل المدينة من كل الاجناس والديانات والطوائف فتعلقوا به وأحبوه فترك فيهم رحيله فراغا موحشاً بل صادما، وودعوه من بعقوبة الى النجف، حيث مثواه الأخير، بموكب عظيم راجلين راكضين، وواقفين على «...جانبي الطريق يلوحون بحزن ولوعة للموكب الطويل الذي لم يعرف آخره». يروي المدني ذلك وكأن المشهد امامه يحدث الآن بحس متفجر بلوعة ضاهت لوعة فراقه اول لحظة، وواصفَ تفاصيل ما تركه في حياته في نفوس المودعين بين دموع واسىً مر ونظرة اشتياق لأبٍ ومربٍ حاضر لكنه لن يعود، حاملين نعشه على «رؤوس الأصابع...» بحشود فاقت التصور. فإلى اي مدى تترك السيرة الصادقة من أثر على الحياة وحياتهم، ذلك ما اجابت عليه بعقوبة بنسيجها العجيب بوحدة لا يعرف الجار جاره من اية ملة او دين، والسياسي المختلف يسعى ويجازف لانقاذ جاره وصديقه وان كلفه الأمر حياته، وهذه ليست مبالغة، والكلام لي شخصيا، حضرته بنفسي وعايشته في مقتبل العمر. حتى ادركت حكومة البعث آنذاك ذلك فجعلت تفتت لحمة المدينة بما يشبه الهجرة والتهجير المعاكس بتوطين الناس العاديين من خارج المدينة وايفاد المسؤولين من خارجها، بل ابعاد المسؤولين الحكوميين من اهل المدينة الى ما يشبه النفي الى مسؤليات في مدن اخرى. والآن على كل حال غادرها السيد المدني بمنظر يصفه الكاتب بالمارثوني «...من الحب والولاء والصدق والمشاعر الفياضة التي اختلطت فيها مشاعر الحب والحزن والوفاء لمسيرة (السيد) وعطائه وجهاده وجهوده».

أما في جانب الحصار وتغيير النظام وهو آخر مفصل من السيرة فتضمن انفتاح اهل بعقوبة على الحياة ففتحوا ابوابهم للغرباء الوافدين والهاربين من قصف التحالف والموت، من كل انحاء العراق، يقاسمونهم عيشهم وبيوتهم وهم لا يعرفونهم، حتى امتلأت البيوت بالآلاف منهم ومن بينهم بيت السيد المدني. وكأن الأمر ينطوي على سر بأن المدينة المتكئة على نهرين اليفين قد خصتها الحياة ان تبقى بعطائها على الدوام. وابان فوضى التغيير او الاحتلال تصدى اهل المدينة لحماية المنشآت الحكومية «..فكل الذين كلفوا بمهمات حماية المدينة ومؤسساتها كانوا من كل ابناء بعقوبة دون تفريق بينهم على أساس المذهب أو الدين أو العرق...» وبذلك تكون بعقوبة من اوئل مدن العراق التي حافظت الى حد بعيد، من خلال وحدة ابنائها، على مرافق الدولة. غير ان ابناء المدينة ومن بينهم ابناء السيد المدني لم يسلموا من وحشية سلطات الاحتلال التي قامت باعتقالات عشوائية طالت الكثيرين من الشرفاء والمناوئين اصلا للنظام الصدامي البغيض. ويروي المدني ايام عصيبة من تلك الفترة التي سجن فيها الكاتب وولديه وشقيقه ولحين اطلاقهما بعد شهور طويلة تحت ضغوط شعبية كان احدها احتجاجا موقعا بنصف مليون انسان اضافة لتدخلات اجتماعية ذات شأن، فما بالك بضحايا الاحتلال الآخرين الذين لم يرتضو لبلدهم ارهاب صدام ولا ذل الاحتلال، والشواهد كثيرة بل عظيمة بحجمها وبشاعتها. اما ما بعد ذلك فكان الصدمة بالنسبة للعراقيين جميعا وما زلنا نعيشها حتى يومنا هذا فيقول الكاتب عنها «...لكن الشأن الذي اعد لحكم العراق كان يعتمد على المحاصصة وتقسيم الناس إلى مكونات…». وهذا ما اريد له التأسيس على مدار 13 عاما ليغرق العراق، بعد ان فشلوا في صناعة حرب طائفية شعبية، في داومة العنف والارهاب. والسؤال ترى هل سيتعافى العراق وينهض به ابناؤه الطيبون الذي لم تعرف مدنيتهم اية احقاد مهما كان نوعها طائفية كانت ام عرقية. وهذا ما يتوجب على اي مثقف ان يتصدى له ويكشف عنه بكل جرأة بالضد من سياسة التجهيل وتكريس التخلف والاصطفافات المذهبية والعرقية بل حتى العشائرية. فعلى كل من واكب سيرة السيد المدني المشرّفة، وكل من تواصل مع حركة التقدم والحرية، وكل من آمن بقيم الجمال والمحبة والمساواة ان يشتق لنفسه مجازا او مسارا يضعه في النهاية على مصب المدنية والحداثة والعلمانية، وان اختلفت السبل فأن المضامين الراشدة كما فكر المدني المتحرر التي لم تتعارض مع الانسانية الحديثة هي صمام الامان للتقدم والازدهار. ولا يسعنا هنا الا ان نحيي بعض رجال الدين ممن يرون بالحالة المدنية العلمانية الحل وضمان مستقبل الأجيال. اما ما تلوكه اليوم افواه بعض المعممين عن العلمانية والشيوعية كإلحاد فهو في حقيقة الأمر، المنهج الذي قاوم ظلاميته السيد المدني منذ خمسينات القرن الماضي، فقد ايقن ان لكلٍ منهجه اما الحياة فهي هبة (الله ام الطبيعة) التي ينبغي العناية بها لأنها مشترك الجميع.

أما ما جاء في رسالة السيد محمد المدني (الامين العام لمؤسسة الامام المدني الإسلامية) كتذييل او كعاقبة على ما آلت اليه الاحداث بعد 2003، والتي اخذت حصتها من كتاب عبد الحليم المدني، فهي بمثابة الولادة القيصرية باعتقادنا للمشروع او الرؤيا السياسية من بطانة الافكار المتحررة لمجمل التصورات الآنية لرؤية المجتمع من زاوية التدين. ولا ندري ان كنا نمتدح او نقف محايدين لدورها، او حتى اختلافنا معها، ذلك لانها لم تأت بالسياق المتدرج والضامن للفكرة المدنية المجتمعية بمعناها الأوسع، بل جاءت محددة ومتعالية بعض الشيء بشعارها (لا سنية ولا شيعية… وحدة وحدة عراقية… وحدة وحدة إسلامية). اما من حيث الاصطفاف فأنها اصطدمت مع رؤية الدول المجاورة حتى تلك التي استساغتها بإولياتها كسورية والأردن، اما الامارات والسعودية والبحرين فقد اهملتها منذ البداية حيث «...لم ترد اية اجابة أو إشارة من باقي من تمت مراسلتهم من القادة العرب...»، وبذلك يكون نزوعها محكوما برؤية سياسية لا تمتلك تأثيرها المحلي والشعبي على اقل تقدير، وان امتلكته فستركن الى جوهرها المتدين. واذ نعتقد بأن لابد من امتلاكها صفة الاختراق، فمن دونها لاتتجاوز حدودها ومحدوديتها، فعليها اذن ان تقوم بنقلة اوسع تتصدى فيه للموروث بكل صنوفه، والذي عطل الاجابة على اسئلة المنطق والواقع، بل العكس ما زال يردف من بطون كتب مشكوك حتى بزمنيتها مختومة بـ «والله اعلم، بما فيها الطلاق التام مع الافكار المنقولة عديمة الجدوى والفائدة والذاهبة الى خارج التاريخ والحدث وبناء الانسان العصري المساهم بالحالة الانسانية جميعا. ومن المفيد ان نقول، اعتمادا على كلمة الاستاذ محمد المدني في مشاركتةٍ له كرئيسٍ لمؤسسة الامام المدني الإسلامية: في (الملتقى الثاني للديمقراطية والاصلاح السياسي في الوطن العربي) في الدوحة والتي ضمنها الكاتب الاستاذ عبد الحليم المدني كتابه، بأن على المؤسسة اعتماد منهجية خارجة عن الخطاب الشامل الى الخطاب المحدد، واضح المعالم والتنور بنفس الوقت، بحيث يأخد حديثه طريقه الى المشاركة الواقعية، والذي جاء فيه: «وهنا يجب ان نقر بان هذا الإرث مشوب بكثير من ضبابية اللامعقول واللا مقبول وهو بحاجة إلى تمحيص وفرز لنحصل على النقي المنطقي من ارثنا الثري.... وفق عقل منفتح مرن جريء يناظر ويقارن ويستنبط حقائق الامور وصولا إلى رؤية واضحة لخزيننا من القيم والمبادئ والمعتقدات»، خاتما كلمته بحقيقة المواطنة التي يتوجب اقرانها بالواقع عمليا بقوله: «ان كل ذرة تراب عراقية هي عربية كردية تركمانية سنية شيعية اينما كانت في أرجاء هذا الوطن».

وبالرغم من تحفظنا على مؤتمرات من هذا النوع ذلك ان دورها مرسوم مسبقا وبعض شخوصها مستهلكين قوميا واسلاميا، غير اننا نجد في المساهمة محاولة لفتح ثغرة في بنى الانحطاط والموروث بشقيه الديني والاجتماعي. وعليه يتوجب نقل المحاولة من فوقيتها الى شعبيتها كادوات تستهدف ركود وجمود الافكار وخصوصا في دول اولى بها ان تحدث التغيير في بنيتها اولا، كذلك ثلة المثقفين العرب الذين يتحولون بومضة عين من داعمي لسلطات القمع والاستبداد والديكتاتورية في العراق وليبيا وسورية سابقا الى دعاة للديمقراطية وحقوق الإنسان. وبهذا فعلى مؤسسة الامام المدني ان تبقي على مسافة مقبولة من كل هذا كما ابقاها السيد المدني الأب على وفق منهجه.

أما بالنسبة الى مساهمة الاستاذة الدكتورة ابتسام المدني فقد جنحت الى مفهوم اسميه شخصيا بـ "التنمية الدينية المستدامة" بحيث تخلق وعيا من بنية التعاليم المتحررة من قيودها وتعيد انتاجها حضاريا، فيما تبقي على منهجية قرآنية ثابتة. فبالرغم من سلامة النوايا نقول ان الشد الديني يبقى اشد تأثيرا من غيره، وهذا ما احقته السيدة في خطابها، وعلى هذا لا نعتقد ان في اية محاولة جادة حصة من التقدم والانبهار ما لم تتخطى هذا الحاجز. ذلك ان المدنية تخلق فلسفات ومدارس ورؤى، وتؤسس اعمدة لا صلة لها بموروث وقيم الدين الا من حيث استغلاله عاطفيا، الامر الذي تسعى الدكتورة ابتسام المدني الى تفعيله من خلال دعم استنتاجاتها قرآنيا، ومن جانب آخر يصعب الفصل، بل يستحيل، بين السائد على شكل تراث وبداوة وخرافة وبين الدين في مجتماعاتنا التي جعلت منه كتلة واحدة، وهذا ما احقه الاستاذ محمد المدني كذلك، وتفحصته السيدة ابتسام بعناية. وعلى ذلك، متمنين على السيدة ابتسام مواصلة مشروعها من باب حداثي أكثر جرأة، مع علمنا أن سعيا كهذا سيصطدم بواقع التعاليم والتقديس فينكفىء ويتراجع ويفقد شحنته المقاومة، فنبقى في دائرة النستولوجيا العقيمة وكأن مجتمعاتنا ليس فيها سوى الحنين لشذرات ريادية قديمة فلا ينتج مفكروها الأسئلة الصادمة والجريئة.

واذ ندرك هنا جدية المحاولة فأننا ننبه الى اكثريتها التي جوبهت بصلابة فاقت الحجر والحديد فجعلتنا مبطئين بتفاؤلنا، بما فيها عصر التنوير الإسلامي الأخير، ان لم نتأسف على سجالات القرن الرابع الهجري العظيمة، وكل الريادات التي اماتت سلطة العقل والحداثة. وبذلك نتمنى ان ينتظم مشروعها مع سلسلة من الشواهد الأممية النهضوية التي اتت اكلها بالافضل الكثير مما كانت عليه لو انتجت استدامتها دينيا. وبذلك ننبه السيدة ابتسام المدني ان تبقي على التدين والدين معا كقيمة مساندة وليست متجوهرة في الذات المنتجة، بمعنى نقل صفة القداسة من شكل الى آخر، فيبقى المحتوى ثابت، او حتى حيازتها على صفة الاستدامة كليا. ذلك أن هذه الصفة تتعارض مع الفكرة العلمانية المنتجة لانسانٍ جديد.

وما نختم به هو ما نوصي به قارئنا العزيز ان يعيش سرد المدني لغة واشباعاً، طرائف وافراح واحزان تذهب بالقلوب الى مشارف زمن كاد ينسخ روحه بروح الارض الى الأبد لولا نذالة الاقدار. اما جوانب الاختلافات فلا بأس بها، فنحن لا نعتزم في عرضنا وتحليلنا هذا اي محاكمة بل ابدينا رأينا ببعضها بصراحة وادب، كذلك فعل المدني في كتابه بالنأي عن الاسترسال والحكم، بأكثر من مكان، بالنسبة للكثير من القضايا التاريخية ذات الحيثيات التي اخرجتها من سلاسة تطورها بمعنى المنعطفات التي كان بعض منها قاتلا ووجهت الى غير نظامها المنطقي، وهذا ما يشكل بالعموم الحالة المجتمعية/السياسية للعراق منذ زمن لا يستهان بتمدده وغطرسته بالاضافة الى صفة التدجين حتى يومنا هذا، وهي بحاجة الى دارسة من قبل المختصين والاكاديميين، بالإضافة لما تقدم من دور ريادي مغامر.

  كتب بتأريخ :  الإثنين 11-09-2017     عدد القراء :  111       عدد التعليقات : 0