شارع الرشيد ... قرنٌ يضجّ بالحكايات والإهمال
الأحد 24-07-2016
 
عبد الجبار العتابي من بغداد

لم يستطع شارع الرشيد أن يطفئ الشمعة المائة من عمره بتاريخ 23 / 7 /2016 لانه لم يعد يقوى على أن يحرك ساكنًا من جسده المتهالك المهمل القبيح، وقد اصيبت كل حواسه بالضرر، فيما مرت ذكرى سنويته باردة من امام الحكومة التي تركته عاريًا يعاني تقلبات الازمنة.

لم يعد لشارع الرشيد، الأول في تاريخ بغداد، حضور مميز في الحياة البغدادية بعد أن شاخ كل شيء فيه، فتحولت اجزاء كبيرة منه الى ركام، فيما ترك الاهمال آثاره الواضحة على امكنته وبناياته وصار القبح العلامة الفارقة فيه، مما ادى الى ان يكون شبه مقفر وغير قادر على اجتذاب الناس اليه، إلا لكي يعيشوا في اجواء الصخب في بعض امكنته التي تحولت الى اسواق كبيرة، هيمنت على نهر الشارع والارصفة، فيما بعض اجزائه شبه خاوية، اما البغداديون وسواهم من العراقيين فهم يعلنون احزانهم أن الشارع اكله الاهمال وشربه الاندثار وغربت عنه شموس المتعة والانس والمسرة والجمال والسحر والدهشة على الرغم من الكثير من الاخبار التي تشير الى وجود مشاريع (اعادة اعمار الشارع) ولكن لا دلالة على ذلك، خاصة ان الحكومة صمتت ازاء اقدام وزير الثقافة وزير الدفاع وكالة سعدون الدليمي على نقل المبالغ المخصصة لها لتطوير شارع الرشيد الى وزارة الدفاع، والبالغة 120 مليار دينار، ضمن فعاليات بغداد عاصمة الثقافة العربية عام (2013).

هنا تجدر الاشارة الى أن وزارة الثقافة عام 1999 اصدرت بيانًا اكدت فيه اعتبار الابنية الواقفة في شارع الرشيد من الابنية التراثية، حسب (رقم التشريع: 14)  وجاء فيه (استنادًا الى احكام المادة الاولى فقرة (2) والمادة الثامنة من قانون الآثار رقم (59) لسنة 1936، قررنا اعتبار الابنية المدرجة في الجدول المرفق والواقعة في شارع الرشيد من الابنية التراثية، ولكن هو الان من سيئ الى اسوأ وابنيته ما بين مهدمة او على وشك السقوط .

من داخل شارع الرشيد

نقطة ضوء

من المهم في سنوية الشارع استذكار شيء عنه في مقطع من مقاطع حياته ، نستذكر ما كتبه عنه الكاتب جبرا ابراهيم جبرا في روايته (صيادون في شارع ضيق) :

سألني يوسف: " هل تعرف بغداد"؟

- "هذا هو يومي الأول هنا. هل هناك أماكن تجدر رؤيتها"؟

- "بكثرة. هناك سينمات و مقاهٍ".

- "وإذا أردت أن أتمشّى مدة ساعة، فإين تنصحني بالذهاب"؟

- " ما عليك إلا أن تسلك هذا الشارع الطويل، شارع الرشيد، الذي لا بد أن تطّلع عليه. انه من الاستقامة بحيث لن تضيع فيه، ومن التنوع بحيث انك ستحبه. سر بهذا الاتجاه، حتى تصل باب المعظم، وبذا تكون قد رأيت كل شيء تقريباً".

ضاعت ملامحه

من المؤسف ان يغيب الجمال عن شارع الرشيد، وقد جفت الكثير من الأشياء الجميلة، واغلقت أبواب كل المحال المتفردة التي منحته تميزه، فتدهورت أحواله عبر السنوات المكتظة بالحروب والحصار والجوع والألم والارهاب والطائفية،  ولم تعد فيه تلك الابتسامات المشرقة والملامح المبهجة والحكايات اللطيفة التي ينسجها واقع الناس من يومياته، وقد ضاعت المعالم التي كان الناس يتوقفون عندها طويلاً ويتأملونها بدهشة وفرح وفخر ايضًا، لقد انتهت وتحولت الى مجرد آلات وأدوات وأطلال وحيطان جامدة صماء فيما الشناشيل والديكورات الجميلة والزخارف والشبابيك الملونة ذبلت، بل ان وجعها صار يضرب في القلب ويجعل الناظر اليها يشعر بالحزن الكثيف حد البكاء، حيث لا يرى المقهى البرازيلية ولا سينما الزوراء ولا مسرح شهرزاد ولا مقهى المربعة ولا اسطوانات جقمقجي ولا ساعات جواد الساعاتي ولا مكتبة (مكنزي) ولا ستديو بابل ولا ارشاك ولا اورزدي باك الرشيد، ولا حسّو إخوان وإلياس حسّو، ولا حتى الأعمدة ذات التيجان المقرنصة، التي عددها ألف ومئتان وأربعة اعمدة التي يسميها البغداديون (دنكة) التي تؤسس للرواق الجميل، لم يعد لها ذلك السحر، ولا الكثير من علاماته الشاخصة، ولا اولئك الادباء والمثقفين الذين لهم حضور بهي في المقاهي وتركوا ذكرياتهم على مقاعدها وطاولاتها، بل إن الوحشة تغلف أغلب أرجائه والصخب يفزز صباحاته، اما المساء فليس له حضور فيه ابدا، فما أن تنتهي الظهيرة حتى تهدأ الحركة وتغلق المحال أبوابها ويتسرب أصحابها الى بيوتهم، فيغدو الشارع ساحة للأشباح يخيف من يدخله بعد ان يمسي مظلمًا تمامًا.

اربعة اقسام

يبلغ طول الشارع من الباب المعظم الى الباب الشرقي  ( ثلاثة كيلومتر ومائة وعشرين متراً)، وهذه المسافة في الربع الأول من القرن العشرين هي طول مدينة بغداد القديمة من جانبها الشرقي (الرصافة)، فيما عرض الشارع لايتعدى (12) مترًا، ويمكن ان نقسمه الى اربعة اقسام، الأول من الباب المعظم الى ساحة الرصافي، والثاني الى ساحة حافظ القاضي والثالث الى جسر السنك والرابع الى الباب الشرقي، تتصل به خمسة جسور هي: الجمهورية والسنك والاحرار والشهداء وجسر الباب المعظم، بمعنى انه يمتد موازيًا لنهر دجلة، لكن المعماري العراقي الدكتور علي ثويني يرى أن شقّ شارع الرشيد موازيًا لنهر دجلة كان خطأ كبيرًا ، فقد قال لي: بغداد في الأساس بنيت خطأ، لانها اعطت ظهرها للماء، بما يعنى ان من قرروا شق شارع الرشيد اساؤوا لبغداد، ومن ثم عندما شقوا شارعي الجمهورية والكفاح، جعلوا المدينة ثلاثة شوارع موازية للنهر، فلو كانت الشوارع عمودية على دجلة لكانت قد اضطرت الى ان تتوجه اليه، وهذه غلطة بغداد من الأساس.

الفكرة الأولى للشارع

على الرغم من وجود معلومة تفيد ان افتتاح الشارع كان  20 اغسطس 1916 الا ان المتداول ان الافتتاح كان يوم 23  يوليو، وهو ما تم الاحتفال به في سنوات ماضية، وفي العودة الى فكرة فتح الشارع (الجادة)، نجدها تعود الى القرن الثامن عشر الميلادي، يوم طرأت الفكرة على بال سليمان باشا الكبير والي بغداد عام 1780،غير ان موته عام 1802عطل الفكرة التي عادت مع تقلد داود باشا الكرجي سنة 1816 وقد استعان بمهندسين انكليز الا أن الوباء الذي تفشى عام 1830 اثناه عن عزمه، لكن الوالي مدحت باشا  في عام 1868 جدد الفكرة، فرسم له المهندسون عدة رسوم اختار احدها، وهو الذي يمر بين كنيستي اللاتين والسريان بسبب استدعائه من قبل السلطان وتم نقله الى الاستانة.

وفي عام 1910 اراد الوالي حسين ناظم باشا تنفيذ الفكرة، فأحضر المهندسين الذين قدموا له مخططات الشارع المقترح في زمن مدحت باشا، فرآها ملائمة للتنفيذ لكنه اشترط عدم هدم جامع أو كنيسة، فتم رسم المخطط على هذا الاساس، لكن عزله الفجائي أمات الفكرة وحين خلفه الوالي جمال باشا السفاح عام 1911 انهى فكرة فتح الشارع، وسعى خلفه سليمان نظيف بك عام 1915 الى فتح الشارع غير ان غرق بغداد في تلك السنة أقعده عمّا يدور في خلده الى ان قامت الحرب العالمية الأولى وجاء (درغولج باشا) قائدًا للجيوش العراقية، وتفقد ربوع بغداد ووجد شوارعها ضيقة ولا تفي حاجات نقل المهمات العسكرية، فتفاوض مع رئيس البلدية آنذاك محمد رؤوف افندي الجادرجي، وبعد ان اتفقا احضرا مهندسي بغداد الملكيين والعسكريين، وكان بينهم (فوجيل وشكاتيس)، فأمروا بوضع رسم جديد ومن ثم شرعوا بفتح الشارع (الجادة) من الباب الشرقي اولا، بدأوا بتنفيذه نهار الاثنين 20 مارس 1916، فهدموا جدران القنصلية الانكليزية وبدأوا بهدم الدور في سوق باب الاغا لتطل دار رئيس البلدية على الشارع الجديد، ما احدث اعوجاجًا في الشارع، فراح اصحاب الدور يقدمون الرشاوى لبعض المهندسين ليزوروا الرسوم ويحولوا هدم الدور عنها، واستخدمت السلطات المدنية والعسكرية السجناء يومها في تكسير احجار الدور التي ينبغي هدمها، وفي تسوية ارضه، ومن هنا نشأ المثل الشعبي «يدك احجار بالجادة» وكانت شكايات بعض المتنفذين قد اوقفت او حرفت الهدم عن امكنته المقررة ثم اوقف الهدم جوار جامع السيد سلطان علي وكاد مشروع الشارع الجديد يتوقف الا ان عودة خليل باشا والي بغداد وجهود رئيس البلدية في حينها الذي اقام عمودًا خط عليه لوحًا مكتوبًا عليه (خليل باشا جاده سي) اي (شارع خليل باشا) نجحت في اعادة العمل ثانية من قبل العمال نهار الخميس 11 مايو 1916 وفي الساعة التاسعة صباحًا من نهار الاحد 20 اغسطس 1916 جرت مراسيم افتتاح الشارع ( المصدر كتاب بغداد من 1900 – 1934/ اعداد وتحقيق فخري الزبيدي)، ونقش اسم خليل باشا على قاعدة الشارع ونقش اسم خليل باشا على قاعدة منارة جامع السيد سلطان علي يوم الخميس 19 اكتوبر، واستمر هدم البيوت والحوانيت حتى انتهى العمل في الشارع بعد بدء الاحتلال الانكليزي بأيام، أي في أواخر مارس 1917.

الشارع الجليل

اكد المعماري الدكتور خالد السلطاني على اهمية  الشارع المعمارية الكبرى، وقال :عندما شرع "خليل باشا" والي بغداد العثماني (1915-1917)، وقائد الجيش في العراق بتنفيذ فكرة مستشاريه الالمان بشق شارع عريض نسبيًا في صميم النسيج البنائي المتضام ببغداد، ما بين باب المعظم وجامع سيد سلطان علي، بغية إيصال المعدات العسكرية ونقلها بأمان وبسرعة من شمال المدينة الى جنوبها؛ لم يدر في خلده بأنه بذلك سيفتح المجال واسعًا امام نهضة معمارية كبرى سيشهدها، لاحقاً، الشارع "الجليل" (وليست لديّ كلمة أخرى، تضاهي دلالات الكلمة المستخدمة هنا، اعراباً عن حبي، وولعي، وافتخاري بهذا الشارع ومنزلته الحضرية الفريدة!)

واضاف: على مدى قرن من الزمان، قرن كامل من السنين العديدة، سواء كانت ملهمة او عجافًا، ظلت عمارة الشارع تمثل "ألبوماً" مفتوحًا لأنماط معمارية متنوعة، اجتهد غالبية معماريي العراق المهمين في ان تكون تصاميمهم حاضرة ومؤثرة في بنية هذا الشارع المهم.

وتابع : كان الشارع، اذاً، لأهميته العمرانية الكبرى، وحداثة ظهوره، قادراً على استيعاب مقاربات معمارية حداثية، وان يكون حاضنةً لها. من هنا، يمكن إدراك سهولة التجريب التصميمي وغياب "وجل" نزعات التوظيف للتيارات الجديدة، بل والتباهي بدعوتها و"إغوائها" لتكون حاضرة بقوة في عمارة الشارع الجديد. ولئن شغلت فضاءات الشارع واحيازه الجديدة المصممة حديثاً، وظائف معروفة وحتى تقليدية، فإنها ايضاً، كانت امكنة لمهن لم تعرفها المدينة سابقاً، او بالأحرى لم تتعرف العاصمة على طبيعة اشغالاتها الحديثة.

الاحتفال بسنويته

من جانبها، اكدت الكاتبة سلوى زكو على ضرورة الاحتفال بسنوية الشارع، وقالت : يندر ان تجد بغداديًا لم يقطع شارع الرشيد سيرًا على قدميه اكثر من مرة يوم كان الشارع في اوج بهائه، يندر ان تجد من سار على قدميه ولم يلحظ ذلك الفنان الفطري الذي كان يعرض بضاعته للبيع معلقة على الجدار الخارجي لجامع الحيدرخانة، وكانت فيها لوحات بورتريه بدائية لأم كلثوم ومعروف الرصافي والملك غازي وغيرهم كثير. يومها لم يقل له احد أن تعليق الصور على جدران المساجد حرام، يندر ان تجد بغداديًا لم يتسوّق من اوروزدي باك ولم يذق شربت الحاج زبالة وكعك السيد ولم يعبر تلك الازقة الضيقة ليصل الى شارع النهر الباذخ واضواء فاتريناته تخطف الابصار، يندر ان تجد بغداديًا لا يعرف عكد النصارى والمربعة وباب الاغا وسوك الغزل ولم يسمع سمفونية سوق الصفافير، يندر ان تجد بغداديًا لا يعرف اين تقع سينما الزوراء ومقهى البرلمان وكنيسة اللاتين ومطعم عمو الياس ومقهى البرازيلية والكافيه سويس حتى وان لم يدخلها.

واضافت :ألا يستحق هذا الشيخ الجليل وقد بلغ المائة أن نحتفي به؟، هذه دعوة لكل من يعرف فضل هذا الشارع العريق على حياتنا كي يسعى لتنظيم احتفالية تليق بمقامه الرفيع.

احزان بغدادية

توقفنا في استذكار شارع الرشيد عند العديد من المواطنين البغداديين من مختلف الاعمار، وكلهم اعلنوا احزانهم على الحال الذي وصل اليه الشارع الذي وصفوه بالعديد من الاوصاف، التي منها انه أهم شوارع العاصمة، وانه المميز بكل ما فيه، وانه روح بغداد، وانه شارع المتعة حين السير في رواقه، وقد حمل هؤلاء الحكومة العراقية مسؤولية الخراب الذي طال الشارع، مؤكدين أن هذا الاهمال متعمد وسيؤدي الى محو الشارع من الوجود.

 
   
 



اقـــرأ ايضـــاً
استذكار للفنانة ناهدة الرماح في مشيكان الامريكية
امسية استذكارية لفنانة الشعب
معرض بغداد الدولي للكتاب يفتح ابوابه لعشرة ايام
تعزية من منتدى الرافدين للثقافة والفنون، وداعا ناهدة الرماح
نحن بصدد اعادة بناء الموقع
سوق السبايا في شارع المتنبي
منتدى الرافدين للثقافة والفنون شارع المتنبي يبدأ هنا
من ذاكرة السينما: فيلم "الفهد"
التشكيلية العراقية مهـا مصطفى أول فنانة عربية تقتحم كنـدا بنصبٍ مهم
البصرة تزدان بانطلاق المربد الثالث عشر
حصل على 14 ترشيحاً لجوائز الأوسكار: ما لا تعرفه عن فيلم "لا لا لاند"
حانة المتنبي
 

نقوم بارسال نشرة بريدية اخبارية اسبوعية الى بريدكم الالكتروني ، يسرنا اشتراككم بالنشرة البريدية المنوعة. سوف تطلعون على احدث المستجدات في الموقع ولن يفوتكم أي شيئ





 
للمزيد من المقالات