الجواهري الشاعر الكبير الذي لم يرحل
الجمعة 28-07-2017
 
منتدى الرافدين للثقافة والفنون

قال الفنان فيصل لعيبي عن الجواهري:

"لم يتفق معظم الشعراء العراقيون على شاعر كما اتفقوا على الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري ودوره المؤثر في الحياة الأدبية والسياسية في العراق والوطن العربي. كما ان عضويته في مجلس السلم العالمي وفي سكرتاريته يضيف بعداً آخر لهذا الدور، حيث تم تزكيته من قبل كل القوى الديمقراطية والتقدمية واليسارية في العراق لهذا الموقع".

وتكريما لذكرى وفاته العشرين، اقام منتدى الرافدين للثقافة والفنون في ولاية مشيكان الامريكية، امسية استذكارية لشاعر العرب الاكبر محمد مهدي الجواهري، يوم الخميس 27 تموز 2017.

افتتح الامسية زميلنا المبدع عادل اسمرو بقراءات من تراث الجواهري الكبير.

وقرا الزميل خيون التميمي كلم منتدى الرافدين للثقافة والفنون والتي كانت بعنوان "الجواهري بيننا" وجاء فيها:

في مثل هذه الأيام، وقبل حوالي العشرين عاما، وبدعوة من الاتحاد الديمقراطي العراقي، اقامت منظمات الجالية العراقية حفلا تأبينيا بمناسبة اربعينية شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري. وكان مقدم البرنامج في حينها وكما اليوم، زميلنا العزيز عادل اسمرو، وكان من المشاركين أيضا الدكتور علاء فائق، والذي هو معنا اليوم أيضا، والأستاذ طلعت ميشو، ومجموعة اخرى كبيرة من الشعراء وممثلي منظمات الجالية، وان دل هذا على شيء فهو يدل على تواصل واستمرار منظماتنا وفنانينا في استذكار وتقييم المبدعين العراقيين في رسالة تقول، نحن لن ننساكم.

ومنذ تأسيسه قبل حوالي الأربع أعوام سار منتدى الرافدين للثقافة والفنون بنفس الحس الفني الثقافي، وقدم لجمهوره العشرات من المبدعين من الشعراء والفنانين والادباء والكتاب والمسرحيين والتشكيليين، في عشرات من النشاطات المتنوعة. كان منهم (مع حفظ الألقاب الشخصية والفنية): حاتم الصكر ودنيا ميخائيل وكريم شعلان وناظم نعيم وجلال كامل وخزعل الماجدي وعبد الاله كمال الدين ومفيد الناصح ورعد بركات وفوزي كريم وطاهر بركات وقحطان المندوي وياسر الطباع وزهير محسن وبهاء اليعقوبي وحيدر الشلال وابتسام الاسعد، والعشرات من المبدعين والفنانين، وكذلك اقام أربعة نشاطات استذكارا للهجمة الإرهابية على شارع المتنبي شارك فيها العشرات من المبدعين.

كذلك استذكر منتدى الرافدين للثقافة والفنون، المبدعين الراحلين والذي كان منهم: ناهدة الرماح ونوري الراوي ومكي البدري ويوسف العاني وصالح الكويتي وزهير الدجيلي، وعمانوئيل رسام، واخرون.

واليوم نقف لنستذكر علما من اعلام الشعر العراقي والعربي، شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري، بعد عشرين عاما على رحيله، وربما يتساءل البعض، لماذا نحتفل بالجواهري بعد كل هذه السنوات؟

وجوابنا ان الجواهري وشعره لا يزال حيا فينا واشعاره هي انعكاس لواقع العراق بالأمس واليوم، فكيف ننساه وهو الذي قال في قصيدته "أخي جعفر:"

أتعلم أم أنت لا تعلم ......... بان جراح الضحايا فمُ

فم ليس كالمدعي قولةً ......... وليس كآخر يسترحم

وقصيدته "يا دجلة الخير" والغربة والابتعاد والتي تقول:

حييتُ سفحكِ عن بعدٍ فحَييني " " يا دجلة الخير، يا أمَّ البساتين

حييتُ سفحَك ظمآناً ألوذ به " " لوذ الحمائِم بين الماءِ والطين

وقصيدة الساخرة "طرطرا" والتي تعكس ما وصلنا اليه من تقسيم وتفرقة:

أي طراطرا تطرطري تقدمي تأخري / تشيعي، تسنني، تهودي، تنصري / تكردي، تعربي، تهاتري بالعنصرِ/ تعممي تبرنطي، تعقلي تسدري / كوني - إذا رمت العلا - من قُبُلٍ أو دُبُرِ!

وفي "مفاتيح المستقبل" قال:

سلامٌ على جاعلين الحتوف، جسراً إلى الموكب العابر

سلامٌ على مثقل بالحديد، ويشمخ كالقائد الظافر

كأن القيود على معصميه، مصابيح مستقبل زاهر

وكيف ننسى قصيدته "سل مضجعيك يا ابن الزنا" عندما سحب صدام الجنسية العراقية منه:

أنا العروض أنا القوافـــي والقريض وما عــــــــــلا

سل مضجعيك يا ابن الزنا ...أأنت العراقي أم أنــــــــا؟

منتدى الرافدين للثقافة والفنون

هذا هو الجواهري الكبير، والذي لم يكرمه العراق سابقا ولاحقا، وليس له ضرحا في عراقه، ولا مهرجانا يليق بهذا الجبل الشامخ لاستذكاره.

وهذا هو منتدى الرافدين للثقافة والفنون والذي جاء في توجهاته العامة:

""يرى المنتدى إن ثقافة كل بلد هي انعكاس لواقع تاريخي وحضاري وسياسي واقتصادي واجتماعي، وأنها تتغير بتغير هذا الواقع، وأن للمبدعين دور فاعل في تقدم المجتمع وازدهار الوطن، ولكنهم لن يكونوا قادرين على ممارسة هذا الدور إلا بضمان حرية التعبير والرأي، وتأمين متطلباتهم المشروعة"."

ثم قدم الدكتور عزيز التميمي بحثا قيما عن الجواهري واعماله (سينشر كاملا لاحقا)

وقد الدكتور صبري مسلم حمادي مساهمة جميلة في الامسية (ستنشر ايضا لاحقا)

وقرأت الزميلة سلاف سعيد كلمة رئيس مركز الجواهري في براغ رواء الجصاني المرسلة بشكل خاص للأمسية (ستنشر لاحقا)

وشارك الشاعر اسماعيل محمد اسماعيل بكلمة في الامسية

وقرأ الزميل عادل اسمرو رسالة الدكتورة خيال الجواهري المرسة بشكل خاص للأمسية والتي جاء فيها:

" الحضور الاكارم

مساء الخير

في مثل هذا اليوم وبمناسبة ولادة ورحيل الشاعر الوالد محمد مهدي الجواهري تقام المهرجانات والندوات في الذكرى العشرون لرحيله.

ولد الجواهري وعاش ما يقارب القرن من الزمن، نظم الشعر مبكرا لأنه سليل عائلة عرفت بالأدب والفقه ارتباطا بجده محمد حسن الشيخ صاحب كتاب " جواهر الكلام."

كان والده مرجعيا دينيا وشاعرا.

وتحدث والدي يصف حياته:

"عشت حياة عاصفة اختلطت فيها عوالم بعوالم، الفقه بالشعر، والشعر بالسياسة، والسياسة بالصحافة، والصحافة بالحب، والحب بالصداقات، والتوطن بالترحال."

الحضور الأعزاء

تغنى الجواهري بالوطن والطبيعة والمرأة، وللجياع والشهداء، وصدر له الكثير الدواوين، وكُتب عنه العشرات من المؤلفات.

عرف الجواهري بوطنيته وثوريته ضد الطغاة والمستبدين، ومن الغربة تغني بدجله الخير

حييت سفحك عن بعد فحييني

يا دجله الخير يا ام البساتين

حييت سفحك ظمآنا الوذ به

لوذ الحمايم بين الماء والطين

كل الشكر لمنتدى الرافدين للثقافة والفنون في مشيكان

والحضور الأعزاء مع تمنياتي لكم بالتوفيق

د. خيال محمد مهدي الجواهري"

ثم جاءت مساهمة الدكتورة ليلى وجيه عبد الغني لتعطي بعدا وعمقا للأمسية.

وشارك الشاعر همام عبد الغني بقصيدة جميلة عن الجواهري وما ال اليه العراق اليوم.

واختتم الامسية الدكتور نوري منصور مستذكرا ذكرياته مع الجواهري في براغ عند تشكيل جمعية الدفاع عن الشعب العراقي، وموقفه من انقلاب شباط الاسود.

تخللت الامسية افلام عن الجواهري كان منها: فلم عن حياة الجواهري واغنية يا دجلة الخير مع الفنان فؤاد سالم ومع الفنان جعفر حسن وفلم بعنوان على قارعة الطريق وافلام اخرى.

وحضر الامسية جمع من المهتمين والمتابعين للثقافة والادب من بنات وابناء جاليتنا الكريمة، وممثلي منظماتها. وجرى تغطيتها اعلاميا من قبل اجهزه الاعلام والصحف المحلية كان من بينها الفضائية العراقية، وفضائية سكاي مشيكان، وفضائية عشتار، واخرون

ونحن في منتدى الرافدين للثقافة والفنون والمنظمات المشاركة نستذكر اعمال الراحلين وعطاءهما للشعب والوطن والثقافة العراقية، ونطالب الحكومة العراقية والمؤسسات الثقافية الرسمية العراقية بالاهتمام بالمبدعين والرواد الذين يتساقطون في كل العالم بصمت كسقوط اوراق الشجر في الخريف البارد.

تم نقل فقرات الامسية بشكل مباشر على الفيس بوك وتستطيعون متابعته على الرابط التالي:

https://www.facebook.com/nabil.roumayah/videos/10212378659675885/

نبيل رومايا

منتدى الرافدين للثقافة والفنون – الولايات المتحدة الامريكية

27 تموز 2017

مشاركة من رواء الجصاني رئيس مركز الجواهري

في السنوية العشرين لرحيل الجواهري الخالد

الصديقات والاصدقاء، الاجملون

طابت اوقاتكم بكل فرح وسرور

دعونا نتساءل جميعا، قبل البدء، هل نحن في حفل رثاء؟.. ام انه استذكار لخالد لم يرحل؟ ... هل رحل الجواهري حقاً؟ أما هو القائــل:

أكبرت ُ يومكَ ان يكونَ رثاءَ، الخالدون عرفتهم احياءَ؟

أما صدحَ ويصدحُ شعره كل يوم في قلوب وأذهان جميع المتنورين، العارفين دروبهم ومسالك حياتهم ؟.

أما برحت الدراسات والكتابات، فضلا عن الاطاريح الاكاديمية، والفعاليات الثقافية والفكرية تترى للغور في عوالم شاعر الامتين؟! .

الظلاميون ومؤسساتهم، وأفرادهم، ووتوابعم، المتبرعون منهم أو المكلفون، والقابضون - وحدهم - ما فتئوا يسعون، لأطباق صمت مريب عن الجواهري، وحوله، ولهم كل الحق في ما يفعلون، فالضدان لا يجتمعان : تنويرومواقف الشاعر الخالد، ودواكن الافكار والمفاهيم ..

- نعم، في مثل هذه الايام، وصبيحة الأحد، السابع والعشرين من تموز عام الفٍ وتسعمئة وسبعة وتسعين، تحديداً، استنفرت وكالات أنباء ومراسلون وقنوات فضائية وغيرها من وسائل اعلام، لتبث خبراً هادراً، مؤسياً، هزّ مشاعر، ليس النخب الثقافية والسياسية فحسب، بل والألوف الألوف من الناس في شتى الارجاء:

" الجواهري يرحل إلى الخلود في احدى مشافي العاصمة السورية – دمشق،

عن عمر يناهز المئة عام…"

وهكذا أطبق " الموت اللئيم" اذن على ذلك المتفرد الذي شغل القرن العشرين، على الأقل، ابداعاً ومواهب، ثم لتروح الكلمات تترى بعد الخبر المفجع، عن عظمة ومجد الراحل العظيم:

- المتميز بعبقريته التي يتهيّب أن يجادل حولها أحد...

- السياسي الذي لم ينتم ِ لحزب، بل كان “ حزباً ” بذاته، يخوض المعارك شعرا وفكراً ومواقف رائدة

- الرمز الوطني الذي أرخ للبلاد وأحداثها بأتراحها وأفراحها من داخل الحلبة، بل ووسطها، مقتحماً ومتباهياً:

أنا العراق لساني قلبه ودمي فراته وكياني منه اشطارُ

... وذلك الراحل الخالد، نفسه: حامل القلم الجريء والمتحدي الذي “لو يوهب الدنيا بأجمعها، ما باع عزاً بذل المترف البطر".. ناشر صحف " الرأي العام" و" الجهـــاد" و"الثبات" … ورفيقاتهن الأخريات

- منوّرٌ متميزٌ من أجل الارتقــاء، صدح مؤمناً على مدى عقـود حياته المديدة:

لثورة الفكر تاريخ يحدثنا، بأن ألف مسيح دونها صُلبا

- صـاحب " يوم الشـهيد" و" آمنـــت بالحسين " و" قلبي لكردستــان" و" الغضب الخلاق" و" الفداء والدم” و" أم الربيعين" … شامخ، يطأ الطغاة بـ" شسع نعل ٍ عازبا"..

... والجواهـري ايضا وايضا: متمرد عنيد ظـلّ طـوال حياتـه باحثاً عن " وشـك معترك أو قرب مشتجر".. كيّ "يطعم النيران باللهب"! ..

- مبـــدعٌ بلا حـدود في فرائـد" المقصــــورة " و" زوربـا" و" المعـري" و" سـجـــا البحـر" و" أفروديـت" و" أنيتـا" و”لغة الثياب” و" أيها الأرق" وأخواتهن الكثار

- وهو قبل كل هذا وذاك

" أحبَ الناس كل الناسْ، من أظلم كالفحمِ، ومن أشرقَ كالماسْ".

- كما انه " الفتى الممراح فراج الكروب" الذي " لم يخل من البهجة دارا" ..

- رائدٌ في حب وتقديس من " زُنَّ الحياة" فراح يصوغ الشعر " قلائداً لعقودهنَّ" … و" يقتبس من وليدهن نغم القصيد" ..

- وديع كالحمامة، ومنتفض كالنسر، حين يستثيره " ميتون على ما استفرغوا جمدوا" ..

وهو لا غيره الذي قال ما قال، ولكنه ما صلى " لغير الشعر من وثنِ " … فبات الشعراء يقيسون قاماتهم على عمود قامته الشامخ

...انه وباختصار: ذلك الطموح الوثاب الذي كان، ومنذ فتوته “يخشى أن يروح ولم يبقِ ذكرا” … فهل راحت قصائده – حقا – " ملؤ فم الزمان" !! وهل ثبتت مزاعمه بأن قصيــده " سيبقى ويفنى نيزك وشهاب" وهو القائل:

وها هو عنده فلك يدوي….. وعند منعمِ قصر مشيدُ

يموت الخالدون بكل فج ٍ .. ويستعصي على الموت ِ الخلودُ

...ترى هل صدق بما زعم ؟؟!. التاريخ وحده من انبأنا، وينبئنا عن الامر، ويا له من شاهد حق ٍ عزوفٍ عن الرياء!!.

-----------------------------------------

مشاركة الشاعر همام عبد الغني

!! هلاّ ترجلت؟

هلَّا ترجلتَ، كي نشكو لك الزمنا        يا فارساً ما نحنى يوماً ولا وَهَنا

هلَّا ترجلتَ، دنيانا ومحنتُنا      ضاقتْ علينا، وصار الكلُ مرتَهنا

صرنا شتاتاً بكلِ الأرضِ يا -- وجعَ الأجيالِ، هل نتخطى القبرَ والعفنا

تقاذفَ الوطنَ المجروحَ طاغيةٌ       أعمى، وجمهرةٌ قد باعتِ الوطنا

جاءوا مع المدَى أوساخاً تقاذفَها      التيارُ، وانتشرتْ في أرضنا درَنا

فسممتْ كلَ ما في الدارِ من أملٍ      ترنو لهُ الناسُ نبراساً يشعُ سنا

وخدرتْ كلَ عرقٍ نابضٍ حذرٍ      كي لا يرى غيرَها، في ارضنا، وثنا

***

يا سيدَ الشعرِ والأبداعِ، يا علماً       مانفكَ يخفقُ، رغمَ الموتِ، متزنا

ويا أميرَ القوافي، اينما وقفتْ         تثيرُها، فتعمَ الريفَ   و المدنا

حتى إذا عصفتْ هوجُ الرياحِ بنا         كنتَ الفنارَ الذي يستقطبُ السفنا

وصوتُكَ الهادرُ المهيوبُ يملؤها         عزماً، ويدفعُها أنْ تعبرَ المحنا

فاليومُ كالأمسِ، بل زادتْ مصائبُنا        سوءاً، لأنَّ مئاتِ” الروسِ " تحكمنا

***

يا سيدَ الشعرِ والأبداعِ، معذرةً          إنْ كنتُ أكتبُ فيكَ الشعرَ، مقترنا

فللجبالِ الرواسي، وهي شامخةٌ        بعضُ التلالِ، تراها ههنا وهنا

فأنتَ ربُ القوافي، حينَ تأمرُها         تأتيكَ طائعةً لا تبتغي ثمنا

وأنتَ تمنحُها مجداً وتجعلُها         تسمو على كلِ حرفٍ قيلَ أو وُزِنا

قرنٌ من المجدِ، ما أعيتكَ معضلةٌ        عن قولةِ الحقِ لا سراً ولا عَلَنا

قرنٌ من الوقفاتِ البيضِ سجلها __   التاريخُ إرثاً عزيزاً شامخاً رزنا

وساوموكَ، فلم تفلحْ مساومةٌ           وهددوكَ فكنتَ الوالدَ المرنا

****

أبا الفراتينِ، هل تدري بأنَّ لنا          في كلِ يومٍ نعوشاً تبتغي كفنا

و "دجلةَ الخيرِ " ما عادتْ روافدُها      تسقي البساتينَ، أُماً تمنحُ اللبنا

ولم يعدْ مَنْ يحييها ويُسمعُها        صوتَ الغريبِ الذي قد ضيَعَ الوطنا

عشرونَ عاماً مضتْ ثكلى تنوحُ على       الأحياءِ منا، وهمْ موتى وهم جُبنا

دعني أُرددُ قولاً، أنت قائلُهُ         ترثي به صاحباً، ترثي بهِ زمنا

"لو كانَ للموتِ عقلٌ لافتداكَ بمَنْ        أفعالُهُ دفنتهُ قبلَ ما دُفنا “- 2

همام عبد الغني

1-أخواتي واخوتي قراء مواقعنا الكرام

تحياتي لكم جميعاً

ليلة السابع والعشرين من تموز الجاري، اقام منتدى الرافدين للثقافة والفنون في ديترويت، حفلاً استذكارياً، بمناسبة مرور عشرين عاماً على رحيل شاعر العراق والعرب الأكبر، الفقيد محمد مهدي الجواهري. وكانت لي مساهمةٌ شعرية بهذا الحفل، حيث كتبت والقيتُ القصيدة ادناه، والتي نالت استحسان الحضور، الذي ضمَ غالبية مثقفي الجالية العراقية في ديترويت، آمل ان تنال رضاكم.

2- البيتُ الأخير من القصيدة هو للفقيد الجواهري الكبير, من قصيدته في رثاء الفقيد د. هاشم الوتري عميد كلية الطب في حينه.

الحكمة في شعر الجواهري
الدكتور صبري مسلم حمادي
(أستاذ اللغة العربية في قسم اللغات الأجنبية 
بكلية واشتناو - أن آربر – مشيكان)
       هذه محاضرة شاركت فيها في فعالية عن شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري أقامها منتدى الرافدين للثقافة والفنون بولاية مشيغان في الذكرى العشرين لرحيله وبدعوة كريمة من الدكتور علاء فائق وبقية الأخوة القائمين على هذا المنتدى :
في الشعر الغزير للجواهري عشرات الأبيات التي يمكن اقتطاعها من سياقها كي تكون أشبه بالمثل السائر الذي نجد له صدى في أذهاننا وقلوبنا معا ، وهو محور هذه السطور.
       للحكمة جذور عميقة في الشعر العربي، 
حتى إننا نجد ذلك في ملحمة جلجامش حين تنصح سدوري جلجامش بأن يعيش حياته ، ومنذ شعر ما قبل الإسلام وما بعده نجد عشرات النماذج الشعرية التي عبرت القرون من السنين كي تصل إلينا وهي نابضة (في حكمة الحياة) لأنها تخص الإنسان حيث كان.
       لا شيء يجافي الفن كالمباشرة في التعبير والتقريرية المملة ، ولذلك ننفر من الخطاب الآيديولوجي حين يطل بوجهه من قصيدة أو قصة أو رواية ، ولكي نوضح هذا نذكر بيت الشاعر العباسي المعروف أبي العتاهية وهو يصف الموت على سبيل الاستدلال:
لدوا للموت وابنوا للخراب          فكلكم يصير إلى ذهاب
في حين يصف الجواهري الموت بقوله:
ذئب ترصدني وفوق نيوبه       دم أخوتي وأقاربي وصحابي
وهنا تعبر صورة الذئب خير تعبير عما يريده الشاعر. فالجواهري يحب الحياة وهو يصرح بذلك في شعره ويكرره:
يا غادتي إن  الدنى  جنة    نغص منها سرعة الانتقال
حشد من الخلق بهذا المجاز      يمر كالأطياف سرعى عجال
يا غادتي  إن  الغبار الذي    ترين  بقيا  ذكريات تذال
وهذه الأبيات تذكر ببيت أبي العلاء المعري:
خفف الوطء ما أظن أديم     الأرض إلا من هذه الأجساد
والبيت مدور كما هو واضح ، ومن الطبيعي أن يحصل هذا لأن المشاعر البشرية واحدة ، فضلا عن أن الجواهري هو خلاصة لشعراء العربية الكبار، وهذا التناص لا يضير الشاعر في شيء.
ويؤكد الجواهري حبه للحياة الدنيا - كما يعبر عنها- وتعلقه بها في قصيدة له تحت عنوان جربيني:
كل ما في الحياة من متع العيش    ومن  لذة بها  يزدهيني
أنا ابن العشرين من ضامن لي         إن تقضت لذاذة العشرين
وقصيدة جربيني من القصائد الجريئة للجواهري إذ يقول فيها:
أنا ضد الجمهور في العيش     وفي التفكير وضدهم في الدين
ولم يكرر هذا المعنى في شعره ، ربما حرصا منه على جمهوره.
ويقول أيضا:
متعيني قبل الممات فما     يدريك ما بعده وما يدريني
وهو يحيل هنا إلى قول أبي نواس:
ما جاءنا  أحد  يخبر  أنه     في جنة مذ مات أو في نار
وفي قصيدة جربيني ذاتها يقول:
وأنا في  جهنم مع أشياخ      غواة بغيهم غمروني
عن يساري أعمى المعرة والشيخ    الزهاوي مقعدا عن يميني
وهو هنا يذكر برسالة الغفران لأبي العلاء المعري وبفكرة الكوميديا الإلهية لدانتي أليجيري ، وربما توخى أقصى الطرافة عبر البيتين السابقين.
 أما بشأن الدين على وجه العموم ، فإن الجواهري يذكره عرضا في شعره :
والدين كل الناس تعرف حمله     والفرق كل الفرق عند أدائه
حقا إن أسلوب أداء الدين هو الذي يختلف فيه الناس في حين لا يختلف اثنان في أنه حاجة إنسانية عميقة ، بسبب من أن الإنسان طارئ في هذه الحياة الملغزة وضعيف مهما كان قوياً وحائر أمام أسرار الحياة التي تأبى أن تنكشف أمامه ، لذلك يجد في الدين ملاذاً، وهذا ينطبق على جوهر الدين الذي يفترض أن يدعو للسلام والمحبة فإن كان الدين خلاف ذلك فإنه يخرج عن كونه ديناً ويتحول إلى نمط من (العنف المنظم) ومثل المافيا أو نوع من (أنواع) النازية البغيضة.
ولأن أدعياء الدين كثر ، وهم ممن يتخذون منه قناعا ، فإن الجواهري يقول:
لهفي على أمة غاض  الضمير  بها     من مدعي العلم والآداب والدين
موتى الضمائر تعطي الميت دمعتها    وتستعين  على حي بسكين
لا بد معجلة كف الخراب  به     بيت يقوم على هذي الأساطين
ويقول أيضا حائرا مستفهما:
يا نديمي  وقد  تحير  ظن     في اشتراع الثارات في الأديان
فسيبقى ما قارع السن سن       بشر أدرد بلا أسنان
يا نديمي أليس ثمة ثان    لإختلاف الإنسان  والإنسان؟
ونتساءل مع شاعرنا الجواهري: أليس ثمة من بديل لاختلاف الناس مع بعضهم بعضا؟
وفي السياق ذاته يقول الشاعر الجواهري:
يا نديمي ومن لظى سقر     صيغ  هذا  اللجام  للبشر
وهذه صياغة أخرى لمقولة كارل ماركس الشهيرة: الدين أفيون الشعوب ، إذ تتخذ جهنم أو سقر أو النار وربما الزمهرير أدوات لتخويف الناس في كثير من الأحيان. ولكن الجواهري في الوقت ذاته يدرك أهمية الدين وحاجة الإنسان له:
إنا إلى الله قول يستريح به     ويستوي فيه من دانوا ومن جحدوا
      فالجواهري يتساءل عن القيم:
يا نديمي وما هي القيم     غير ما زخرفت به نظم؟
شاءهن الخصيم  والحكم       وحماهن صارم خذم
والجواهري هنا يذكر بقول أبي الطيب:
يا أعدل الناس إلا في معاملتي   فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
وقد أفاد الجواهري من فكرة أن يكون الحاكم هو الخصم والحكم بمعنى أن يشرع القيم التي لا يلتزم هو ورهطه من الأقوياء بها ، وأما الضعفاء فإن القانون لهم بالمرصاد حماية لتلك القيم. 
   وأما المُثل فإن الشاعر يعرفها بأنها:
يا نديمي وما هي المُثل؟   إذ يساط الإيمان والدجل
والرسالات أين والرسل؟     حين  يلوي بهن منتحل 
فلذياك باقة الزهر           ولهذا الشواظ من  سقر
فالشاعر هنا يلمح فكرة الجنة والنار التي وردت في الأديان حين تغادر وظيفتها الدينية وباتجاه أغراض سياسية أو دنيوية لا علاقة لها بالدين.
    الجواهري يفصح عن سوء ظنه بالناس في قوله:
لقد ساءني علمي بخبث السرائر    وأني على تطهيرها غير قادر
وهو هنا يحيل إلى قول أبي الطيب:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد       ذا عفة  فلعلة  لا يظلم
      وفي غمرة إحساسه باليأس والإحباط يرى الحياة فوضى لا نظام لها:
يزهد في المحامد طالبيها      يقين أن عقباها هباء
فقد تأتي الفظيع ولا عقاب    وقد تسدي الجميل ولا جزاء
وفي التاريخ أتعاب كثار     مضت هدرا وطار بها الهواء
ولكنه في سياق آخر وربما في عمر آخر ، يقول ما يتضاد مع هذا:
لن يضيع الحساب ما بين قبح       وجمال وبين  حمد ولعن
ويؤكد المعنى ذاته في قوله:
وما طال عصر الظلم إلا لحكمة     تنبئ أن لا بد تدنو المصارع
  فالجواهري يؤمن بالكفاح في مواجهة الحياة:
هو الدهر قارعه يصاحبك صفوه      فما صاحب الأيام إلا المقارع
       ويتساءل الجواهري:
ألا  هل ترجع الأحلام                ما كحلت به  المقل؟   
وهو يلمح هنا قول أبي الطيب: ما كل ما يتمنى المرء يدركه.
      وبشأن التضاد ما بين المظهر والجوهر يقول الجواهري:
لا  تغرنك  أوجه       كطلاء  من  الذهب
وثغور تضاحكت      كانعكاسات  اللهب
فتشي عن دخائل     غيبت تشهدي العجب
وهو معنى يتكرر كثيرا في الشعر العربي بيد أن للشاعر فضل الصياغة الرصينة والصور الشعرية التي تحفر لها مكانا في الذاكرة.
  ولديه وجهة نظر طريفة في شعره:
يظنون أن الشعر قبسة قابس     متى ما أرادوه وسلعة بائع
قساة محبوك الكثيرون إنهم      يرونك إن لم تلتهب غير نافع
وعن شعره أيضا يقول الجواهري ساخرا:
وعللت أطفالي بشر تعلة      خلود أبيهم في بطون المجامع
   وعن إحساسه بالغربة يقول:
إنا لنخنق في الأعماق غربتنا    حتى تمور على أحداقنا حرقا
  للجواهري رأي بالماضي:
ومن  لم يتعظ لغد بأمس        وإن كان الذكي هو البليد
  وعن البساطة في العيش:
وللبساطة ما أغلى كنائزها       قارون ينفق فيها التبر والورقا 
بمعنى أن البساطة أغلى من أن تشترى بالمال.
      ويلمح قول أبي الطيب:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله    وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
فيقول الجواهري
ومن أين للحساس قلب يريحه       ومن  أين للقلب الغبي  غرام
       وثمة بيت طريف عن الشباب:
بكيت على الشباب وقد تولى           كمن يبكي  على قدح  مراق
      وعن الدموع يقول الشاعر الجواهري:
للنفس حالات يلذ بها الأسى       وترى البكاء كواجب مشروع
لا تبخسوا قدر الدموع فإنها        دفع الهموم  تفيض  من ينبوع
وكأن الجواهري هنا يشير من طرف خفي لقول أبي ذؤيب الهذلي:
ولقد أرى أن البكاء سفاهة            ولسوف يولع بالبكا من يفجع
         في الخلاصة فأن ما ذكر عن الجواهري الذي يمثل ذروة القصيدة ذات الشطرين أو القصيدة الكلاسيكية كما قد يسميها بعضهم وربما أطلق عليها اسم القصيدة العمودية من جانب ومن الجانب الآخر خبر الحياة وبما يقارب من قرن من الزمان تشذرت قصائده بأبيات حكمة تجري مجرى الأمثال وتصلح لكل زمان ومكان إذ سبكها الشاعر عبر بناء قصائده الرصين ومزجها بإحساسه فجاءت ساخنة نابضة بالحياة ، لا سيما أنها مؤطرة بصور شعرية تنفذ إلى القلب والذهن معا. فهل من متعظ بها ؟ وقديما قيل: ما أكثر العبر وأقل الاعتبار. وما ذكرناه من أبيات حكمة هو غيض من فيض ، إذ تزخر قصائده بمثل هذه الحكم.

 
   
 



اقـــرأ ايضـــاً
الجواهري الشاعر الكبير الذي لم يرحل
امسية استذكارية لشاعر العرب الأكبر في مشيكان الامريكية
استذكار للفنانة ناهدة الرماح في مشيكان الامريكية
امسية استذكارية لفنانة الشعب
معرض بغداد الدولي للكتاب يفتح ابوابه لعشرة ايام
تعزية من منتدى الرافدين للثقافة والفنون، وداعا ناهدة الرماح
نحن بصدد اعادة بناء الموقع
سوق السبايا في شارع المتنبي
منتدى الرافدين للثقافة والفنون شارع المتنبي يبدأ هنا
من ذاكرة السينما: فيلم "الفهد"
التشكيلية العراقية مهـا مصطفى أول فنانة عربية تقتحم كنـدا بنصبٍ مهم
البصرة تزدان بانطلاق المربد الثالث عشر
 

نقوم بارسال نشرة بريدية اخبارية اسبوعية الى بريدكم الالكتروني ، يسرنا اشتراككم بالنشرة البريدية المنوعة. سوف تطلعون على احدث المستجدات في الموقع ولن يفوتكم أي شيئ





 
للمزيد من المقالات